الاقتصاد العالمي ينحرف عن مساره والوجهة مجهولة

10 أغسطس 2026
10 أغسطس 2026

على مدى عقود، عملت الشركات والمستثمرون وصنّاع السياسات انطلاقًا من افتراض مطمئن بأن الاقتصاد العالمي يستند إلى حالة من التوازن المستقر نسبيًا. وكان يُنظر إلى الصدمات الاقتصادية الكلية والمالية، في المقام الأول، باعتبارها اضطرابات دورية يمكن إدارتها وإعادة الأمور بعدها إلى مسارها نحو وجهة يمكن التنبؤ بها، تتمثل في نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ضمن نظام اقتصادي ومالي يمضي باستمرار نحو مزيد من العولمة.

لكن هذا النموذج بات اليوم موضع تحدٍّ بفعل التوترات الجيوسياسية، واستخدام العلاقات الاقتصادية أداةً للصراع، والتقدم المتسارع للتكنولوجيات الجديدة، إلى جانب عوامل أخرى.

يمكن توجيه الاقتصادات والأسواق وسط هذه العاصفة، لكن ذلك يتطلب التزامًا ببناء القدرة على الصمود، والحفاظ على تعدد الخيارات، وإظهار قدر كبير من المرونة وسرعة التكيف. ولن يحدث ذلك تلقائيًا، إذ يحيط الغموض اليوم بالمسارات النظرية والعملية النهائية للعديد من التحولات الهيكلية الجارية، بدءًا من الإنتاجية والنمو الاقتصادي، وصولًا إلى سلاسل الإمداد وأسعار الفائدة التوازنية.

وفوق ذلك، تشهد منظومة التجارة والمدفوعات الأوسع نطاقًا تطورًا سريعًا، ما يزيد التعقيدات التشغيلية التي تواجهها شركات كثيرة، ويضاعف حالة عدم اليقين المحيطة بخططها المستقبلية.

ولمن يرى في هذا التصوير قدرًا من المبالغة، يكفي النظر إلى الكيفية التي تجلّى بها واقعنا الجديد هذا العام في ثلاثة مجالات: أولًا، تدفع التوترات الجيوسياسية إلى جهود جديدة لاستغلال الإمدادات الحيوية وتحويلها إلى أدوات للضغط والصراع، فقد أفسح عصر العولمة السلسة الذي أعقب الحرب الباردة المجال أمام سباق لاستخدام أوجه الترابط القائمة وسيلةً لاكتساب النفوذ السياسي.

وأدركت الجهات الحكومية وغير الحكومية، على السواء، ما تتيحه السيطرة على الشرايين المادية للتجارة العالمية أو تعطيلها من قدرة على ممارسة نفوذ غير متكافئ. ومن الاضطرابات البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى المنافسة المحتدمة على سلاسل إمداد المعادن الحيوية، يجري توظيف الجغرافيا بصورة منهجية بوصفها أداةً للصراع.

لكن هذه الاستراتيجيات لا تفضي إلى نهاية واضحة؛ فلا أحد يعرف إلى أين سيقود التشظي الجيوسياسي الراهن. بعضهم يأمل في الوصول إلى ما يسميه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جوردون براون «عولمة مخففة ومُدارة»، فيما يخشى آخرون من نظام دولي متصدع على نحو يتعذر إصلاحه، ولا يزال فريق ثالث يحنّ إلى أيام العولمة المنفتحة بلا قيود وسيادة القانون متعدد الأطراف.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يُعاد رسم مسارات الشحن، فيما تظل علاوات المخاطر البحرية مرتفعة. ومع غياب أي تسوية دبلوماسية كبرى في الأفق، ستجد الشركات متعددة الجنسيات نفسها مضطرة إلى الابتعاد أكثر عن سلاسل الإمداد الكفؤة القائمة على مبدأ «في الوقت المناسب»، والتحول إلى بناء بدائل احتياطية أكثر تكلفة وفق مبدأ «تحسبًا لأي طارئ». ثانيًا، تتحول أدوات السياسة الاقتصادية، التي كانت في السابق تدعم عمل البنية المشتركة لاقتصاد عالمي موحّد، إلى أسلحة.

فالاستخدام المتزايد وغير القابل للتنبؤ به للتعريفات الجمركية والعقوبات وقيود الاستثمار وحظر الصادرات، يعيد بصورة جوهرية صياغة حسابات توزيع رؤوس الأموال عالميًا، ويقلب النظام المالي الدولي الذي عرفناه رأسًا على عقب. ومع تغلّب اعتبارات الأمن القومي بصورة متزايدة على الكفاءة الاقتصادية والتجارية، لم تعد هناك حدود متفق عليها بين الدول لاستخدام الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. وهنا أيضًا، تظل الوجهة أو نقطة النهاية غير واضحة، لأن ما كان يُعد في السابق ثوابت تحكم النظام أصبح اليوم متغيرات شديدة التقلب.

ثالثًا، يُطلب من الأسواق تمويل إنفاق رأسمالي ضخم في خضم السباق لتطوير تقنيات قادرة على تعزيز الإنتاجية ونشرها. وتلتزم شركات التكنولوجيا العملاقة، إلى جانب الشركات الكبرى الراسخة في القطاعات غير التكنولوجية، باستثمار مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تظل الوجهة مجهولة مرة أخرى؛ أي النقطة التي سيتحول عندها هذا الإنفاق غير المسبوق إلى مكاسب كبيرة في الإنتاجية يمكن تحقيق عوائد مالية منها.

