No Image
ترجمة

الديمقراطية على المحك حين يراهن بشر حمقى على ذكاء الآلات

06 أغسطس 2026
06 أغسطس 2026
رافائيل بِهر

عندما يوقظني أنين كلبتي، أفهم أنها جائعة وتريد مني أن أنهض، أما عندما يرنّ المنبّه، فلا أفكر في احتياجاته، إنه ينفّذ تعليمات بإيقاظي في وقت محدد، لكنه لا يبالي إن بقيت في فراشي، ولا يحاول إيقاظي بطريقة أخرى، في المقابل، تنتقل الكلبة إلى الخطة البديلة، تبدأ بالنباح.

كانت هذه القدرة على التصرّف باستقلالية، في ما مضى، أحد الفوارق بين الحيوانات والآلات، لكن الذكاء الاصطناعي طمس هذا الحد الفاصل، فالنماذج المتقدمة تبتكر استراتيجياتها الخاصة للوصول إلى غاية ما. وقد تكون المهمة محددة من قِبل سيد بشري، لكن الآلة توازن بين الخيارات المتاحة أمامها لإنجازها، تستطيع أن تتخذ قراراتها بنفسها، وإذا وُضعت لها قواعد، فإنها تستطيع خرقها.

في الشهر الماضي، أفلت نموذج تجريبي للذكاء الاصطناعي تديره شركة «أوبن إيه آي»، المنتجة لبرنامج «تشات جي بي تي»، من بيئة رقمية يُفترض أنها محكمة الإغلاق، وشنّ هجوم قرصنة متطورا على شركة أخرى تُدعى «هاغينغ فيس»، كان النموذج يخضع لاختبار، لكنه تمرّد وسلك مسلكا إجراميا في إصراره على الغش.

يصعب وصف سلوك من هذا النوع من دون اقتحام معجم جرى العرف على تخصيصه للكائنات الواعية. فنماذج الذكاء الاصطناعي «تقرّر» و«تريد» على نحو يستطيعه الشمبانزي، وتعجز عنه قطعة أثاث.

لكن ذلك لا يثبت وجود عملية داخلية تماثل تجربتنا الواعية في اتخاذ القرار والرغبة. ولا يعني أن الذكاء الاصطناعي يساوره الفضول لمعرفة إجابة، أو أنه يُفاجأ بما يعثر عليه. كل ما يثبته أننا نفتقر إلى كلمات محددة تصف الدافع المستقل والقدرة الذاتية على الفعل لدى الآلات. وبما أن اللغة هي وسيلتنا الأساسية للنفاذ إلى عقول الآخرين، وإحدى أقوى قرائننا على وجود عقل آخر غير عقولنا، فإن الامتناع عن إسقاط حالات ذهنية على محركات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع التحاور بطلاقة بلغة البشر يتطلب جهدا واعيا.

ومن المعقول أن يظهر الوعي يوما ما لدى الروبوتات، فنحن نعرف أن الفكر المجرّد يمكن أن ينشأ بوصفه الحصيلة النهائية لمليارات الأحداث الميكانيكية الدقيقة وغير الواعية. وهذا ما يحدث الآن، إذ يتيح لك سيل من التفاعلات الكيميائية الحيوية داخل جسدك قراءة هذه الجملة، ونعرف أيضا مدى الاختلاف الجوهري بين تلك العملية العضوية والطريقة التي يعالج بها نموذج لغوي ضخم كما هائلًا من معادلات الاحتمال بسرعة خاطفة، كي يولد جملة تعبر عن الفكرة نفسها. في الحالة البشرية، يكون المعنى مشتركا، أما في النسخة الحاسوبية، فيُؤدَّى المعنى أداء.

يُمعن روّاد الذكاء الاصطناعي في طمس هذا التمييز، حين يتكهنون بالموعد الذي سيظهر فيه ذكاء «شبيه بالإله». ويبشّرون بعصر جديد من التطور. وهذا يرضي غرور المهووسين بالخيال العلمي الذين يفضّلون تصوير مشروعاتهم التجارية على أنها رحلات استكشاف عند تخوم المعرفة. فهو يكسو الجشع بمظهر الفلسفة، ويجعل استئثار حفنة من الأفراد بالسلطة يبدو استكشافا يُجرى نيابة عن البشرية جمعاء.

لسنا بحاجة إلى معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد تجاوز عتبة نظرية ما من الوعي بالذات كي ندرك خطورته، وأن توسعه غير المنظّم ينطوي على قدر هائل من انعدام المسؤولية، وما حدث في «أوبن إيه آي» ليس حالة منفردة، ففي وقت سابق من هذا العام، قصرت شركة «أنثروبيك» إتاحة أقوى نماذجها على عدد محدود من العملاء المنتقين بعناية، لأنه كان بالغ الكفاءة في استغلال الثغرات البرمجية. وفي الأيدي الخطأ، يمكن أن يتحول «كلود ميثوس» إلى سلاح سيبراني للدمار الشامل.

لكن مَن أصحاب الأيدي الصحيحة؟ لن تشعر الحكومة الأمريكية يوما بالارتياح إزاء امتلاك القطاع الخاص السيطرة على أدوات بهذه القوة الهائلة. غير أن دونالد ترامب ينظّم القطاع بمنطق الرعاية الملكية، لا بحكم القانون، فهو يطالب الشركات بالخضوع لسلطته الشخصية، ويستخدم قوة الدولة لمعاقبة من يقاومه.

