أزمة مضيق هرمز ودول مجلس التعاون: التداعيات والحلول

10 أغسطس 2026
10 أغسطس 2026

لطالما كان مضيق هرمز القصبة الهوائية لرئة الطاقة في دول مجلس التعاون والذي من خلاله استطاعت الدول الغنية بالنفط تصدير كميات هائلة للمستهلكين خاصة في شرق آسيا كالصين واليابان وكوريا الجنوبية، ومكن ذلك دول مجلس التعاون من بناء اقتصاداتها، وتنمية شعوبها، وبناء علاقاتها الدولية مستخدمة ملفات الطاقة كأداة تأثير، غير أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة ممثلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما صاحبها من عدم استقرار أمني أدى إلى إغلاق مضيق هرمز منذ الرابع من مارس ٢٠٢٦ الأمر الذي ألقى بظلاله على اقتصادات دول المجلس التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة، كما أثر ذلك على اقتصادات المستهلكين، والعجلة الصناعية، وسلاسل التوريد، والتجارة العالمية بشكل عام.

يمرّ عبر مضيق هرمز بشكل يومي ما نسبته 20% من التجارة العالمية من خلال ما يقارب 16 مليون برميل من النفط الخام يوميًا وهو ما يمثل أكثر من 15% من الطلب العالمي على النفط، والذي يُقدّر بنحو 104 ملايين برميل يوميًا وفقًا لأرقام عام 2025، بالإضافة إلى حوالي 10 مليارات قدم مكعب من الغاز الطبيعي المسال أغلبه من دولة قطر التي تعتبر مسؤولة عن 20% من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، وعليه فإن توقف حركة الملاحة في المضيق بشكل كلي أعاق حركة تصدير الطاقة وأصاب اقتصادات دول مجلس التعاون بشلل سيحتاج إلى قدر من الوقت للتعافي منه.

لقد أدى توقف تصدير الطاقة عبر مضيق هرمز إلى فجوة في الإمدادات تُقدّر بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، ولم تتمكن الدول التي لديها خطوط تصدير بديلة، كالإمارات العربية المتحدة عن طريق خط أنابيب النفط الخام من حبشان في أبوظبي إلى الفجيرة، وكذلك المملكة العربية السعودية من خلال خط أنابيب بطول 1200 كم من بقيق في المنطقة الشرقية إلى ينبع في البحر الأحمر، من سدّ النقص في إمدادات النفط نظرًا لانخفاض القدرة الاستيعابية للطرق البديلة، فضلًا عن التحدي الذي واجهته المملكة العربية السعودية خصوصًا عندما أغلق الحوثيون مضيق باب المندب في يوليو 2026 مما سبب خنقًا صريحًا لصادرات النفط السعودية، حيث تُصدّر المملكة العربية السعودية وحدها ما بين 6 و7 ملايين برميل يوميًا، وقد خفّضت الأزمة في هرمز هذا الإنتاج إلى أقل من النصف.

في المجمل، ظلت قدرة الضخ لكل من المسارين البديلين لخط أنابيب حبشان - الفجيرة الإماراتي، وخط أنابيب النفط السعودي من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع في البحر الأحمر، عند سقف يتراوح بين 3.5-5.5 مليون برميل/يوم فقط.

مثّلت الحرب على إيران وتداعياتها الخطيرة، كإغلاق مضيق هرمز، تهديدا حقيقيا لمجلس التعاون الخليجي في المقام الأول، وكشفت عن ثغرات في الترتيبات الأمنية داخل المجلس، وغيابًا واضحًا لخطط طويلة الأجل تضمن استدامة صادرات الطاقة بعيدًا عن الاعتماد الكلي على المرور عبر مضيق هرمز ويمكن النظر إلى الاعتبارات المستقبلية من خلال ركيزتين أساسيتين: أولًا، غياب التعاون في استراتيجيات تصدير الطاقة؛ إذ أثّر إغلاق مضيق هرمز بشدة على بعض أعضاء المجلس، كقطر والبحرين والكويت، لعدم وجود طرق ملاحية بديلة لتجاوز المضيق. ثانيًا، غياب نهج جماعي للأمن، ولا سيما الأمن البحري، داخل المجلس وقد تجلّى ذلك في غياب موقف موحد تجاه النزاع، وانعدام إطار عمل أمني منسق.

