No Image
ترجمة

هل تغير الانتخابات الإسرائيلية من خروج المستوطنين عن السيطرة؟

13 أغسطس 2026
13 أغسطس 2026
نيكولاس كريستوف - ترجمة: أحمد شافعي

بنيامين نتنياهو هو رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، وهو أيضا الأشد وبالا على كل من اليهود والفلسطينيين سواء بسواء.

غابت غزة إلى حد ما عن الوعي العالمي، لكنها لا تزال في وضع مزرٍ بلا مسار واضح للمضي قدما، في حين أن الضفة الغربية تتعرض لهجمات قاسية من المستوطنين الذين يوسّعون الهوة بين إسرائيل وبقية العالم. وكل هذا بعض من تركة نتنياهو.

وأخيرا تشير استطلاعات الرأي إلى فرصة لنهاية محتملة لعهده الكريه في انتخابات أكتوبر في إسرائيل.

السؤال الذي يخيم على المنطقة هو ما إذا كان الذي سيعقبه، في حالة الإطاحة به، سيكون خيرا منه. والإجابة التي أسمعها من الخبراء هي هذه: نعم، قد يكون الأمر كذلك بدرجة ما. لا تنتظروا قيام دولة فلسطينية أو وقوع تحول جذري، لكن أسوأ التجاوزات والأعمال الوحشية قد تتحجم.

يبدو أن جادي أيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، هو الأرجح لحكم قيادة إسرائيل إذا ما ثبت فناء نتنياهو السياسي، وأيزنكوت بلا جدال ليس من الحمائم، فهو معروف بمساعدته في صياغة عقيدة الضاحية [Dahiya]: أي الرد على الهجمات بتدمير شامل لا يتناسب وقوة الهجمة، بهدف تحقيق الردع. والتسمية مأخوذة من «ضاحية بيروت» التي طبقت إسرائيل تلك العقيدة فيها قبل عقدين، وتعد في بعض الأحيان سابقة لهدم نتنياهو لغزة.

ولكن أيزنكوت أيضا انسحب من مجلس وزراء نتنياهو الحربي بسبب خلافه على توجه حرب غزة (التي فقد فيها ابنه بما جعله موضع تعاطف في السياسة الإسرائيلية). وتشير تصريحاته إلى أنه سوف يحاول توجيه إسرائيل وجهة أكثر اعتدالا والسيطرة على عنف مستوطني الضفة الغربية الذين يرتكبون هجمات إرهابية على الفلسطينيين.

قال دانيال كيرتز سفير أمريكا سابقا في إسرائيل والأستاذ حاليا بجامعة برينستن إن «أيزنكوت سوف يحدث فارقا جوهريا في ما يتعلق بتهدئة الأجواء من جانب والاشتداد على الخارجين على القانون من جانب آخر».

أغلب المستوطنين ليسوا عنيفين، والبعض يعيش في المستوطنات (التي تعد بصفة عامة غير قانونية بموجب القانون الدولي) لا لأسباب أيديولوجية، ولكن لأنها رخيصة. ويجدر بالذكر أيضا أن هجمات المستوطنين التي تلحق أضرارا أو إصابات قد بلغت أعلى مستوى لها منذ عقدين، بمتوسط خمس هجمات في اليوم خلال العام الماضي، ارتفعت إلى ست في اليوم خلال النصف الأول من العام الحالي، وفقا لأرقام الأمم المتحدة.

لقي قرابة ألف ومائة فلسطيني مصرعهم في الضفة الغربية على أيدي جنود أو مستوطنين إسرائيليين منذ هجمة حماس في السابع من أكتوبر على إسرائيل بحسب ما تقول الأمم المتحدة. وبرغم التشكيك في الملابسات في أكثر الأحيان فإن من أولئك القتلى ما لا يقل عن مائتين وثلاثة وأربعين طفلا.

