No Image
عُمان الاقتصادي

السمعة... رأس المال الحقيقي

12 أغسطس 2026
12 أغسطس 2026
«سمعة الدولة الصناعية تمنح شركاتها ميزة مسبقة في الأسواق العالمية، فثقة المستهلك في الصناعة الألمانية أو اليابانية تنتقل جزئيًا إلى الشركات والمنتجات الجديدة»

يجوب المسافر أنحاء المدينة القديمة، فيمُر من أمام مطعم صغير ويجد طابورًا يمتد من بابه الضيق إلى آخر الشارع، بينما تُجاوره مطاعم تبدو أفخم وأحدث عهدًا، لكنها شبه خالية من الزبائن. تلتقط عينا المسافر اسم المطعم الصغير محفورًا على واجهته الخشبية، وأسفل منه تاريخ افتتاحه الذي يعود لأكثر من مائة عام. يا لها من قطعة أثرية! كم من طابورٍ انتظم الواقفون فيه أمام هذا الباب؟ قَرصة الجوع لا تُمهِله حتى يتخذ قراره بعد قراءة عشرات التقييمات، فيقرر الوقوف في نهاية الطابور وانتظار دوره لدخول هذه الجنة الصغيرة، التي يتجاوز عمرها مائة عام من الطهي المتميز والترحيب بالزبائن؛ فاللافتة القديمة تُخبر عما انطبع وراءها من لحظات مرحة ودافئة، والزبائن المنتظرون في صبر يعرفون جيدًا أي جائزة تنتظرهم بالداخل. ها هو ينضم إليهم، وينتظر مثلهم، فقد اشترى ما هو أشهى من الطعام نفسه؛ اشترى السمعة التي تراكمت على مَرِّ عقود. 

إن حالَنا لا يختلف كثيرًا عن حال هذا المسافر، فنحن نفعل أشياء شبيهةً كل يوم، ليس فقط مع المطاعم بل في أغلب القرارات التي نميل فيها إلى التخلص من عناء التجربة، والتقليل من الشعور بالمخاطرة، واختصار الوقت الذي نستهلكه في التمحيص والمقارنة. هنا تبرز السمعة لا كمفهوم معنوي، بل كأصلٍ تجاري له قيمة اقتصادية وتأثير رقمي في قائمة الدخل، إذ تتزايد المبيعات نتيجة قوة الاسم التجاري والثقة التي يوحي بها، لا أي سبب آخَر. السمعة هنا أصل اقتصادي قد لا يظهر في المركز المالي للشركة: أصل معنوي لا يَسهُل شراؤه بقرار إداري أو عن طريق زيادة في رأس المال، بل يستغرق الحصول عليه عقودًا من الكد والإجادة والخدمة المميزة، وقد تتهاوى قيمته نتيجة خطأ واحد جسيم، ولا يكفي للحفاظ عليه توقيع عقد صيانة طويل الأجل، بل يحتاج لجُهد مضاعف متعدد الأوجُه، يتطلَّب أحيانًا إنشاء إداراتٍ متخصصة في الاتصال المؤسسي، ووضع استراتيجيات لتعزيز قيمة العلامة التجارية والمحافظة عليها، بالتركيز على الوعي بالعلامة وولاء العملاء وتوجيه الارتباطات الذهنية والعاطفية في الاتجاه المطلوب. 

إنه أصل غير اعتيادي، يُمكن اعتباره أطول مشروع اقتصادي تقوم المؤسسة – أو الدولة – بتنفيذه، يمتد زمنُه بطول عُمْرِ المؤسسة ذاته، ولا ينتهي إلا بتصفيتها أو بيعها لعلامة تجارية أخرى. فأي علامة تجارية لا تبيع المنتج فحسب، بل القصة التي تسبقه والوعد الذي يتضمَّنه. ومن الخطأ أن يُنظَر إلى العلامة التجارية كمجرد شعار له تصميم مميز تسعى شركة ما لترويجه من خلال حملات تسويقية وإعلانية مكثفة، فالأمر أعمق من ذلك بكثير. 

