عُمان الاقتصادي

البيانات... القوة الناعمة للاقتصاد الحديث

12 أغسطس 2026
12 أغسطس 2026

حاورته: رحمة الكلباني 

ما إن يستيقظ الإنسان من نومه ويفتح هاتفه حتى يبدأ في إنتاج بيانات جديدة، وتبدأ التفاصيل اليومية التي تبدو عابرة من المواقع التي يزورها والمنتجات التي يتصفحها وساعات نشاطه حتى الأفلام التي يفضل مشاهدتها بتشكيل الأصول الاقتصادية الأكثر قيمة في العالم، فاليوم تعتمد شركات مثل «أمازون» على بيانات العملاء لتقديم توصيات شخصية تزيد من المبيعات، وتبني منصة الأفلام «نتفليكس» تجربة المشاهدة على تحليل سلوك المستخدمين، ويطور محرك بحث «جوجل» وخدماته اعتمادًا على مليارات عمليات البحث التي يجريها المستخدمون، حيث تعد القيمة الحقيقية في امتلاك المصانع أو الموارد الطبيعية وحدها، بل في القدرة على فهم البيانات وتحويلها إلى قرارات وخدمات ومنتجات تحقق عائدًا اقتصاديًا، ويعكس ذلك انتقال الاقتصاد العالمي تدريجيًا من الاعتماد على الأصول المادية إلى الاقتصاد غير ملموس الذي نخصص هذا الملحق للحديث عنه. 

Image

وفي هذا الحوار يوضح محمد الساعدي باحث دكتوراه ومتخصص في مجال اقتصاد البيانات، الفروقات بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي واقتصاد البيانات، ويفسر كيف تتحول البيانات إلى أصل اقتصادي وما الدور الذي تؤديه البيانات المفتوحة والذكاء الاصطناعي في هذا التحول، كما يناقش أبرز التحديات والفرص أمام سلطنة عُمان لبناء اقتصاد قائم على البيانات، ورؤيته لمستقبل هذا القطاع خلال السنوات المقبلة، وفيما يلي نص الحوار: 

 كيف تصف التطور السريع الذي أصاب الاقتصاد وحوله من شكله التقليدي المتمحور حول الأصول والموارد المادية إلى اقتصادات غير مرئية كاقتصاد المعرفة ثم الاقتصاد الرقمي، واليوم اقتصاد البيانات، وكيف تفسر هذا التحول؟ 

 إذا تأملنا مسيرة الاقتصاد خلال العقود الماضية، سنجد أن كل مرحلة كانت تبني على ما قبلها ففي البداية كان الاعتماد الأكبر على الموارد الطبيعية ورأس المال، ثم أصبح العنصر البشري والمعرفة والابتكار المحرك الرئيس في اقتصاد المعرفة، ومع التطور التقني ظهر الاقتصاد الرقمي الذي غيّر طريقة تقديم الخدمات وإدارة الأعمال من خلال التقنيات والمنصات الرقمية. أما اليوم فقد دخلنا مرحلة جديدة يمكن وصفها باقتصاد البيانات، حيث أصبحت البيانات المورد الأكثر تأثيرا في صنع القرار وابتكار الخدمات وخلق فرص اقتصادية جديدة فالتحول الرقمي بحد ذاته لا يمثل الهدف النهائي، بل هو الوسيلة التي تنتج كميات هائلة من البيانات، بينما تأتي المرحلة الأهم وهي كيفية تحويل هذه البيانات إلى قيمة اقتصادية حقيقية. 

ولهذا أنظر إلى اقتصاد البيانات باعتباره امتدادا طبيعيا للاقتصاد الرقمي أكثر من كونه بديلا عنه، فكلما توسعت الخدمات الرقمية زادت البيانات المتولدة وكلما أُحسن استثمار هذه البيانات ارتفعت كفاءة المؤسسات، وتحسنت جودة القرارات، وظهرت نماذج أعمال جديدة قائمة على البيانات. وباختصار، يمكن القول إن الاقتصاد الرقمي ينتج البيانات، أما اقتصاد البيانات فيحوّلها إلى قيمة اقتصادية وهذا ما يجعل البيانات اليوم أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدول والمؤسسات. 