في ظل حكم نتنياهو يزداد وقوف الجيش الإسرائيلي في صف المستوطنين، وإن انخرطوا في سلوك غير قانوني أو عنيف، بحسب ما يقول فلسطينيون وجماعات حقوق إنسان إسرائيلية وروايات إعلامية ومصادر أخرى. وقد قالت لجنة تابعة للأمم المتحدة: إن «الجيش دأب على مرافقة المستوطنين في هجماتهم».

والمعنى العملي لذلك كله هو الشقاء لأمثال عبد المجيد حسن المزارع الفلسطيني الذي تجاوز السبعين من العمر وأزوره بصفة دورية منذ سنين كثيرة. وهو راع لين الصوت يقيم في قرية قصرة، وهو شديد الاعتزاز بأن أبناءه الاثني عشر جميعا قد التحقوا بالجامعة.

قال لي خلال زيارة في أبريل وهو يسوق قطيعه «إن أغنامي هذه هي التي أدخلت أبنائي الجامعة».

على مدار السنين، أطلق مستوطنون الرصاص على حسن في ساقه، وأحرقوا بيته مرارا، وسرقوا شياهه، واجتاحوا بيته، وقطعوا ما بينه وبين بستان زيتونه، وحاولوا إحراق أغنامه حية، وحالوا بينه وبين الوصول إلى النبع الذي يسقي منه قطيعه، وهددوا أحفاده، وحطموا له خمس سيارات، ورموه بالحجارة مرات لا حصر لها، وذلك وفقا لما حكاه لي هو وأهل قريته ومراقبو حقوق إنسان.

قال لي: إن «الوضع يسوء»، فمن قبل كانت قوات إسرائيلية في بعض الأحيان تمنع المستوطنين، أما الآن فهي تحميهم في الغالب. وفيما كنا نتكلم، اتصل أحد بنيه لينبهه إلى اقتراب أكثر من عشرين مستوطنا. قال لي حسن في تسليم: «إنهم سوف يشرعون في إلقاء الحجارة، وإن رأوا سيارة، فسوف يحرقونها».

من التطورات التي تزيد احتمالية تشديد الخناق على المستوطنين المتطرفين أننا نشهد تزايدا في عدد الإسرائيليين المرموقين الذين يعترفون بوحشية الهجمات ويطالبون الحكومة بالاشتداد عليها.

فقد وقع رئيسان سابقان للوزراء وشخصيات رفيعة المقام رسالة مشتركة هذا الصيف تطالب نتنياهو «فورا باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لإنهاء الإرهاب الإسرائيلي الذي استشرى» في الضفة الغربية.

فقد قال تمير باردو ـ رئيس جهاز الموساد الأمني السابق ـ للتلفزيون الإسرائيلي بعد جولة في قرى الضفة الغربية إن «أمي كانت ناجية من الهولوكوست، وما رأيته ذكرني بالأحداث التي كانت تقع على اليهود في القرن الماضي».

وصاغ عميد الجيش الإسرائيلي المتقاعد جوناتان شمشوني الأمر على النحو التالي: «إسرائيل الآن تستعمل قوتها للشروع في تخليص الضفة الغربية من الفلسطينيين»، بل إن الرئيس الإسرائيلي إيزاك هيرتزوج نفسه أدان هجمات المستوطنين واعتبرها «موجة عنف رهيب يقوم بها غوغاء فوضويون».

وهكذا يؤدي الإرهاب عمله، بنشره الخوف، وجعله أسرا كاملة تفكر فيما لو أن عليها أن تلوذ بالفرار.

قالت لي شفا أبوعرام، 54 عاما، حينما زرتها في قرية حلاوة الفلسطينية النائية التي تتعرض بانتظام لهجمات المستوطنين: «إننا كثيرا ما نفكر في الرحيل. فأنا خائفة على بناتي. عندي بنات صغيرات، مراهقات، وأخشى أن يغتصبهن المستوطنون».