أما فيما يتعلق باستراتيجيات تصدير الطاقة والأمن الاقتصادي، تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى استراتيجية مشتركة تضمن استمرارية صادرات النفط والغاز في أوقات الاضطرابات، وفي وقت يصبح المرور فيه عبر مضيق هرمز غير ممكن. أولًا، يتطلب هذا بناء الثقة؛ إذ ستخترق خطوط الأنابيب العابرة للحدود أراضي الدول المجاورة، وستكون الدول المطلة على البحر هي مركز التصدير النهائي.

إذا كان مركز التصدير النهائي هو الموانئ العمانية على بحر العرب، مع تجنب موانئ بحر عُمان لقربها من إيران، فسيشكل ذلك تحديًا لدول مثل الكويت؛ لأن خط التصدير سيكون طويلًا وسيمر عبر عدة دول من دول مجلس التعاون الخليجي. إضافةً إلى ذلك، فإن وجود مركز تصدير موحد يعني مزيدًا من الهشاشة؛ لأنه سيمثل مركز ثقل للطاقة، ما يجعله عرضة للاستهداف أو التخريب.

ثانيا، قد تنظر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في توسيع طاقة خطوط الأنابيب البديلة لديهما لاستيعاب إنتاجهما اليومي من النفط. مع ذلك، بالنسبة للإمارات، تبقى محطة التصدير في ميناء الفجيرة على بحر عُمان عرضة للخطر لقربه من إيران.

أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن خط نقل النفط البديل في ينبع على البحر الأحمر لا يزال خاضعا لحالة الملاحة البحرية في مضيق باب المندب. ثالثا، من الممكن الاستثمار في تسييل وتخزين الغاز الطبيعي المسال في مناطق لا تتطلب المرور عبر أي من المضايق.

ويمكن ربط ذلك بزيادة سعة التخزين لاستيعاب الإنتاج الجماعي من الغاز الطبيعي المسال وهذا من شأنه ضمان تدفق آمن للغاز الطبيعي المسال بعيدا عن مناطق النزاع عند مروره عبر المضايق. ومع ذلك، يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي التوصل إلى توافق في الآراء بشأن إدارة مراكز التصدير الموحدة، ومرة أخرى، سيظل مركز التصدير الموحد عرضة للهجمات وأعمال التخريب.

ويُعد الوصول إلى توافق حول الترتيبات الأمنية المستقبلية واستراتيجيات تصدير الطاقة أمرا حيويا لدول مجلس التعاون؛ إذ أثبت التباين والعمل بشكل أحادي لمعالجة الملفات الأمنية وملفات الطاقة أنه مكلف استراتيجيا.

عند التطرق إلى مسألة التصدير الآمن للطاقة، يبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي مقيدة باستراتيجيات نقل الطاقة البديلة، حيث تنطوي كل منها على العديد من التحديات والمخاطر. لذلك، ربما تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى مراجعة شاملة لتعاونها الأمني لضمان موقف جماعي تجاه الأزمات الإقليمية ودعم جهود الوساطة للتوصل إلى حلول مرضية لجميع الأعضاء والفاعلين الإقليميين على حد سواء.

تُعدّ حرب فبراير 2026 بمثابة دعوة لصناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز التنسيق في القضايا الأمنية، بما يضمن سلامة صادرات الطاقة وأمن المنطقة ويجب إيلاء اهتمام بالغ للأمن البحري من خلال نهج جماعي يُعتبر غائبا حاليا.

فمن خلال ضمان سياسية أمنية بحرية موحدة، تستطيع دول مجلس التعاون الخليجي تعزيز قدراتها البحرية، وضمان قابلية التشغيل البيني للأنظمة، وتحسين الدوريات الساحلية، وخفض الإنفاق الدفاعي عبر مبدأ تقاسم الأعباء.

ومع ذلك، لن يُؤتي الأمن البحري الجماعي ثماره إلا من خلال خلق قدر من التعايش مع الفاعلين الآخرين ليضفي بعض الهدوء النسبي علي المنطقة ومن خلاله تستطيع دول المجلس التعاطي مع القضايا الأمنية بمشاركة الفاعلين الإقليميين الآخرين كإيران والعراق وربما اليمن دون تدخل أجنبي، ومن خلال الاستثمارات المشتركة، والحوافز، ونقاط التقاء المصالح لبناء الثقة ومواجهة التقلبات الجيوسياسية.