فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
13 أغسطس 2026
13 أغسطس 2026
في قصة قارون من سورة القصص، يقول الله تعالى: « وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ»، يسأل: ما تفسير كلمة «ويكأن»؟ وكيف يستحضر المؤمن هذا المعنى في واقعنا المعاصر عندما يرى تفاوت الأرزاق بين الناس؟
«ويكأن» من الكلمات التي كثرت فيها أقوال المفسرين والنحاة، حتى إن بعض النحاة يرى أنها نحت لأربع كلمات، وهذه من المفردات الغريبة في العربية، وأقل ما قيل فيها أنها مركبة من كلمتين، وهؤلاء الذين قالوا بهذا القول اختلفوا في هذين الجزأين، في هاتين الكلمتين اللتين تركبت منهما كلمة «ويكأن»، وسنأتي إليهما، وسنأتي إلى هذا القول، وقيل: إنها من ثلاث كلمات، وقيل: إنها من أربع كلمات على سبيل النحت.
لكن الأقرب، وهو قول الخليل بن أحمد، وسيبويه، وأكثر البصريين، أنها من كلمتين: «وي»، وهي للتعجب، و«كأن» التي هي من أخوات «إن»، الدالة على التشبيه. فكان المعنى: ما أشبه الأمر بأن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر.
ومعنى الآية الكريمة أولاً، قبل أن نرجع إلى معنى كلمة «ويكأن»، أن هؤلاء القوم من قوم موسى، من بني إسرائيل، لما رأوا تصرفات الله تعالى في قارون، بما أصابه من خسف، وكانوا قد تمنوا مكانه، وتمنوا أن تكون لهم المنزلة التي فيها قارون، من سعة الملك، ومن الأبهة، ومن المظاهر التي كان عليها، فلما رأوا صنيع الله تبارك وتعالى في قارون عجبوا من هذه القصة.
ومع تعجبهم من هذه القصة، فإنهم شبهوا ما جرى لقارون، وما كانوا عليه، بما استبطنوه من لطف الله تبارك وتعالى وفضله عليهم، إذ نجاهم مما أصاب قارون.
إذن هذا هو معنى الآية الكريمة، فهو اندهاش وتعجب، ثم تشبيه، وهذا التشبيه لا يلزم منه الظن، فالتشبيه، كما يقول النحاة، يمكن أن يكون لظن، أو ليقين، لكن هذا التشبيه في قوله: «وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر» فيه معنى التنبه لما كانوا غافلين عنه. فـ«وي» للتعجب، ثم للتنبه إلى حال جديدة يشبهون بها ما مر بهم، هذا هو معنى الآية الكريمة.
وعلى هذا يكون معنى «ويكأن»: «وي» هي الجزء الأول، و«كأن» الجزء الثاني، فـ«وي» للتعجب، و«كأن» للتشبيه، وهنا يستقيم الإعراب دون توجيه، فلفظ الجلالة يكون اسم «كأن» منصوباً، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
أما إذا استطردنا، من باب الطرافة أيضاً، إلى القول بأنها تعبر عن أربع كلمات على سبيل النحت، فيقال: «ويلك، اعلم أن...»، أي: «ويل» والكاف، وفعل مقدر محذوف وجوباً، تقديره: اعلم، ثم «أن». فيكون معنى الكلام: ويلك، اعلم أنه.. ما شاء الله، وهذا عدوه نحتاً. ويترتب على هذا بعض المسائل المتعلقة برسم الكلمة، وكيف ترسم، وبالوقف، وكيف يوقف عليها أو على أجزائها، لكن هذا إنما يؤخذ من علم القراءات والتجويد، لا من علم التفسير أو علم النحو، وإنما يذكرونه على سبيل التوسع في بيان ما يترتب على مثل هذا الخلاف. حتى من قال بأنها من جزأين، وقلت: إن القول الأشهر أن «وي» جزء، و«كأن» جزء، بعضهم يقول: «ويك» جزء، و«أن» جزء آخر، فهذا أيضاً قول داخل في القول بأنها تتكون من جزأين، لكن الخلاف في تحديد هذين الجزأين. أما الأقرب، وهو الذي عليه أكثر المفسرين، وهو الأسهل والأيسر، فهو أن «وي» للتعجب؛ لأنها تستعمل إلى الآن للتعجب، و«كأن» من أخوات «إن»، وتستعمل للتشبيه، لكن التركيب نفسه يدل على التشبيه بحال ما كانوا متنبهين له، والله تعالى أعلم.