العلامة تحمل وعدًا ما؛ بالجودة مثل آپل، بالاعتمادية مثل تويوتا، بالقيمة الثابتة مثلما هو الحال مع رولكس، أو بالأناقة كما تَعِدُ جوتشي؛ كل وعد من هذه الوعود ترسَّخ عبر عقود من بناء السردية المرغوبة وتعزيزها بكل وسيلة متاحة. المرأة الأنيقة لا تشتري حقيبة هيرمِس لمجرد اقتناء الجلد الفخم والخياطة المتينة والتصميم المتميز، بل تدفع أضعاف هذه القِيَم مجتمِعة في مقابل سردية تحكي تاريخًا طويلًا من الحرفية والنُّدرة، والرمزية التي ترتبط بها، والقيمة المعنوية التي لا تشغل حيزًا داخل الحقيبة لكنها تمثِّل البند الأهم في هذه الصفقة، هي قيمة الانتماء إلى مجتمع محدود من مُقتَني هيرمِس، تختار العلامة التجارية جميعَ أفراده بعناية فائقة، فليس مسموحًا لأي مَن كان باقتناء هيرمِس إلا بشروط، مهما كانت درجة استعداده لدفع الثمن. وباقتناء أحد منتجات هيرمِس يحوز تذكرةً غير ملموسة لدخول نادي هيرمِس، فينضم إلى الحائزين على شهادة جدارة من هذه العلامة التجارية الموقوفة على صفوة الصفوة؛ تُرى كَم تُساوي هذه التذكرة ذات الشروط شبه المستحيلة؟ وكَم أنفقَت العلامة التجارية - وكَم أهدرَت من فرص البيع - حتى وصلتْ بسرديَّتها لهذه القمة الشاهقة؟ 

لقد نجحَت رولكس في احتلال موقعٍ مُحلِّق، خارج المنافسة، في عالم الساعات. وهي قيمة اقتصادية لا يُمكِن إغفالها أثناء تقييم العلامة التجارية. فمعنى أن تكون خارج المنافسة هو أن يتراجع التردد الذي يسبق قرار الشراء، فمَن يتيسَّر له شراء ساعة رولكس غالبًا سيفعل من دون تردد، وسيدوم ولاؤه لهذه العلامة التجارية التي ضمَّته إلى نادي الصفوة، وقدَّمَت له وعدًا بالاحتفاظ بقيمة الساعة مهما دارَت عقاربها في أبديَّتها المُطْلَقة. ونتيجة هذه القيمة الاقتصادية، سترفع رولكس أسعار منتجاتها من دون قلق من تراجع المبيعات، ولن تستهلك مواردها في الدعاية والترويج، بل يكفيها أن تظهر كشريك رسمي في بطولات رياضية تُخاطب النُّخبَة، وفي أفخم المطارات والمزارات السياحية حول العالم، فسُمعة رولكس تمكنها من أن تلعب دور الشريك، لا الشركة الراعية أو المُعلِنة. والإعلانات قد تساهم في شُهرة علامة تجارية منافِسة، لكنها أبدًا لا تجعل العملاء يصدِّقون وعودها. 

ما الذي يجعلهم يصدِّقون الوعود إن لم يكن الإعلانات؟ الإجابة: قوة السردية. والسردية هي الوجه الآخَر للسمعة، فالسمعة لا تعني فقط ثقة العملاء واحترامهم للعلامة التجارية، بل قصة ظهورها في هذا العالم والهدف من وجودها فيه. 

تِسلا لا تبيع السيارات الكهربائية، بل وُجِدَت لكي تقود التحوُّل العالمي نحو الطاقة النظيفة، وإعادة تعريف مفاهيم الانتقال في الزمان والمكان. إنها ليست مجرد شركة تعمل في مجال الصناعة، بل هي رمز للريادة والابتكارية وتغيير العالم؛ علامة تجارية تضع نفسها في مصاف العلماء وقادة الفكر والرواد المشغولين بمستقبل الكوكب ودَور العِلم والابتكارية في إسعاد البشرية... هل نجحت هذه السردية؟ نعم نجحت بامتياز، فلِفترة طويلة لم تكن قيمة تِسلا السوقية تساوي فقط حجم مبيعاتها من السيارات، بقدْر ما كانت تعكس قوة القصة المتفردة والوعد الاستثنائي الذي تقدمه تِسلا لمجتمع المستثمرين والمؤمنين بأهمية المستقبل. 

إلا أن أصلًا معنويًّا مثل هذه القصة، لا يتقادم ولا تُختصَم منه نسبة إهلاكٍ سنوية، قد يتعرَّض لضربة قاصمة كما حدث مع بنك سيليكون ڤالي عام 2023، وهو بنك رائد في مجال الشركات الناشئة بقطاع التكنولوجيا الأمريكي. بدأ الانهيار بأزمة ثقة في طريقة البنك في إدارة أموال المودِعين، إذ ارتكب أخطاء استراتيجية قاتلة في إدارة المخاطر والتحوُّط من ارتفاع أسعار الفائدة، وأيضًا في التواصل مع العملاء مع ظهور بوادر الأزمة، فانشرت حالةُ ذعرٍ بسرعة هائلة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وانهارت ثقة المودِعين في قدرة النظام البنكي على حماية أموالهم، فسارعوا بسحب الأموال عبر تطبيقات الهواتف الذكية، وتداعت السردية في غضون 48 ساعة! فلو كان مثل هذا الانهيار قابلًا للحدوث، فكيف يدخل أصل معنوي بهذه الهشاشة في تقييم العلامة التجارية باطمئنان؟ 

