القيم تقبل القسمة على اثنين؟!

10 أغسطس 2026
10 أغسطس 2026

أكثر ما يستوقفنا في محطات حياتنا عندما نرى القيمة نفسها مرة يتم التمسك بها ومرة يتم تجاهلها كأنها لا توجد مطلقا.

تناقض في السلوك لدى البعض يجعله يرى مصلحته حقًا واحتياجًا وضرورة قصوى، ويرى مصلحة الآخرين طمعًا وأنانية. هل هي تربية خاطئة أم أمر آخر؟ عندما يتصرف الفرد العادي بناء على ذلك، قد لا يضر إلا دائرة محددة تحيط به وبعلاقاته الاجتماعية وبنفسه.

لكن عندما يتصرف شخص متنفذ بناء على ذلك؛ فإن الخطورة تنعكس على المجتمع ككل.

كنا مجموعة نناقش إحدى الظواهر الخطيرة التي تتسبب في موت الناس، والتي بحاجة إلى إقرار لائحة أو قرار يوقفها، كانت الأصوات تعلو بالتأييد وأهمية إصدار القرار. عندما صدر القرار تحولت المجموعة المتجانسة إلى مجموعتين متعارضتين، وعلت الأصوات المعارضة للقرار، والذي رأته عدوانيا.

وقتها اعترت المجموعة المؤيدة الدهشة الشديدة، لماذا حصل ما حصل من انقسام، وإذ بالأنباء تتسرب بأن القرار يتعارض مع مصالح المجموعة المعارضة.

كان أحدهم عالي الصوت ويقف بقوة مع كل قرار يخدم المجتمع وأفراده، كان أحد الصقور الذين يعملون لخدمة القيم والمجتمع ليل نهار. لكن لماذا انقلب وأصبح من أشد المعارضين للقرار الذي ينقذ أرواحا ونفوسا.

قيل لي بهمس إن القرار يتعارض مع مصلحته الشخصية اللصيقة. مع الانحياز للمصلحة الذاتية Self-Serving Bias يميل العقل البشري للبعض إلى إعادة تأطير الحقائق؛ فيرى المكاسب الشخصية حقوقًا مستحقة ومصالح الآخرين أنانية؛ وهي آلية دفاعية واعية لحماية الصورة الذاتية.

سألني أحد المتنفذين قائلا: «أنا واقع في حيرة»، سألته لم الحيرة؟ قال: «هل تعرفين الهايبرماركت الفلاني، لقد ارتكب مخالفات تتعلق بالمواد الغذائية ضبطتها البلدية، ومسؤول الهايبر الآن يطالبني بأن أسعى لدى البلدية لإلغاء المخالفات وتبييض صفحة الهايبر. كانت المخالفات تتعلق بعدم صلاحية الأطعمة والمشروبات في مطعم الهايبر».

قلت له: «هي مخالفات تضر بصحة آلاف من البشر الذين يشترون من مطبخ الهايبر». أجاب: «لكن الهايبر يدفع لي مبالغ كبيرة لدعم صندوق الفقراء الذي أديره، وهذه المبالغ تخدم أسرا فقيرة كثيرة.

فهذا مقابل هذا!! يُفسر علم النفس المعرفي كيف يلجأ الفرد إلى إعادة تفسير سلوكه الخاطئ وتغليفه بنوايا نبيلة مثل مقايضة سلامة الغذاء بدعم الفقراء، ليتخلص من عقدة الذنب، ويتفادى التنافر المعرفي بين قيمه المتأصلة وسلوكه النفعي.

لكن تؤكد الفلسفة الأخلاقية أن القيم الثابتة لا تقبل التجزئة أو المقايضة، فالغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة غير الأخلاقية، والخير لا يُبنى على الإضرار بحياة الناس وحمايتهم.

فالمبدأ الأخلاقي الأصيل يقوم على الشمول والاتساق؛ فالعدل والسلامة قيمتان مطلقتان تفقدان معناهما بمجرد إخضاعهما لمعادلة هذا مقابل هذا.

عندما يمارس بعض المتنفذين ازدواجية المعايير، تهتز ثقة الأفراد في المؤسسات، ثم تهتز ثقتهم بالقوانين بحسب نظرية الأواني المستطرقة، مما يؤدي إلى تراجع الانتماء والامتثال الأخلاقي العام.

ويقود الأمر إلى ​تطبيع التجاوزات؛ فإيجاد مسوغات نفعية للمخالفات ينشر عدوى سلوكية مجتمعية؛ فيصبح القريب من مركز التأثير قادرا على شرعنة خطأه باسم المنفعة العامة، وهنا تأتي الخطورة الكبرى. إن القيم لا تقبل القسمة على اثنين مهما دخلنا في التبرير الجميل والطويل.