وبسبب الكلفة المتصوَّرة للتخلف عن الركب، تشعر مجالس إدارة كثير من الشركات بأنها مضطرة إلى إقرار مستويات تاريخية من الاستثمار، من دون مسار واضح يضمن تحقيق عوائد كافية على رأس المال المستثمر. ولأن هذا الإنفاق الرأسمالي كله يحتاج إلى التمويل، فإن انعكاساته على أسواق الدَّين لا تبعث على الاطمئنان. والواقع أن تكلفة رأس المال تتعرض بالفعل لضغوط تصاعدية نتيجة التنافس بين القطاعين الخاص والعام على مصادر التمويل.

صحيح أن الاقتصاد العالمي وسوق السندات تمكنا حتى الآن من تفادي أكبر الألغام، رغم حالة عدم اليقين التي تحيط بالمحددات الهيكلية الرئيسية. لكن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى عدد محدود من العوامل القوية التي وفرت الحماية للنظام. أولها ديناميكية الاقتصاد الأمريكي، الذي يؤدي دورًا محوريًا في النمو والابتكار العالميين، ويعوض بذلك التباطؤ الهيكلي في الصين وأوروبا.

أما العامل الثاني، فتمثل في توفر السيولة التي تولدها الأسواق من داخلها. فعلى الرغم من تشديد السياسة النقدية منذ عام 2021، استطاع النظام المالي توليد السيولة ذاتيًا.

وأسهمت الاحتياطيات النقدية الكبيرة لدى الشركات والأدوات المالية الجديدة في استمرار تدفق الائتمان، وعززت بذلك الدور الذي تؤديه مخزونات السلع المادية بوصفها هوامش أمان، ولا سيما في أسواق الطاقة، حيث تمكنت الاحتياطيات الاستراتيجية والأسواق المرنة للمنتجات النفطية المكررة، مرارًا، من امتصاص صدمات الإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية.

لكن ينبغي التمييز بوضوح بين مصادر الصمود الحقيقية ذات الطابع الهيكلي، وتلك المؤقتة التي تعتمد على احتياطيات مادية ومالية قابلة للاستنزاف. فقد تراجعت مخزونات النفط الآن إلى مستويات متدنية لم تُسجل منذ عقود، كما لا يمكن التعويل باستمرار على وفرة السيولة التي تولدها الأسواق ذاتيًا، وهو ما أظهره البيع الاضطراري الأخير لأصول صندوق التحوط المثقل بالرافعة المالية «Situational Awareness»، إلى جانب اتجاه بعض الصناديق الكورية المتداولة في البورصة إلى خفض مديونيتها.

وعاجلًا أم آجلًا، ستصطدم السياسات المالية المسرفة والإنفاق الرأسمالي المنفلت للشركات بأعباء ديون متزايدة، ورافعة مالية مفرطة، وأسعار فائدة أعلى.

في غياب رؤية أكثر وضوحًا لنقاط النهاية، ينبغي أن تفسح الآمال في العودة إلى عالم الأمس القابل للتنبؤ المجال أمام واقع التحولات الجيو-اقتصادية المضطربة. فلم يعد بوسع الشركات والحكومات والمستثمرين بناء استراتيجياتهم على توقعات أحادية المسار أو ما يُعرف بـ«السيناريو الأساسي». وبدلًا من ذلك، يجب أن يتحول التركيز، على المدى القريب، نحو تعزيز القدرة على الصمود والمرونة وسرعة التكيف، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات.

فهذه هي الأصول الاستراتيجية اللازمة لعبور رحلة مضطربة ومقلقة قد تنحرف في اتجاهات عديدة. ومع استنزاف هوامش الأمان التي وفرت الحماية للاقتصاد العالمي، سيحتاج الجميع إلى بناء احتياطيات أوسع لمواجهة المخاطر.

فالنظام يواصل سيره جزئيًا اعتمادًا على ما سيتبقى قريبًا من سيولة مقترضة توشك على النفاد، ومخزونات مادية مستنزفة، فضلًا عن إنفاق ممول بالعجز. ومع ترسخ إدراك هذه الحقيقة، ستتسم الأشهر والسنوات المقبلة بدرجات متزايدة من التقلبات الاقتصادية والمالية، إلى جانب تفاوت أوسع في النتائج مع اتساع الفجوة بين الرابحين والخاسرين، سواء بين القطاعات والدول والأصول المالية أو داخل كل منها.

علينا أن نتقبل أن غياب نقاط نهاية تحظى بقبول واسع أصبح في حد ذاته «وضعًا طبيعيًا جديدًا» آخر. وبقدر ما يبدو هذا الواقع الهيكلي مزعزعًا للاستقرار ومربكًا، فإن الذين يتعاملون معه بوعي سيكتشفون أن مثل هذه الظروف هي التي تُبنى فيها أفضلية تمتد لسنوات، وتُصنع فيها الثروات. أما الذين يعجزون عن إظهار القدرة على الصمود والمرونة والانفتاح الذهني، فيواجهون خطر الوقوع في حالة من الشلل تقوّض الرفاه الاقتصادي، ليس في الحاضر فحسب، وإنما لسنوات مقبلة.

محمد العريان أستاذ في كلية «وارتون» بجامعة بنسلفانيا، وزميل عالمي أول في معهد «لودر». وهو مؤلف كتاب «اللعبة الوحيدة في الساحة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنب الانهيار القادم».