 هل لك أن تبين لنا الفروقات بين اقتصاد المعرفة، والاقتصاد الرقمي، واقتصاد البيانات؟ 

 على الرغم من أن هذه المفاهيم مترابطة إلا أن لكل منها دورا مختلفا في بناء الاقتصاد الحديث، فاقتصاد المعرفة يقوم على الاستثمار في الإنسان، والبحث العلمي، والابتكار، ورأس المال الفكري، ويعتبر المعرفة المصدر الرئيس لإنتاج القيمة وتحقيق النمو، أما الاقتصاد الرقمي فيركز على توظيف التقنيات الرقمية، مثل الإنترنت والمنصات الإلكترونية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، لتطوير الخدمات، وتحسين كفاءة العمليات، وتسهيل ممارسة الأعمال. في المقابل، ينظر اقتصاد البيانات إلى البيانات باعتبارها أصلا اقتصاديا يمكن استثماره لإنتاج قيمة مضافة، ولا يقتصر دوره على جمع البيانات أو تخزينها، بل يمتد إلى تحليلها، وربطها، وتحويلها إلى قرارات أفضل، وخدمات أكثر ذكاء، ومنتجات جديدة، وفرص استثمارية تسهم في تنويع الاقتصاد. 

وبعبارة مبسطة، اقتصاد المعرفة يصنع الأفكار، والاقتصاد الرقمي يوفر البيئة التقنية، أما اقتصاد البيانات فيستثمر البيانات الناتجة عن هذه البيئة لتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية، ومن هنا يمكن القول إن هذه المفاهيم تمثل مراحل متكاملة أكثر مما تمثل مساراتٍ متنافسة، حيث يشكل اقتصاد البيانات اليوم الحلقة التي تربط المعرفة بالتقنية وتحوّلهما إلى أثر اقتصادي ملموس. 

 تتردد كثيرًا عبارة تقول: إن البيانات هي نفط القرن الحادي والعشرين، إلى أي مدى تتفق مع هذا الوصف؟ 

 أعتقد أن هذا الوصف يعكس أهمية البيانات في الاقتصاد الحديث، لكنه يبقى تشبيها لتقريب الفكرة وليس تطابقا كاملا، فالنفط مورد طبيعي يستهلك مع الاستخدام، بينما البيانات تختلف في طبيعتها، حيث يمكن استخدامها مرات متعددة، كما أنها تزداد قيمة كلما تم دمجها وتحليلها والاستفادة منها بطرق مبتكرة، لكن من المهم التأكيد أن البيانات بحد ذاتها لا تمتلك قيمة اقتصادية تلقائيا فالبيانات الخام تشبه المادة الأولية التي تحتاج إلى معالجة وتحليل وربط مع مصادر أخرى حتى تتحول إلى معرفة تساعد في اتخاذ القرار أو تحسين الخدمات أو ابتكار منتجات جديدة. 

ولهذا أفضّل وصف البيانات بأنها المادة الخام للاقتصاد الرقمي، لا النفط الجديد كما يُشاع، أما القيمة الحقيقية فتتحقق من خلال القدرة على إدارتها وتحليلها وتوظيفها بالشكل الصحيح، والدول التي ستقود اقتصاد المستقبل هي - في تقديري - الأكثر قدرة على بناء منظومة متكاملة لإدارة البيانات، وضمان جودتها، وحمايتها، وتحويلها إلى حلول وفرص اقتصادية تخدم المجتمع والاقتصاد، بصرف النظر عن حجم ما تملكه من بيانات. 

 متى يمكن أن تتحول البيانات من مجرد معلومات إلى أصل اقتصادي؟ وهل كل البيانات تمتلك قيمة اقتصادية؟ 

 ليست كل البيانات ذات قيمة اقتصادية كما أن جمع كميات كبيرة منها لا يعني بالضرورة تحقيق فائدة، فالبيانات تتحول إلى أصل اقتصادي عندما تكون ذات جودة عالية، ويمكن الوثوق بها، وتُستخدم في إنتاج قيمة ملموسة، سواء من خلال تحسين قرار، أو تطوير خدمة، أو ابتكار منتج، أو رفع كفاءة العمليات، كما أن قيمة البيانات تختلف باختلاف سياق استخدامها فقد تكون مجموعة بيانات عادية بالنسبة لجهة معينة، لكنها تمثل موردا استراتيجيا لجهة أخرى تستطيع توظيفها بطريقة مختلفة، لذلك فإن القيمة لا تكمن في البيانات نفسها، بل في القدرة على استثمارها. 

ومن هنا أصبح ينظر إلى البيانات كأحد الأصول غير الملموسة، شأنها شأن الملكية الفكرية والعلامات التجارية، إلا أن هذا الأصل يحتاج إلى إدارة وحوكمة وجودة مستمرة حتى يحافظ على قيمته ويحقق عائدا اقتصاديا مستداما، وباختصار، البيانات تتحول إلى أصل اقتصادي حين تُترجَم إلى قرار أفضل، أو خدمة أكثر كفاءة، أو منتج يخلق قيمة للمجتمع والاقتصاد، لا بمجرد جمعها. 

