مايلز في ظفار: بين الدهشة والتوثيق
صموئيل باريت مايلز (1838-1914م) ضابط ومستشرق ودبلوماسي بريطاني شهير، يُعد من أبرز المسؤولين الاستعماريين الذين وثّقوا تاريخ وجغرافية شبه الجزيرة العربية، ووُصف بأنه الأوروبي الأكثر معرفةً ودراية بعُمان والخليج العربي في القرن التاسع عشر الميلادي.
عُرف مايلز بحبه الشديد للترحال والتوثيق الميداني الأنثروبولوجي والجغرافي؛ وكانت محصلة ذلك الشغف كتاب (الخليج بلدانه وقبائله) الذي نشرته أرملته في عام 1919م ليكون إنجازًا تذكاريًّا لزوجها الراحل.
ولد صموئيل باريت مايلز في شهر أكتوبر من عام 1838م، وهو نجل الميجور جنرال ويليم مايلز الذي عمل في فرقة المشاة التاسعة في بومباي وتلقى تعليمه في مدرسة هارو للنخبة.
تدرج مايلز في العمل العسكري منذ عام 1857م بالتحاقه بالخدمة العسكرية لشركة الهند الشرقية برتبة ملازم في البحرية التابعة لفرقة بومباي السابعة. وعلى مدى تسع سنوات عمل مايلز في هذه الفرقة وتنقل في مناطق عديدة في الهند، ثم رقي إلى رتبة ملازم أول في سبتمبر 1864م، وتم تعيينه نائبًا للمقيم البريطاني في عدن في عام 1866م. وفي عام 1871م عُيِّن قنصلًا مساعدًا في مكران وفي أكتوبر 1872م نقل إلى مسقط ليتقلد منصب المقيم السياسي والقنصل البريطاني في عُمان، وفي مايو 1873م تقلَّد رتبة رائد.
قضى مايلز الشطر الأكبر من عمله السياسي في مسقط، منذ عام 1872م حتى سنة 1880م، حيث عاصر فترة حكم السلطان تركي بن سعيد (1871-1888م) ونظرًا لخبرته الطويلة، تولى منصب المقيم السياسي البريطاني بالإنابة في الخليج العربي (ومقره بوشهر) بين عامي 1885 و1886. وعاد إلى الهند عام 1887م؛ حيث ترقى إلى رتبة عقيد (كولونيل)، ثم تقاعد لاحقًا وعاد إلى إنجلترا.
بعد تقاعده، شرع مايلز في تحويل كل المذكرات والملاحظات اليومية التي كتبها عن عُمان والخليج إلى كتاب، إلا أنه أُصيب بالعمى قبل أن يكمل تنقيحها وصياغتها النهائية.
وكانت وفاته في 28 أغسطس 1914م عن عمر ناهز 75 عامًا. لم يتوقف مشروع مايلز التوثيقي بوفاته، فقد أكملت زوجته "إيلين" مشروعه بنشر الكتاب بعد وفاته بخمس سنوات، تحديدًا في عام 1919م حيث نُشر كتابه من مجلدين بعنوان "الخليج بلدانه وقبائله" (The Countries and Tribes of the Persian Gulf). ويُعد هذا الكتاب حتى اليوم مرجعًا كلاسيكيًّا لا غنى عنه لدارسي تاريخ عُمان وشرق الجزيرة العربية.
قام المؤرخ جون كيلي بكتابة تقديم للكتاب، يذكر فيه: "تعتبر عُمان كاليمن من تلك الأجزاء المجهولة من شبه جزيرة العرب، والمؤلفات التي صدرت عنها قليلة تعد على أصابع اليد". وهذا الجهل الذي يتحدث عنه كيلي هو جهل الغربي بتلك البلاد. ويضيف: "يتناول هذا الكتاب الذي ألفه الكولونيل مايلز تحت عنوان (الخليج بلدانه وقبائله) تاريخ وجغرافية وأثنوجرافية عُمان. فقد عرف مايلز هذه البلاد أكثر من أي أوروبي آخر، أو حتى الفترة الأخيرة كان مايلز أكثرهم معرفة بها".