ربما يستدعي الأمر تدَخُّلًا سياديًّا من الدولة نفسها، إذ هي كيان أكثر رسوخًا من الشركات التي تعمل على أرضها. هنا يبزغ السؤال: هل سُمعة الدولة أصلٌ اقتصادي؟ والإجابة: بكل تأكيد. فالدول أيضًا تبني السرديات وتنجح في ترويجها وضمِّها إلى أصولها الاقتصادية. لقد بَنَتْ سويسرا سرديَّتها حول مفاهيم الدقة والاستقرار والموثوقية، وأسسَت ألمانيا أسطورتها على الجودة والاعتمادية، واليابان سُمْعَتها على الانضباط والتقدُّم التكنولوجي، كما نجحت كوريا الجنوبية خلال عقود قليلة في الانتقال من دولة صناعية صاعدة إلى علامة عالمية مرتبطة بالثقافة والابتكار. 

اليوم، تبني الصين سردية مهولة في مجال صناعة السيارات، فيتفاجَأ المستهلك بماركات صينية جديدة بالعشرات تُطرَح في الأسواق، فيتساءل: متى نشأت هذه الشركات؟ ومتى طوَّرَت تكنولوجيا صناعة الجيل الجديد من السيارات؟ قد يتصور البعض أن الأسعار التنافسية التي تطرحها الشركات الصينية هي السبب وراء استحواذهم على حصة من سوق السيارات، إلا أن النجاح الذي تُحققه شركات السيارات الصينية في مختلف الفئات السعرية مثير للتساؤل، والإجابة تتمثَّل في قدرة الصين نفسها كدولة صناعية كبرى على صناعة سردية تُفيد بتطويرها تكنولوجيا جديدة في عالم السيارات، تُربك حسابات المنافسين التقليديين وتسحب البساط من تحت أقدامهم، بحيث تمشي عليه الشركات الصينية في ثقة واطمئنان. 

هنا تلعب «السُّمعة الوطنية» دورًا مؤثرًا في البيئة الاستثمارية للدولة، وفي قدرة الشركات الوطنية على المنافسة في السوق العالمية، فالمستثمر لا ينظر فقط إلى القوانين المنظمة وحجم السوق وطبيعته، بل يُفكر وفي خلفية قراره «القصة» التي ترتبط بالدولة؛ هل هي قصة استقرار أم اضطراب؟ ابتكار أم تقليد؟ وعد بالمستقبل أم نظرة إلى الماضي؟ 

لقد شَهِدَ العالم تحولات مهولة خلال العقود الأخيرة، وصارت قصص النجاح الاقتصادي تنطلق من الحكايات، ولا تقتصر على الإمكانيات. ازدادت هشاشة الشركات والمؤسسات في مواجهة الفضائح والأخطاء الفادحة، التي تضرب السمعة في مَقتل، ما يُشكل تحدِّيًا يتناسب طرديًّا مع حجم الشركة أو المؤسسة، فكلما كَبُرَ الكيان استعصى عليه التحوُّل والاستجابة للمتغيرات. لم يعُد بالإمكان أن تتحكم الشركات في صورتها عبر الإعلانات وإدارات الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة. تغير العالم وصار المستهلك صحفيًّا يجرب المنتَج، والموظف مصدرًا للمعلومات الدقيقة والحساسة، وأصبح المجتمع الرقمي قادرًا على كشف التناقضات وتسليط الضوء عليها بسرعة غير قابلة للاحتواء؛ فأصغر خطأ قد يتحول بقُدرة وسائل التواصل الاجتماعي إلى أزمة عالمية. وفي المقابل، يستطيع كيان يتمتع بثقة عالية أن يتجاوز أزمته، لو امتلك رصيدًا سابقًا من المصداقية والأصالة. هذا هو الفارق بين شُهرة الشركة وسُمعتها، فالسمعة تعني الثقة، والثقة أصلٌ أكثر ثباتًا من مجرد الشهرة. 

في عالم على هذه الشاكلة، تحتاج الشركات لبناء الثقة قبل المصانع، والسيطرة على السردية قبل الخطط الإنتاجية والتسويقية. فالمصنع يسهُل استيراده بجميع محتوياته، والمنتجات يسهُل تقليدها ومحاكاتها، والإعلانات تُصنَع بالذكاء الاصطناعي في دقائق معدودة، أما السمعة فلا يصنعها سوى الحكاية القابلة للتصديق، وهي أصلٌ غير ملموس يُكلِّف الكثير من دون أن يظهر في ميزانية الشركة أو الدولة. لقد صار «السرد» حلبةً جديدة للصراع، في عالمٍ تتشابه فيه المنتجات وتتسارع التكنولوجيا، وأصبح «المعنى» هو معيار الانتصار. فاقتصاد اليوم لا يعتمد على جودة المنتجات، بقدْر ما ينطلق من قابلية الحكايات للتصديق. 

أحمد القرملاوي، مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.