 ماذا بالنسبة لسلطنة عمان؟ أين نقف اليوم في مسيرة بناء اقتصاد البيانات؟ 

 أعتقد أن سلطنة عُمان تمتلك اليوم قاعدة جيدة للانطلاق نحو اقتصاد البيانات، خصوصا مع ما تحقق خلال السنوات الماضية في مجالات التحول الرقمي، والحكومة الإلكترونية، والبيانات المفتوحة، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب وجود تشريعات تسهم في تعزيز الثقة وحماية البيانات، كما أن رؤية «عُمان 2040» أولت اهتماما واضحا بالاقتصاد الرقمي والابتكار، وهذا يوفر بيئة مناسبة لتطوير اقتصاد يعتمد على البيانات باعتبارها أحد الموارد الاستراتيجية. 

ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على جمع البيانات ورقمنتها إلى تعظيم الاستفادة منها ومقياس نجاح اقتصاد البيانات الحقيقي هو مدى قدرتها على دعم اتخاذ القرار، وتحسين الخدمات، وخلق فرص استثمارية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتمكين القطاع الخاص من تطوير منتجات وخدمات جديدة، وليس عدد قواعد البيانات أو المنصات الرقمية التي نملكها. ومن وجهة نظري، تمتلك سلطنة عمان فرصة حقيقية لتكون نموذجا إقليميا في هذا المجال إذا استمرت في تعزيز التكامل بين الجهات الحكومية، وتطوير حوكمة البيانات، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتشجيع الابتكار القائم على البيانات. 

 ما دور إتاحة البيانات في تعزيز هذا النوع من الاقتصاد؟ 

 تؤدي البيانات المفتوحة دورا مهما في دعم اقتصاد البيانات، لأنها تتيح للباحثين ورواد الأعمال والشركات الاستفادة من البيانات العامة لتطوير حلول وخدمات ومنتجات مبتكرة كما أنها تعزز الشفافية، وتدعم البحث العلمي، وتشجع الابتكار، وتفتح المجال أمام بناء تطبيقات وخدمات ذات قيمة مضافة. لكن من المهم التأكيد أن البيانات المفتوحة تمثل أحد مكونات اقتصاد البيانات، لا اقتصاد البيانات بحد ذاته. كما أن نجاح اقتصاد البيانات مرتبط بتصنيف البيانات وإدارة كل نوع منها بالطريقة المناسبة، أكثر من ارتباطه بفتح جميع البيانات بلا تمييز. 

فبعض البيانات يمكن نشرها بشكل مفتوح، وبعضها يشارك بين الجهات وفق ضوابط محددة، وهناك بيانات سرية أو شخصية يجب حمايتها وعدم إتاحتها. لذلك فإن التوازن بين الانفتاح والحماية يمثل أحد أهم عوامل نجاح اقتصاد البيانات. وفي النهاية، كلما كانت البيانات المفتوحة ذات جودة عالية، ومحدثة، وسهلة الاستخدام، زادت قدرتها على تحفيز الابتكار وخلق فرص اقتصادية جديدة دون الإخلال بمتطلبات الأمن والخصوصية. 

 ولكن كيف يمكن لاقتصاد البيانات أن يدعم تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» بصورة مباشرة ؟ 

 لا يمكن الحديث عن تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» دون وجود بيانات دقيقة وموثوقة تدعم التخطيط وقياس الأداء واتخاذ القرار، فكل برنامج أو مشروع أو مؤشر يحتاج إلى بيانات تمكن صناع القرار من معرفة أين يقفون، وما الذي تحقق، وما الذي يحتاج إلى تدخل أو تحسين. ومن هذا المنطلق، فإن اقتصاد البيانات لا يقتصر على دعم الجهات الحكومية في متابعة مؤشرات الأداء، بل يمتد إلى تحسين كفاءة الإنفاق، وتوجيه الاستثمارات، ورفع إنتاجية القطاعات الاقتصادية، وتعزيز القدرة على التنبؤ بالفرص والتحديات قبل وقوعها. 