وأشار كيلي أن كتاب مايلز المنشور في عام 1919م يعد من أهم المؤلفات التي تناولت التاريخ الحديث للخليج ويضعه في سلة واحدة مع أوائل المؤلفات الأوروبية التي تحدثت عن عُمان على وجه الخصوص؛ فذكر بادجر وترجمته لكتاب الفتح المبين تحت عنوان (سلاطين عُمان وأئمتها) سنة 1871م، وكتاب لوريمر (دليل الخليج)، فالدليل الجغرافي نُشر في عام 1908م في حين أنّ الدليل التاريخي نُشر في عام 1925م، وكتاب أرنولد ويلسون (تاريخ الخليج) المنشور في عام 1928م. مع التنويه بأن جون كيلي نشر كتابًا في عام 1965م بعنوان (بريطانيا والخليج بين عامي 1795- 1870م).
وبالعودة إلى مايلز ورحلاته التي قام بها في أرجاء عُمان التي يصفها قائلًا: "عُمان بلد صحراوي؛ ولكنه جميل أيضًا، رغم أن جماله هذا يكتسي طابعًا حادًا قد لا يظهر بسهولة. وتشق عُمان سلاسل جبلية عظيمة تسمى الحجر تبدأ من رؤوس الجبال عند مدخل الخليج في الشمال حتى أقصى الحدود الشرقية من عُمان، أي رأس الحد الواقع على البحر العربي، وتتوسط السلسلة هذه مجموعة من القمم يبلغ ارتفاعها 12000 قدم تسمى بالجبل الأخضر، ولعلها اكتسبت تلك التسمية من الوديان الخصبة التي تجري فوق قممها القاحلة".
فقد قطع مايلز ابتداء من سنة 1875م مئات الأميال متنقلًا في أرجاء عُمان من ساحل الباطنة حتى الجبل الأخضر إلى ظفار في أقصى الأقاليم العُمانية. ووثَّق مايلز زيارته لظفار في عام 1883م تحت فصل بعنوان: "تاريخ ظفار وجغرافيتها: وصف لظفار والبريمي"، وجاءت المادة التي ذكرها مايلز عن ظفار تحت هذا الفصل في ثلاثة عناوين فرعية؛ تاريخ ظفار، وجغرافية ظفار، وزيارة لظفار.
وتعد هذه الزيارة من أوائل المحاولات الأوروبية النظامية لتوثيق المنطقة جغرافيًّا، وتاريخيًّا، وأثريًّا. وجاءت زيارة مايلز لظفار في عهد السلطان تركي بن سعيد (1871-1888م)، وكان والي السلطان على ظفار سليمان بن سويلم الذي قابله مايلز أثناء زيارته تلك.
تتبع مايلز في هذا الفصل تاريخ ظفار بحسب ما أوردته أقدم المصادر؛ فظفار هي "سفار" التي ورد ذكرها في الفصل العاشر من سفر التكوين بالإنجيل، وظفار هي الميناء المزدهر المصدر لللبان بحسب ما جاء في السجلات المصرية القديمة بفترة طويلة تسبق ما جاء في الإنجيل.
وأشار مايلز إلى الجغرافيين الإغريق والرومان أمثال: هيرودتس وسترابو وبليني وغيرهم، وما نقلوه من معلومات كثيرة عن ظفار مرتبطة باللبان كسلعة صدرتها إلى العالم القديم، وأورد أيضًا ما جاء من معلومات عن ظفار عند المؤرخين والجغرافيين العرب، أمثال: ابن المجاور وابن الأثير والإدريسي، وصولًا إلى المؤرخ ماركو بولو، والكابتن هملتون مؤلف كتاب "معلومات جديدة عن الهند الشرقية"، مسلطًا الضوء على الإطار السياسي الذي انضوت فيه ظفار منذ القدم حتى عهد السيد سعيد بن سلطان.
