قراءات حول "العملات والمسكوكات" تستنطق الذاكرة الاقتصادية والحضارية لعُمان
أقيمت اليوم في قاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر ندوة "قراءات حول العملات والمسكوكات في الحضارة العُمانية" نظمتها وزارة الثقافة والرياضة والشباب ممثلة بالمنتدى الأدبي ودائرة مصادر المعلومات الحضارية برعاية المكرم الدكتور محمد بن ناصر الصقري عضو مجلس الدولة، وبحضور نخبة من الباحثين والمهتمين بمجال العملات النقدية ومقتني العملات، وناقشت عبر خمس أوراق بحثية مراحل متعددة من التاريخ النقدي في عُمان وما تحمله المسكوكات والعملات من شواهد تتصل بالتاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي وصولا إلى التحولات التي رافقت بناء النظام النقدي الحديث في سلطنة عُمان.
وشارك في الندوة الباحثون الدكتور إبراهيم الفضلي، وجمال الكندي، وعبدالعزيز الخروصي، وهلال القاسمي، وخالد الطيواني، وأدارتها زكية المعمري، حيث كشفت الأوراق الخمس على اختلاف فتراتها التاريخية وموضوعاتها عن قدرة المسكوكات والعملات على تقديم مادة تتجاوز تاريخ النقد إلى قراءة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها عُمان، إذ حملت القطع المضروبة في فترات مبكرة أسماء حكام وقوى سياسية وسجلت انتقالات في النفوذ، فيما أظهرت الكنوز المكتشفة اتساع الروابط التجارية لعُمان، وصولا إلى المراحل التي تشكلت فيها مؤسسات النظام النقدي الوطني وأصبحت العملة أحد مظاهر السيادة الاقتصادية للدولة.
نقود القرامطة
واستهل الدكتور إبراهيم بن أحمد الفضلي الأوراق البحثية بورقة تناولت "نقود القرامطة المضروبة في عُمان.. الدلالة والأهمية"، واستعرض فيها نماذج من النقود المضروبة في عُمان خلال تلك الفترة، ومن بينها دراهم ودنانير تحمل أسماء شخصيات ارتبطت بالأحداث السياسية التي شهدتها البلاد، موضحا أن قراءة الأسماء والألقاب والنقوش المثبتة على هذه المسكوكات تساعد على مقارنة الروايات التاريخية بما تقدمه القطعة النقدية نفسها من دليل مادي يمكن الاستناد إليه في ضبط بعض الوقائع أو إعادة النظر في تواريخها.
وأشار الفضلي إلى أن النقود تكشف كذلك طبيعة العلاقة بين القوى المتنافسة في عُمان خلال تلك المرحلة، وتوضح انتقال النفوذ بين القرامطة والبويهيين وما رافق ذلك من تغيرات في السلطة، مستشهدا بمسكوكات تحمل أسماء وألقابا مرتبطة بتلك القوى، ومبينا أن ظهور النقود البويهية المضروبة في عُمان يقدم شاهدا ماديا على التحول السياسي الذي انتهى بتراجع النفوذ القرمطي، حيث تتجاوز أهمية هذه النقود قيمتها النقدية إلى قدرتها على سد جوانب من النقص في المصادر المكتوبة، إذ تقدم معلومات عن الأوضاع السياسية في عُمان وعلاقاتها الخارجية وطبيعة التنافس على النفوذ فيها.
أسماء غائبة
وتناول الباحث جمال بن محمد الكندي في الورقة الثانية المعنونة بـ "فلس الإمام العدل التائب إلى الله"، وقال إن دار السك لا تقتصر أهميتها على إصدار العملات من الذهب والفضة والنحاس، إذ تمثل مصدرا للمعلومات عن القادة والأمراء والأئمة الذين حكموا عُمان والفترات الزمنية المرتبطة بهم، وتمنح الباحث مادة يمكن مقارنتها بما حفظته المدونات والمخطوطات التاريخية، حيث إن عُمان عرفت خلال مراحل مختلفة نقودا ضربتها دول وقوى تعاقبت عليها، في حين تكشف بعض المسكوكات عن نماذج عُمانية خالصة سكت في دار سك عُمانية وحملت أسماء أئمة عُمانيين من دون أن تظهر عليها أسماء أو ألقاب مرتبطة بالقوى الخارجية.