كما يساهم اقتصاد البيانات في تمكين القطاع الخاص من تطوير خدمات ومنتجات جديدة، ودعم رواد الأعمال لبناء مشاريع قائمة على البيانات، وهو ما ينعكس على تنويع الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة. وبرأيي، فإن أحد أهم التحولات التي ينبغي التركيز عليها خلال المرحلة القادمة هو الانتقال من إدارة البيانات إلى إدارة القيمة الناتجة من البيانات. فمقياس النجاح هنا هو الأثر الاقتصادي والتنموي الذي تحققه هذه البيانات في دعم مستهدفات الرؤية، وليس حجمها الذي نمتلكه. 

 عند الحديث عن البيانات يطرأ مصطلح « تسييل البيانات»؟ ما معناه؟ وهل يرتبط ببيع البيانات الشخصية كما هو مشاع؟ 

 هناك اعتقاد شائع بالفعل بإن تسييل البيانات يعني بيع البيانات، وهذا مفهوم غير دقيق، فتسييل البيانات هو تحقيق قيمة اقتصادية من البيانات، وليس بيع البيانات الشخصية أو المتاجرة بها. وتوجد العديد من النماذج التي تحقق عائدا اقتصاديا دون المساس بخصوصية الأفراد، مثل تطوير مؤشرات ذكية، ولوحات معلومات، وخدمات تحليلية، ونماذج تنبؤية، أو توفير واجهات برمجية (APIs) تمكن الشركات من الاستفادة من البيانات وفق ضوابط واضحة. 

كما يمكن للجهات الحكومية والقطاع الخاص إنتاج خدمات تعتمد على البيانات لتحسين تجربة المستفيدين، أو رفع كفاءة العمليات، أو دعم المستثمرين، أو تطوير منتجات جديدة، دون الحاجة إلى مشاركة أي بيانات شخصية، لذلك فإن أفضل نموذج لتسييل البيانات، من وجهة نظري، يقوم على تحويلها إلى معرفة وخدمات ومنتجات تحقق قيمة اقتصادية مستدامة، لا على بيع البيانات الخام، مع الالتزام الكامل بالتشريعات وحماية الخصوصية. 

Image

 إذًا برأيك كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من البيانات وحماية الخصوصية؟ وهل نحتاج إلى أطر تنظيمية إضافية؟ 

 أعتقد أن نجاح اقتصاد البيانات يعتمد قبل أي شيء على الثقة، فإذا لم يشعر الأفراد والمؤسسات بأن بياناتهم تدار بطريقة آمنة ومسؤولة، فلن ينجح أي نموذج اقتصادي قائم على البيانات، ولذلك فإن تحقيق التوازن يعني الجمع بين الخصوصية والاستفادة الاقتصادية معًا، لا الاختيار بين أحدهما، من خلال منظومة متكاملة تشمل التشريعات، والحوكمة، والأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، والتصنيف الواضح للبيانات وفق مستويات حساسيتها. 

وقد خطت سلطنة عُمان خطوات مهمة في هذا المجال من خلال إصدار التشريعات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية، إلا أن تطور التقنيات والذكاء الاصطناعي يستدعي استمرار مراجعة الأطر التنظيمية وتحديثها بما يواكب المتغيرات العالمية، كما ينبغي تشجيع استخدام البيانات المجهولة الهوية، وتطبيق مبدأ الحد الأدنى من مشاركة البيانات، بحيث يتم تبادل ما هو ضروري فقط لتحقيق الغرض المطلوب، دون المساس بخصوصية الأفراد. 

وفي اعتقادي، فإن الدول التي ستنجح في اقتصاد البيانات هي تلك التي تنجح في بناء بيئة قائمة على الثقة، تجعل الأفراد والمؤسسات أكثر استعدادًا للمشاركة والاستفادة من البيانات في إطار واضح وآمن، بصرف النظر عن حجم ما تجمعه من بيانات. 

 هل هناك نماذج عملية يمكن من خلالها تحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية؟ بحيث يمكن للقطاع الخاص ورواد الأعمال الاستفادة منها؟ 

 إن فرص اقتصاد البيانات لا تقتصر على شركات التقنية الكبرى، بل أصبحت متاحة أمام مختلف القطاعات الاقتصادية، فاليوم يمكن تحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية من خلال تطوير منصات تحليلية، وخدمات استشارية قائمة على البيانات، ولوحات مؤشرات ذكية، ونماذج للتنبؤ، وحلول تدعم اتخاذ القرار. 

وفي سلطنة عُمان، أرى أن هناك فرصًا واعدة في قطاعات مثل السياحة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والزراعة، والصحة، والخدمات المالية، حيث يمكن للبيانات أن تسهم في رفع الكفاءة، وتحسين تجربة المستفيدين، وابتكار خدمات جديدة. 