هل يجوز نبش قبر الميت لدفن ميت جديد في القبر نفسه؟
لا يجوز. إذا علم أنه قبر فلا يجوز أن ينبش، وهذه من المسائل التي يحذر منها أهل العلم، فإن للميت حرمته، والقبر الذي يدفن فيه يكون وقفاً عليه، فلا يصح الاعتداء عليه باعتباره وقفاً، وباعتبار حرمة المسلم، ولذلك عامل كثير من الفقهاء النباش معاملة السارق.
فالمسألة فيها تشديد كبير، وإنما هي حالات نادرة جداً، هي التي يسمح فيها بنبش القبر، ما دام معلوماً أنه قبر فلا يصح أن ينبش، ولذلك ذكر أصحابنا مسائل، على سبيل المثال: إن تركت الصلاة عليه، فنسي، فظنوا أن أحداً قد صلى عليه فدفن، ثم تبين أنه لم يصلَّ عليه، قالوا: لا ينبش، وإنما يصلى على القبر.
ولو نسي المغسل خاتماً، على سبيل المثال، أو شيئاً مما كان على الميت فلم يخرج، مما له قيمة، قالوا: لا ينبش حتى في هذه الصورة، وإنما يضمن هذا الذي رآه من مغسل أو مكفن ولم يزله، وبعض أهل العلم يرخص في هذه الصورة، وهناك من أهل الفقه، من عموم المذاهب الإسلامية، من رخص إذا صار القبر رفاتاً، لكنهم اختلفوا في تحديد مدة ذلك.
ولهذا فإن هذا القول أقرب إلى الجانب النظري منه إلى الجانب العملي، فمتى يمكن أن يعد القبر رفاتاً، ومتى يمكن أن يعد المدفون رفاتاً، وبعد مضي كم من الزمن، ليس هناك دليل شرعي يمكن أن يستند إليه، وأجساد الموتى تتفاوت، فمنهم من يكرمه الله تبارك وتعالى فلا يتغير بعد سنوات متطاولة، ومنهم من هو دون ذلك.
فلذلك فإن الكبس على المقبرة، إن احتاجوا، أفضل وأولى من نبشها، بأن تردم بالتراب والرمل، ثم يدفن فوقها، فهذا مما يرخص فيه إن احتاجوا، أو اضطروا إلى ذلك، أما أن تنبش القبور ثم يدفن فيها، فهذا لا يجوز.
لكن لو حصل أنهم ما كانوا يعلمون، كأن حفروا قبراً ليست عليه علامة، ولا يظنون أن هناك من هو مدفون فيه، فإن رأوا رفاتاً فإنهم يجمعون ذلك الرفات، ويضعونه في زاوية، ويدفنون الميت، وإن رأوا أن الجسد فيه أعضاء ظاهرة فإنهم يعيدون اللحد مرة أخرى، ويدفنونه، ويدفنون في مكان آخر، مراعاة لحرمة ذلك الميت.
فهذه هي أغلب الصور، لكن أن يقصد إلى قبور الموتى فتنبش، أو يعاد حفرها ليدفن فيها، فهذا مما لا يجوز شرعاً.
ولذلك فهذا أيضاً أمر مهم في تخطيط المدن؛ لأنه مع التوسع العمراني، ومع النمو السكاني، قد يغفل أحياناً عن اتخاذ المقابر، فينبغي لمن يخطط المدن أن ينتبه، وأن يحتاط بأراضٍ كافية لموتى المسلمين، بل للموتى عموماً.