ومن بين الشواهد المعروفة دراهم حملت أسماء أئمة عُمانيين، وعثر على بعضها ضمن كنوز نقدية أتاحت التعرف على جانب من النشاط النقدي المحلي في تلك المراحل.
وعرض جمال الكندي قطعة أثرية تعرض لأول مرة، وهي فلس من النحاس تحمل عبارة "الإمام العدل"، وربط قراءته للقطعة بالإمام راشد بن علي الخروصي الذي بويع بالإمامة في القرن الخامس الهجري، ويأتي هذا الفلس وفق ما طرحه في الورقة، ضمن شواهد نقدية تساعد على تتبع أسماء الأئمة العُمانيين الذين ضربت في عهودهم المسكوكات، وتضيف مصدرا ماديا إلى ما توفره المصادر المكتوبة عن تلك المرحلة.
ولم تقف قراءة الكندي عند هذه القطعة؛ فقد عرض مسكوكات أخرى تحمل عبارات وأسماء تثير أسئلة حول شخصيات لا تقدم عنها المصادر التاريخية المتداولة معلومات واضحة، ومن بينها قطع تحمل صيغا من قبيل "الإمام العدل"، وقال: إن وجود هذه الأسماء على المسكوكات يفتح مجالا للبحث في احتمال وجود أئمة عقدت لهم البيعة ولم تحفظ المصادر المتاحة تفاصيل كافية عنهم وهو ما يجعل القطعة النقدية وثيقة مهمة عند مقارنتها بالمخطوطات والسير وغيرها من مصادر التاريخ.
وفي جانب آخر من الورقة راجع الكندي نسبة قطعة نقدية سبق ربطها بعُمان في إحدى الدراسات، وقدم قراءة مغايرة استنادا إلى ما تحمله من نقوش وعبارات ومقارنتها بمسكوكات أخرى، حيث توصل إلى أنها لا تعود إلى عُمان، ومن هنا أكد أن المسكوكات قادرة على تصحيح بعض المعلومات التي استقرت في دراسات سابقة خصوصا عندما تتوفر قطعة تحمل نقشا أو اسما أو دلالة زمنية يمكن إخضاعها للقراءة والمقارنة مع المصادر الأخرى.
من السك إلى المؤسسة
وفي ورقة بحث اقتربت من التاريخ الحديث قدم الباحث عبدالعزيز بن علي الخروصي ورقته التي تناولت التحول من النقد المعدني إلى العملة الورقية في سلطنة عُمان، حيث تناول مرحلة سك عملة "الربع" في عهد السلطان فيصل بن تركي في أواخر القرن التاسع عشر ورأى فيها ممارسة لحق إصدار النقد ضمن واقع كانت فيه عُمان مرتبطة بمنظومة نقدية أوسع في المحيط الهندي، مشيرا إلى أن هذه المرحلة تقدم مؤشرا مبكرا على حضور السلطة في المجال النقدي وإن كانت الظروف الاقتصادية والتجارية آنذاك تجعلها مختلفة عن مفهوم السيادة النقدية المؤسسية الذي تشكَّل في مراحل لاحقة.
ثم تتبع الخروصي الانتقال إلى العملة الورقية الوطنية في مطلع سبعينيات القرن العشرين وما صاحبه من تحول في النظام النقدي حيث شكّل إصدار النقد الوطني مرحلة جديدة في التاريخ المالي لسلطنة عُمان؛ إذ أصبح للبلاد نقد يرتبط بسلطتها الوطنية في وقت كانت فيه المنطقة قد عرفت تداول عملات متعددة فرضتها العلاقات التجارية والاقتصادية الممتدة مع الهند والخليج العربي وشرق إفريقيا، حيث إن إنشاء البنك المركزي العُماني مثل محطة أساسية في اكتمال البناء المؤسسي للسيادة النقدية، وقد أصبح إصدار العملة وتنظيم السياسة النقدية والإشراف على النظام المصرفي يجري ضمن إطار قانوني ومؤسسي، وهو تحول يربط تطور النقد في سلطنة عُمان بمسار بناء مؤسسات الدولة الحديثة وقدرتها على إدارة اقتصادها ونظامها المالي.
كنز سناو
وفي ورقته حول كنز سناو ودلالاته التاريخية والأثرية قال الباحث هلال بن عامر القاسمي: إن الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان أتاح لها اتصالا بحريا وبريا بمناطق مختلفة من العالم القديم وجعلها جزءا من شبكات واسعة للتجارة وتبادل السلع والثقافات، وهو ما تؤكده الكنوز النقدية التي عُثر عليها في عدد من المواقع العُمانية بما تحمله من مسكوكات تعود إلى دول وفترات زمنية متعددة.