اجتاح المستوطنون حلاوة، فقيدوا الرجال وضربوهم، وأحرقوا بيتا حتى سووه بالأرض، وقطعوا أنابيب المياه، واجتثوا أشجار الزيتون والرمان، ودمروا ألواح الطاقة الشمسية وحاويات المياه واقتحموا مراحيض بداخلها نساء، بحسب ما قال لي كثيرون من أهل القرية، مضيفين أن المستوطنين في بعض الأحيان يكونون مسلحين ببنادق هجومية أمريكية.

ولعل أكثر ما فزع منه الآباء هو قيام المستوطنين بصدم حافلة تقل أطفالا إلى المدرسة، حسبما قال لي آباء وأبناء. إذ قالت لي فتاة في التاسعة من العمر كانت في الحافلة واسمها كوثر «لقد فزعت حينما هاجموا سيارتنا».

حينما كنت أغادر قرية حلاوة، احتجز جمع من المستوطنين سيارتنا. تحدثت معهم بالإنجليزية، وطلبت محاورتهم لنيويورك تايمز، فرفضوا، وانسحبوا.

وتتساهل إدارة ترامب مع هذا الإرهاب، حتى حينما يتعرض فلسطينيون أمريكيون للإصابة أو الموت. وقد حدث هذا في فبراير، حينما قتل مستوطنون مواطنا أمريكيا في التاسعة عشرة من العمر في الضفة الغربية.

أما في الولايات المتحدة، فإن هجمات المستوطنين على الضفة الغربية تزيد من استنزاف دعم إسرائيل ونتنياهو. فقد تبين لاستطلاع رأي مشترك بين (الإكونوميست) و(يو جوت) الشهر الماضي أن الأمريكيين يفضلون ـ بفارق 22% ـ اعتقال نتنياهو بسبب ما ينسب إليه من جرائم حرب في غزة. ولا تقتصر تحولات المواقف البادية على أوساط الديمقراطيين فقط؛ إذ تبين لاستطلاع رأي أجرته منظمة إيمرسن أن ثلثي الناخبين المستقلين يعتقدون أن أمريكا تغالي في مساعدة إسرائيل.

يجب أن تثير وحشية هجمات المستوطنين انتباه المسؤولين الأمريكيين أيضا. فبسبب دعم الولايات المتحدة لأجهزة إسرائيل الأمنية، نسهم نحن الأمريكيين في هذا الإرهاب.

وقد وصف زميلي توماس فريدمان نتنياهو وصفا مستحقا فقال إنه أسوأ زعيم في تاريخ إسرائيل بل «ربما في التاريخ اليهودي»، وهو تاريخ كبير. وما أعرفه شخصيا من عملي الصحفي الميداني في الضفة الغربية وغزة لسنين كثيرة هو أن أرواحا لا حصر لها قد أزهقت لخدمة مصلحة نتنياهو السياسية، وأننا نحن الأمريكيين لم نفكر، حتى عهد قريب على الأقل، في تواطؤنا.

أرجو أن تكون نهاية نتنياهو السياسية قد اقتربت، وأن يوقف شخص من قبيل أيزنكوت أعمال القمع، لكن حتى في حال حدوث هذا، لنكن أمناء: سوف تستمر معاناة أهل غزة فوق الاحتمال، وسوف تبقى الضفة الغربية مقموعة محرومة من المساواة.

قالت ساري باشي المديرة التنفيذية لـ(اللجنة العامة لمناهضة التعذيب) في إسرائيل إنه «حتى لو أرادت حكومة جديدة تحجيم المستوطنين، فسيكون هذا صعبا. فالمستوطنون تلقوا أسلحة ومركبات من الحكومة، فازدادوا جرأة، ولم يلجأ اليسار والوسط الصهيونيان الإسرائيليان إلى العنف أو غيره من الإجراءات المشددة ضد اليهود الإسرائيليين. ومن ثم فهذا الجني قد لا يعاد بيسر إلى القمقم الذي كان فيه».