فإذا كانت هناك مصلحة ضرورية، فإن هذه ينظر فيها استقلالاً، والأصل أيضاً عدم الجواز، لكن إذا وجدت ضرورة، فالضرورة تقدر بقدرها، ومتى يصح النقل في هذه الظروف الداعية إلى الضرورة، فإنما تراعى عند النازلة نفسها، والله تعالى أعلم.
كيف نفهم قول الله تعالى: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ»، وقوله تعالى: «والجبال أرساها»، مع اكتشاف علماء الجيولوجيا أن الجبال ليست ثابتة، وإنما تتحرك ببطء؟ هل معنى الإرساء هنا هو السكون؟
لنبدأ بهذا الجزء الأخير، الإرساء يعني الإثبات، والرسو الثبات، لكن مما ذكره الإمام الرازي، على ما أذكر، أن هذه الصيغة لا تستعمل إلا فيما كان ثقيلاً، كالجبال والسفن، وإن أريد المعنى المجازي فكذلك.
فالرسو إنما يستعمل فيما هو ثقيل معظّم كبير له ثقل، ولكنه لا يعني بالضرورة السكون، وإنما يعني الثبات أو الإثبات والقرار، لا السكون، فالسفينة راسية، لكنها مع رسوها تتحرك بحركة الموج تحتها، فهي لا تتحرك حركة انتقال بالضرورة، لكنها تتحرك مع موج البحر.
فهذا المعنى ملحوظ في استعمال صيغة الرسو، أما وقد تبين معنى الرسو فيمكن الآن أن ننظر إلى الآية الكريمة.
وقد تقدم في أكثر من مناسبة أن قول الجمهور في هذه الآية الكريمة: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» أنها في أحداث القيامة، أي عند النفخ؛ لأن الآية قبلها تتحدث عن النفخ في الصور.
لكن بعض المفسرين، وهو القول الأوفق بالمفردات والتركيب في هذه الآية الكريمة، يرى أن هذه الآية لا تتحدث عن أحداث يوم القيامة، وما يحصل في ذلك اليوم في الكون من اختلال في نظامه؛ لأن ما عبر به عما يحصل في الجبال لا يتناسب مع ما في هذه الآية الكريمة.
فالجبال عبر الله تبارك وتعالى عنها في القرآن الكريم، في بيان أهوال يوم القيامة، وما يحصل في هذا الكون من اختلال في نظامه وتناثر في أجزائه، بالدك، والنسف، والتسيير، أما هنا فعبر بقوله: «وهي تمر مر السحاب»، فلم يعبر بشيء مما ورد في السياق القرآني في آيات أخرى، في مواضع تتحدث عن أهوال يوم القيامة.
ثم إن أحداث يوم القيامة، لمن يراها، لا تحتمل مجرد الحسبان بأنها تتحرك أو لا تتحرك، فهو متيقن مما يراه، بينما الآية الكريمة تقول: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً» فلو كانت الجبال تدك دكاً، وتنسف نسفاً، وبست بساً، فكيف يحسبها الرائي جامدة؟ ثم قال: «وهي تمر مر السحاب»، ولم يأت بشيء من الصيغ التي استعملها في بيان أهوال يوم القيامة، من التسيير، أو الدك، أو النسف، أو البس، وإنما قال: «تمر مر السحاب».
ثم إنه جعل هذا المرور كمرور السحاب، مما فيه بيان لنوع هذا المرور الذي تتحرك به الجبال، ثم قال: «صنع الله الذي أتقن كل شيء»، وهذا امتنان بصنعة الله تبارك وتعالى وإتقانه، أما أحداث يوم القيامة ففيها تهول، وفيها اختلال، وفيها تهدم، وفيها فزع، أما هنا فامتنان بصنعه وإتقانه، فلذلك قال: «صنع الله الذي أتقن كل شيء».