أما بالنسبة للقطاع الخاص ورواد الأعمال، فأنصحهم بعدم التفكير في البيانات كمنتج يباع، بل كمنصة لبناء منتجات وخدمات جديدة. فالقيمة الحقيقية تكمن في تحويل البيانات إلى حلول تعالج تحديات السوق وتلبي احتياجات العملاء. 

ومن المتوقع أن نشهد خلال السنوات القادمة نموًا في الشركات المتخصصة في تحليل البيانات، وتطوير حلول الذكاء الاصطناعي، وتقديم خدمات تعتمد على البيانات، وهو ما يمثل فرصة حقيقية للشباب ورواد الأعمال للدخول في أحد أكثر القطاعات نموًا على مستوى العالم. 

 ماذا عن التحديات التي قد تواجه بناء اقتصاد البيانات في سلطنة عُمان بالشكل المأمول؟ 

 رغم ما تحقق من تقدم، إلا أن بناء اقتصاد بيانات متكامل يواجه عددًا من التحديات التي تتطلب عملًا مشتركًا بين القطاعين العام والخاص. وفي مقدمة هذه التحديات تأتي جودة البيانات، فكلما كانت البيانات دقيقة ومحدثة وموثوقة، زادت قيمتها الاقتصادية. كما أن تكامل البيانات بين الجهات يمثل تحديًا آخر، إذ إن وجود البيانات في جزر معزولة يقلل من فرص الاستفادة منها ويحد من قدرتها على دعم القرارات الوطنية. 

ومن التحديات أيضًا تنمية الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة البيانات وتحليلها، فاقتصاد البيانات يحتاج إلى خبرات تجمع بين المعرفة بالبيانات، والاقتصاد، والتشريعات، والتقنيات الحديثة، ولا يكفي فيه الاعتماد على التقنية وحدها، كما أن بناء الثقة بين مختلف الأطراف يعد عاملًا أساسيًا، سواء فيما يتعلق بحماية الخصوصية أو وضوح آليات مشاركة البيانات واستخدامها. 

وفي رأيي، أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إدارتها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وليس في نقصها. فالدول اليوم تمتلك كميات هائلة من البيانات، لكن الفارق الحقيقي يكمن في القدرة على استثمارها بفاعلية. 

 ماذا عن دور الذكاء الاصطناعي في معادلة اقتصاد البيانات؟ 

 من الصعب الحديث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي دون الحديث عن البيانات، لأن البيانات تمثل الأساس الذي تُبنى عليه جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فكل نموذج ذكي يعتمد في تعلمه ودقته على جودة البيانات التي يتعامل معها، ولهذا أقول دائمًا إن البيانات هي الوقود الحقيقي للذكاء الاصطناعي. فإذا كانت البيانات غير دقيقة أو غير مكتملة، فإن نتائج الذكاء الاصطناعي ستكون محدودة مهما كانت التقنيات المستخدمة متقدمة. 

ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، ستزداد الحاجة إلى بناء بنية وطنية قوية للبيانات، تشمل معايير الجودة، والحوكمة، والتكامل بين الجهات، بما يضمن إنتاج حلول ذكية أكثر دقة وموثوقية. 

ومن المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع نمو اقتصاد البيانات، وفي المقابل سيظل نجاح الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بقدرتنا على إدارة البيانات بكفاءة وجودة عالية. 

 أخيرًا كيف تنظر لاقتصاد البيانات في المستقبل، محليًا وعالميًا؟ 

 أتوقع أن تصبح البيانات بحلول عام 2040 أحد الأصول الاستراتيجية التي تسهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني، تمامًا كما أصبحت البنية الأساسية والطاقة والموارد البشرية عناصر رئيسية في التنمية. 

وأتصور أن نشهد توسعًا في الشركات التي تبني منتجاتها وخدماتها على البيانات، وظهور أسواق جديدة للحلول التحليلية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب زيادة التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات لتطوير ابتكارات قائمة على البيانات كما أتوقع أن تتحول البيانات إلى عنصر أساسي في تصميم السياسات العامة، وتحسين الخدمات، وجذب الاستثمارات، ورفع تنافسية الاقتصاد العُماني على المستوى الإقليمي والدولي. 

وفي الختام، أؤمن بأن مستقبل اقتصاد البيانات في سلطنة عُمان يرتكز على بناء منظومة متكاملة تقوم على الجودة، والثقة، والحوكمة، والابتكار، وتحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية تعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد الوطني، أكثر من ارتكازه على مجرد امتلاك البيانات.