وتناول القاسمي قصة اكتشاف كنز سناو عام 1979 داخل إناء فخاري وما أعقب العثور عليه من تسليم القطع إلى الجهات المختصة ودراستها، موضحا أن الكنز يضم مئات الدراهم التي تمتد زمنيا من العصر الساساني إلى العصر العباسي فيما تكشف أماكن سكها نطاقا جغرافيا واسعا يصل إلى الأندلس مرورا بمصر وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية.
وقال القاسمي: "إن هذا التنوع يقدم شاهدا على موقع عُمان في شبكات التجارة القديمة واتساع صلاتها الاقتصادية، كما تحمل المسكوكات دلالات سياسية وتاريخية من خلال ما تسجله من أسماء وتواريخ ودور للسك، بما يتيح مقارنتها بالمصادر المكتوبة ومراجعة بعض الروايات التاريخية".
دولار ماريا تريزا
واختتم الباحث خالد بن ناصر الطيواني الأوراق العلمية بدراسة تناولت دولار ماريا تريزا المعروف محليا بالريال النمساوي أو الفرنسي وقال: إن هذه العملة تجاوزت حدود الدولة التي أصدرتها وأصبحت وسيلة واسعة التداول في أسواق الشرق الأوسط والخليج العربي وشرق إفريقيا بفعل ثبات وزنها ونقاوة الفضة ومواصفاتها الفنية، حيث إن النقوش والرموز والحروف التي حملتها العملة أدت دورا مهما في تعزيز ثقة التجار بها وأصبحت وسيلة للتحقق من أصالتها في الأسواق التي لم تكن تمتلك وسائل حديثة لفحص المعادن.
وتناول الطيواني وصول العملة إلى عُمان والخليج العربي ضمن الحركة التجارية التي ربطت المنطقة بالهند وشرق إفريقيا، حيث استخدمت في المعاملات وتقدير قيم السلع وبعض الالتزامات المالية واستمر حضورها حتى بدأت العملات الوطنية والأنظمة النقدية الحديثة تأخذ موقعها في المنطقة.
وقال "إن التجربة الطويلة في التعامل مع عملة ثابتة الوزن والنقاوة أسهمت في ترسيخ مفهوم الثقة بالنقد وأهمية دقة الإصدار وحماية العملة، وهي عناصر أصبحت لاحقا جزءا من الأنظمة النقدية الوطنية الحديثة".
ودعا خالد بن ناصر الطيواني في ختام ورقته إلى تعزيز التوثيق المؤسسي للعملات والمسكوكات التي تداولت في سلطنة عُمان وجمع الروايات الشفوية المرتبطة باستخدام العملات القديمة، مع توسيع الدراسات المقارنة بين التجربة العُمانية وتجارب الخليج العربي وشرق إفريقيا لفهم شبكة العلاقات التجارية والنقدية التي ربطت هذه المناطق.
فقرات مصاحبة
وكانت قد بدأت الفعالية بكلمة للدكتور ناصر الصوافي نيابة عن المنتدى الأدبي وضح فيها أن دراسة العملات تساعد على التعرف على أشكال التواصل الحضاري بين الشعوب، كما تقدم شواهد على الدول والأمم التي مرت بهذه الأرض والصلات التي أقامتها مع محيطها، وتكشف جوانب من تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ومن هذا المنطلق جاءت الندوة بمشاركة نخبة من الباحثين لبحث جانب مهم من المنجز الحضاري العُماني عبر مجموعة من الأوراق التي تدرس العملات التي جرى تداولها في عُمان ومضامينها التاريخية.
كما شهدت الندوة تكريم المشاركين، وجولة في المعرض المصاحب اطلع فيها راعي المناسبة والحضور على إصدارات النادي الثقافي إلى جانب نماذج من العملات النقدية المعدنية والورقية التي تنتمي إلى حقب مختلفة من تاريخ عُمان القديم وصولا إلى الوقت الحاضر، كما أتاح المعرض للحضور الاطلاع على نماذج تكشف جانبا من تطور النقد وتنوع أشكاله وارتباطه بالمراحل السياسية والاقتصادية التي مرت بها عُمان.