ويمكن القول بأن التتبع التاريخي الذي أوجزه مايلز كان مركزًا وثريًّا بالمعلومات مع تعقيبه وتفنيده لبعض المعلومات. فمثلًا يذكر أن المعلومات التي وثقها ماركو بولو عن ظفار توضح بجلاء كبير أن ظفار في تلك الفترة كانت مركزًا تجاريًّا مزدهرًا كثيف السكان، مضيفًا أن اللبان هو المحصول الرئيس وكان أغلبه يصدر إلى الخارج.
أما من ناحية الجغرافية، فقد وصف مايلز جغرافية ظفار الطبيعية والبشرية بدهشة كبيرة، واصفًا السلاسل الجبلية والسهول والخلجان والأخوار والكهوف والعيون، والمدن والموانئ، موضحًا تفاصيل كثيرة.
مع إشارته إلى أن تسمية ظفار هي اسم لكل الإقليم وليس للمدينة وحدها، لافتًا أن تسميتها القديمة كانت للجبل وليس للمدينة. وأشار كذلك إلى السكان والقبائل القاطنة، والغطاء النباتي والثروة الحيوانية في ظفار، فيذكر أبرز الحيوانات الموجودة (القط الوحشي، والثعلب والضبع والأرنب الوحشي والغزال والوعل).
وأهم النباتات (شجر الجميز، وأشجار السنط والصمغ والرمان والصبر والتين والتمر الهندي والطرفاء وشجر النيلة والنبق وجوز الهند) مشيرًا إلى وجود الكثير من النباتات التي لم يتم تحديدها وتوثيقها. وبالطبع يأتي على رأس تلك الأشجار أهميةً ووفرة أشجار اللبان التي أخذ مايلز بعض الشتلات منها، قائلًا: "ولما نجحنا في الحصول على بعض الشتلات لشجيرات اللبان فقد أخذتها معي؛ لكي أغرسها في مسقط، وكانت الشتلات لا تزال طور النمو عندما غادرت مسقط بعد ذلك ببضع سنوات".
وتحت عنوان "زيارة لظفار" في ذات الفصل، يصف مايلز تنقلاته في ظفار والأشخاص الذين التقى بهم، وتوقف عند الكثير من الآثار، ووصفها وصفًا دقيقًا أبرزها؛ مدينة البليد الأثرية وآثار مدينة مرباط التي وصل إليها مايلز في اليوم الرابع عشر من رحلته ووثَّق مشاهدات مهمة، منها: زيارته لضريح السيد زبير بن عبد الله الهاشمي، وذكر بأن الضريح كان متهدمًا وتاريخه ممحي. ووصف السواحل الصخرية في مرباط بأنها تعج بالروبيان وجراد البحر والسرطان، وأشار بأن سلطان مسقط -يعني السلطان تركي بن سعيد- أمر ببناء الحصن وزوده بحامية عسكرية صغيرة قامت بدور مهم في استتباب الأمن في المدينة.
كما أشار إلى زيارته لضريح الإمام محمد بن علي القلعي وقال بأنه: "بناء كبير ويحتفظ بجماله وعليه كتابة تشير إلى تاريخ (556هـ/ 1160م)". وانطلق من مرباط إلى صلالة وتوجه إلى منزل الوالي سليمان بن سويلم ومنه إلى الحافة، وذكر شذرات من الأحاديث التي دارت بينهما.
كما أشار إلى بعض الأعاصير والزوابع التي ضربت سواحل ظفار في فترات تاريخية متلاحقة موضحًا الخسائر البشرية والمادية، وعقَّب قائلًا: "وليس ثمة شيء يمكن أن يساهم في رخاء ظفار وازدهارها من بناء موانئ حقيقية للسفن؛ نظرًا لأن الميناء الحالي غير مأمون وحركة الموج فيه عنيفة جدًا".
وهنالك الكثير من التفاصيل والمشاهد والصور التي وثَّقها مايلز تحت هذا الفصل المتعلق بظفار، تقرأ من خلالها دهشته بهذه الجغرافية المعقدة والطبيعة الأخّاذة والحضارة الضاربة في أعماق هذه الأرض الطيبة المباركة.