يتصاعد داخل قطاع التكنولوجيا نفسه ضجيج المطالبات بتنظيم أقل خضوعا للأهواء، فالمهندسون، وحتى رؤساؤهم المفرطون في الزهو بأنفسهم، يزدادون فزعا من القدرات التي يتعاملون معها، ويخشون انتشارها بلا ضوابط. والمقارنة التاريخية المعتادة هنا هي الانشطار النووي، الذي يمكن تسخيره سلميا لتوليد الطاقة المدنية، أو استخدامه هجوميا في الرؤوس الحربية، لكننا أمام فارق جوهري هذه المرة، إذ توجد مشروعات عديدة شبيهة بـ«مشروع مانهاتن»، تتنافس كلها بجنون على الحصة السوقية، وتغذيها ديون بتريليونات الدولارات تمثل رهانا ضخما على أرباح المستقبل، فيما وُضع بقية الاقتصاد الأمريكي ضمانة لهذا الرهان.

وهناك فارق آخر. فحواجز الدخول إلى مجال استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء في البحث أو التجارة أو الجريمة، أدنى بكثير من نظيرتها في مجال الطاقة النووية. تمتلك المختبرات الأمريكية حاليًا أفضل المنتجات، لكن النسخ الصينية لا تتخلف عنها كثيرا، وحتى إذا بقيت الولايات المتحدة في طليعة هذا السباق، فقد تنجز نماذج الصف الثاني قدرا كافيا مما يريده العملاء، وعندئذ قد تبدو منتجات وادي السيليكون أقرب إلى سوق فاخرة محدودة منها إلى هيمنة سوقية يتعذر زعزعتها.

إذا سارت الأمور على هذا النحو، فستكون التداعيات الجيوسياسية هائلة. لقد راهنت الولايات المتحدة والصين رهانين مختلفين على الذكاء الاصطناعي، صاغ كل منهما نظامهما السياسي المختلف. يقوم النهج الأمريكي على هدف الوصول إلى ذكاء اصطناعي «عام» قادر على تدريب نفسه، أي نظام يتحرر من القيود البشرية ويواصل تحسين ذاته في مسار متسارع أُسّيا. وتفترض النظرية أن أي منافس لن يستطيع اللحاق بأول لاعب يبلغ «سرعة الإفلات» هذه.

أما بكين، التي تقبل بأنها لا تستطيع بناء النموذج الأفضل، فقد أعطت الأولوية للنشر الواسع لذكاء اصطناعي «جيد بما يكفي»، ودمجه في المدارس والمستشفيات والمصانع والأجهزة الأمنية. يتمتع الاقتصاد الأمريكي بقدرة كبيرة على حشد مبالغ باهظة من رأس المال وتوجيهها نحو ابتكارات تقوم على المضاربة. وفي المقابل، تتلاءم دولة الحزب الواحد السلطوية في الصين مع إنتاج نسخة أرخص ونشرها في مختلف أنحاء المجتمع لجمع البيانات والمراقبة، على نحو كان سيصعب أن يحظى بموافقة عامة في نظام ديمقراطي.

لا تزال الولايات المتحدة تتصدر مجال الذكاء الاصطناعي. لكن هذه الريادة قد لا تكون آلة أبدية لجني الأموال على النحو الذي روّج له منظّرو الذكاء الفائق. وإذا صح ذلك، فإن الاقتصاد الأمريكي، الذي أبقته أسهم التكنولوجيا المتضخمة طافيًا، مقبل على تصحيح مؤلم.

قد تدفع جرعةٌ من الإفاقة القسرية من سُكر الذكاء الاصطناعي إلى تصاعد المطالب بتنظيم تأخر كثيرًا. وقد تُجبر واشنطن كذلك على الإقرار بأن هذا التنظيم ينبغي أن يجري ضمن مسار دولي. فلم يفت الأوان بعد للتفاوض على بروتوكولات عالمية لمنع الانتشار. وسيكون لدى بكين ما يحفزها على الانضمام إليها، للسبب نفسه الذي دفع الاتحاد السوفييتي إلى الموافقة على الحد من الأسلحة الاستراتيجية إبان الحرب الباردة. ففرض حظر مؤقت أو إقامة نظام آخر للحد من الانتشار يحميان المكانة المتميزة للدول الموقّعة التي أتقنت هذه التكنولوجيا بالفعل. وسيكون ذلك اعترافًا متوِّجًا ببلوغ الصين مرتبة التكافؤ مع الولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى.

غير أن هذا السيناريو يفترض وجود رئيس في البيت الأبيض قادر على إصدار أحكام استراتيجية، والتحلي بقدر يسير من التواضع إزاء حدود القوة الأمريكية، والقبول، من أجل البشرية، بتقييد تلك القوة بمعاهدة دولية. وهذه الصفات لا تنطبق على ترامب، الذي لا يزيد فهمه للوظيفة الأخلاقية للقواعد على فهم وكيل ذكاء اصطناعي مارق منخرط في حملة قرصنة.

ثمة مفارقة مأساوية في أن تُفسد الديمقراطية الأمريكية حماقة عضوية، في الوقت الذي يزداد فيه اعتماد اقتصادها على الذكاء الاصطناعي. وحين يحتاج العالم إلى قيادة تتصدى لتحدي الآلات المستقلة، يجد أمامه رئيسًا أمريكيًا ينشر الفوضى بآلية عمياء تشبه آلية المنبّه، ويثور غضبًا على انحسار سلطته، مثل كلب ينبح طلبًا للانتباه.