فإذاً معنى الآية الكريمة، وهو ما أطال النفس فيه العلامة ابن عاشور، وقال به طائفة من المتأخرين، وقليل من المتقدمين، أن السياق يحتمل أن تكون الآية السابقة هي الآية المعترضة، وأن ما قبلها هو الذي يناسب هذه الآية الكريمة.
فكيف تفسر هذه الآية الكريمة؟ وما صلتها -وهذا الذي أفهمه من السؤال- بإرساء الجبال؟ أخذ كثير من المفسرين المعاصرين من هذه الآية أنها تتحدث عن علامة من علامات حركة الأرض.
فالجبال التي أثبتها الله تبارك وتعالى، ويراها الناس، ويرون ظلها من شروق الشمس إلى الزوال، ثم بعد الزوال، ويرون الشمس عليها تأتي وتغرب، فإنهم بذلك يعرفون أن هذه الأرض التي هم عليها، ومنها الجبال التي ترى بأنها رواسي، ليست جامدة؛ لأنها تتحرك بحركة الأرض نفسها، مع دورانها على نفسها، ومع دورانها حول الشمس ضمن مجموعتها الشمسية.
أما ما يتعلق بالحركة التكتونية للصفائح التي فيها الجبال، فهذا بعيد؛ لأنه يحصل بمقدار ضئيل جداً، ولا أظن أن من تكلف في الإعجاز العلمي عندما ذكر هذا المعنى قد أصاب. فالمعنى الأول كافٍ؛ لأنه يرى ويشاهد، وهو في سياق الامتنان. منذ أن أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية الكريمة والناس ترى هذه الآيات، فيمكن لها أن تخلص إلى هذه النتيجة، وأن تؤمن بها. فهذا هو معنى الآية الكريمة، ولا تناقض بينها وبين قوله تبارك وتعالى: «والجبال أرساها»، ولا معارضة بينها وبين الآيات التي تتحدث عما يصيب الجبال في أهوال يوم القيامة، والله تعالى أعلم.
رجل مسافر صلى بالناس أربع ركعات سهواً، ولكن الجماعة بعد قيامه إلى الركعة الثالثة لم يقوموا معه، وإنما سلموا، وهو أكمل وحده، فما حكم صلاته وصلاتهم؟ وهل عليه أن يخبرهم، علماً بأن ذلك قد حدث منذ زمن؟
هذه مسألة غريبة، أن يتركوا إمامهم دون تنبيه، ودون تسبيح، وينصرفوا عنه بأن يسلموا من الركعتين ويتركوا الإمام، فالمسألة فيها طرافة، ولذلك فإن صلاتهم منتقضة؛ لمخالفتهم الإمام، فإنما جعل الإمام ليؤتم به، ولتركهم تنبيهه والتسبيح له.
وصلاته هو كذلك؛ لأنه أتى بها بزيادة، وعليهم الإعادة، يقول إن هذا حصل منذ زمن بعيد، فمن أمكنه أن يخبره منهم فليخبره، وإلا فالأصل كذلك، فهذا ليس من النواقض الخفية التي يحتاجون إلى أن ينبهوا عليها، بل هم بأنفسهم أحدثوا هذا الناقض، ووقعوا فيه. فالإمام إنما أكمل على جهة السهو، لكنهم تعمدوا المخالفة، وتركوا التسبيح له، فإن علمهم فيمكن أن يخبرهم، وإلا فهم مأمورون بتلافي ما وقعوا فيه من خطأ، والله تعالى أعلم.
رجل نسي قول: «قد قامت الصلاة» عندما كان يقيم الصلاة لصلاة الجماعة، ففي هذه الحالة هل يرجع ويقولها ثم يكمل، أم يعيد الإقامة كاملة؟
أما إن كان لم يفرغ من الإقامة بعد، كأن يكون مثلاً في التكبير بعد «قد قامت الصلاة»، فلا حرج عليه أن يأتي بقول: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة». وأما إن كان قد فرغ من الإقامة، ثم نبه، فالأولى أن يأتي بالإقامة من جديد، وذلك أسلم لهم جميعاً، والله تعالى أعلم.
