عُمان الاقتصادي

المرأة والاقتصاد والاستغلال الرأسمالي

12 أغسطس 2026
12 أغسطس 2026
«أكبر مفارقات الاقتصاد أن أكثر الأعمال ضرورة، غالبًا ما تكون الأقل اعترافًا والأبعد عن الأجر»

تنبه كارل ماركس في سنوات صعود الثورة الصناعية لتأثيرها المتفاوت، ودخول الآلات في المصانع ليس على العُمال الذكور فقط، بل وعلى الأسرة بشكلٍ عام بما فيهم الأطفال والنساء، وكيف أثّرت هذه الثورة الصناعية تحديدًا على النساء؛ حيث رأى أن رؤوس الأموال استحوذت ليس على القوة العضلية للأفراد، بل وجعلتهم يبدون زائدين عن الحاجة، في مقابل حلول الآلة محلهم. غير أن النساء والأطفال تحملوا الخسارة الكبيرة والمضاعفة، وذلك بسبب أن عمل المرأة سواءً أكان في المنازل أم المصانع الرثة آنذاك، لم يخضع للشروط والقوانين التي تخضع لها المصانع المستقلة والمتعارف عليها. فالتعامل مع العمل المنزلي بهذا المعنى أصبح نوعًا من الاستغلال الاقتصادي للمرأة، الأمر الذي زاد من جشع أصحاب رؤوس الأموال من جهة، وأثر بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر على الأوضاع الصحية للنساء والأطفال من الجهة الأخرى. 

لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ حيث أن الكثير من جهود المرأة وأعمالها خارج منطق السوق والتبادل لم تبدأ مع الثورة الصناعية، بل كانت وما زالت قائمة تحت العديد من العناوين الدينية والاجتماعية المختلفة، فهي تعُبر في جزء منها عن خدمة تطوعية أو قسرية للمنزل، وتربية الأجيال التي حللها ماركس وانجلز في كتابهما «العائلة المقدسة» التي تشمل الكثير من الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر والتي لا تقاس بمعادلات السلعة والأجر، بل تعود إلى النظام الأبوي لتقسيم العمل واستمراريته. 

بهذا المعنى، أحدثت أنظمة العمل بشكلٍ عام، وعمل المرأة بشكلٍ خاص تحولات هيكلية ليس في الجانب المادي فقط، بل وأيضًا وهذا هو المهم، في العلاقات الفردية القائمة في المجتمع بين الرجل والمرآة؛ حيث توقفت الرؤية الهرمية للمجتمعات عن التوسع، وتغيرت أنماط السلوكيات المتبادلة، وتبدلت رؤية الأفراد لأنفسهم، ولقدراتهم، بل أصبح يُنظر إليه كدليل على استعداد الفرد لتقديم مساهمة فعّالة في الصالح العام وازدهار المجتمع السياسي. 

وبالرغم من أن مفهوم العمل على المستوى الفلسفي ليس جديدًا؛ حيث نجد أنه يُفسَّر الآن، في العصر الجديد، كشرط للوجود الحر وشرط أساسي للاستحقاق الاجتماعي؛ فما كان في السابق إكراهًا محضًا على كسب الرزق، أصبح فجأةً علامة على التحرر الاجتماعي والحرية. ولم يُعرّف أحد هذه الصلة بين المساواة السياسية والتعاون الاجتماعي أفضل من هيجل، الذي كرّس فصلًا كاملًا في كتابه «فلسفة الحق»، الصادر عام 1821م، للأهمية الجديدة للعمل كشرط للعضوية في الدولة الدستورية، والذي ينص على أن كل عضو (ذكر) في المجتمع المدني «هو شيء» من خلال «كفاءته» و«تعليمه وتقدمه المناسبين»، وبالتالي يتمتع بمكانة اجتماعية كمواطن كامل الحقوق، وسيجد «شرفه» في هذا الوجود المعترف به كصاحب عمل. 

لاحقًا، تصدّر عمل المرأة الكثير من الدراسات والبحوث، ففي عام 1992م حصل الأمريكي غاري بيكر Gary Becker (1930-2014م) على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية عن بحوثه المختلفة في المجالات الاقتصادية ومن ضمنها كتابه «رسالة في الأسرة» عام 1981م، والذي حلل فيه دور الأسرة في المجال الاقتصادي وهو الجانب الذي ظل لفترة طويلة مهُمشًا، وخارج الحسابات الاقتصادية التي حللها الاقتصاديون لفترة طويلة، مخالفًا بذلك النماذج الاقتصادية التقليدية التي تنظر للجانب الاقتصادي على أنه «تعظيم للربح واللذة الفردية على حساب المنافع المجتمعية الكبرى»، كما وضع بيكر مصطلحًا اقتصاديًا مهمًا وصف به الأسرة بأنها «مصنعًا صغيرًا» “small factory” الذي ينُتج السلع والخدمات الأساسية، ناهيك عن القيم المجتمعية المختلفة. 

غير أن هذا المصنع الصغير المتمثل في المرأة التي تعمل، وخاصة في المجتمعات التقليدية، لفترة طويلة من حياتها، وربما كل سنواتها، لم تحظ بالبحث والتحليل الكافيين في النظريات الاقتصادية، والتي اعتبرها الكثير بأنها تندرج ضمن السلوكيات غير السوقية Nonmarket Behavior، أي تلك السلوكيات التي لا تقاس بالوقت ولا بالربح ولا بالجهد المبذول كما جرت العادة عند الحديث عن النماذج الاقتصادية الأخرى. 

الأمر الذي جعل الباحثة السويدية كاترين ماركيل Katrine Marçal، بعد ذلك بسنوات عديدة وتحديدًا في عام 2012م، تصدر كتابها الشهير: من قام بطهي عشاء آدم سميث؟ وكتابها اللاحق في عام 2021م، المعنون «أم الاختراعات: كيف يتم تجاهل الأفكار الجيدة في اقتصاد مصمم للرجال»، والذي تنطلق في العمل الأول من قصة حياة آدم سميث المعروف بأب الاقتصاد الحديث، وكيف تجاهل الجهود التي قامت به والدته في توفير حياة كريمة له، عندما كان يؤلف أعماله المهمة، مثل ثروة الأمم عام 1776م وغيرها من الأعمال، وكيف أن تفكيره المتحيز ضد المرأة كما ترى الباحثة السويدية ساهم في تجاهله لجهود المرة بشكل عام، وذلك بداية من تحضير وجبة العشاء لصاحب ثروة الأمم. 

Image

ففي بداية هذا العمل، تطرح المؤلفة السؤال البسيط والمعقد، المتمثل في كيفية حصول المرء على ما يأكله، في ظل اعتماد كل فرد على جهود الآخرين، ومنهم الخباز، والنجار، والجزار، وغيرها من المهن، والتي تقوم بحسب آدم سميث ليس على المحبة والطيبة والإيثار والتضحية، بل «من أجل منفعتهم الخاصة عن طريق هذه المقايضة»، وهي الفكرة التي هيمنت على علم الاقتصاد منذ بداياته؛ حيث تعتبر المنفعة الخاصة بمثابة اليد الخفية Invisible Hand التي تُحرّك السوق بما فيها الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. 

وفي هذه القصة كلها تجد المرأة نفسها -بحسب المؤلفة- بأنها مقصية من الحركة الاقتصادية بما يشمل ذلك عملها المنزلي الخاص، وجهودها غير المرئية، التي لا تدخل في الحسابات الاقتصادية التي تقاس بالمنفعة الذاتية التي تحققها، وذلك بالرغم من أن المصدر اللغوي اللاتيني لكلمة «الاقتصاد» والمشتقة من «إيكوس» أي المنزل، فإن الاقتصاد المنزلي ظل غير مرئي، وخارج الحسابات العقلانية الذكورية. 

غير أن الجهود التي بذلتها مدرسة شيكاغو ومن ضمن أبرز الأسماء غاري بيكر الحائز على جائزة نوبل، والمذكور سابقًا، كان لها دور كبير في إثارة هذه الأسئلة وغيرها حول أدوار المرأة التقليدية وكيفية إلغاء التمييز ضد المرأة إذا أخذنا في الحسبان، أنها تتلقى فرص تعليم مساوية للرجل في حين أن تتقاضى أجرًا أقل؟ 

انتعشت بعد ذلك وتحديدًا مع مطلع الألفية الجديدة آمال النساء في العالم في الحصول على حقوق مساوية للرجل في مكان العمل، بما يشمل ذلك الأجور والميزات والتعويضات، وغيرها من المزايا، والتي تشكلت من الأعداد المتزايدة من الخريجات في الجامعات على المستوى العالمي، ومن المناصب العليا التي تقلدتها المرأة في الشركات المتعددة الجنسيات، الأمر الذي فرض قواعد جديدة في لعبة المال والأعمال، ولم يعد من الممكن تجاهل الدور الرئيس الذي تلعبه المرأة داخل المنزل وخارجه. 

غير أن السؤال ما زال حاضرًا للجميع، وهو: كيف يتم التعامل مع العمل المنزلي للمرأة بعد عودتها من العمل الرسمي، وبشكلٍ خاص إذا كان الناتج المحلي لا يقيس العمل المنزلي ولا يدخل ضمن حساباته ومعادلاته؟ 

لم تكتف الكاتبة السويدية بهذه الأسئلة في عملها عن آدم سميث، بل سعت لتعميقها وطرحها من جديد وذلك في كتابها الصادر عام 2021م، والذي تذهب فيه إلى أن الاقتصاد ذكوري الطابع، وأنه لا مكان للمرأة فيه، بدءًا من التأسيس والاختراعات والمساهمات والمصطلحات وغيرها من السمات العالمية للاقتصاد. 

ورأت وذلك من خلال أمثلة متعددة، بأن بعض الاختراعات في البداية صممت للرجال ولم تصمم لاستخدام المرأة، وذلك مثلًا عجلات حقيبة السفر التي لم يحدث فيها هذا التغيير إلا مع تزايد السفر وبسبب المعاناة التي عانى منها الرجال في مشاويرهم الطويلة، الأمر الذي اضطر أخيرًا لإضافة هذه العجلات في الحقيبة لتقليل الجهد والمسافات. 

تتلخص هذه الأعمال، وهذا السرد في فكرة عامة، تخفي وراءها تفاصيل كثيرة، تتلخص في أن «التحيز الذكوري والنظرة النمطية للنوع الاجتماعي (الجندر) هما أكبر عائقين في تاريخ الابتكار والتطور التكنولوجي والاقتصادي للبشرية». 

علي بن سليمان الرواحي باحث ومترجم في القضايا الفلسفية المعاصرة