الكتابة الشعرية الحديثة في عُمان: قراءة في المضمون والشكل (1-2)

10 أغسطس 2026
10 أغسطس 2026

بالاطّلاع على المشهد الشعري في عُمان لا سيما منذ سبعينيات القرن العشرين حتى اليوم نجد أننا أمام مرتكزات مهمة في تطور الكتابة الشعرية الحديثة، لا سيما أنها واكبت انتقالًا مهمًا في خريطة الكتابة الشعرية في الأدب العربي الحديث بدءًا بالتجديد في مضامين الكتابة الشعرية ثم بالتجديد الشكلي الذي رافق جماعات أدبية أسهمت في تطوير آليات كتابة الشعر.

لقد أثّرت الحركات الأدبية والجماعات التجديدية في الدعوة إلى تجديد لغة الشعر وآليات البناء الشعري والانتقال في شكل الكتابة عما كانت عليه الدعوة عند أنصار الكتابة المحافظة الذين لزموا أسلوبًا واحدًا هو الذي سار عليه الأقدمون، فكان الصراع محتدمًا بين الطرفين في آليات الكتابة وطرقها.

في عُمان مثلًا كانت عملية الانتقال واضحة للقارئ، غير أنها أحدثت تباينًا كبيرًا في تقبّلها، ويرجع ذلك إلى أنّ الكثير لا يزال ملتزمًا بالطريقة التقليدية في التعبير الشعري، ومعه تُقدّم القصيدة غرضها بوضوح ومباشرة ملتزمة بالنغم الموسيقي التقليدي والغرض الشعري دون أي مواربة أو تعتيم. وهو ما أحدث صراعًا في تقبل الآخر الشعري أو رفضه ليس لسبب إلا للخروج عن الطريقة المعتادة في الكتابة إلى طريقة مستحدثة لا يرى فيها القارئ أي ارتباط بالكتابة الشعرية المعتادة.

ولعل الكتابة الشعرية العمانية الحديثة شهدت ضمن رحلتها الشعرية انتقالًا بمفهوم الشعر من الكتابة التقليدية إلى اشتغال أوسع هو ذاته ما عليه القصيدة العربية، فكانت عملية الانتقال متأسسة وفق اتجاهين اثنين: اتجاه يقوم على التجديد المضموني داخل القصيدة خاصة القصيدة العمودية التي كانت تسير وفق نمط بسيط دون تكثيف أو تعمّق في المعاني الشعرية، وتقدّم فكرتها للقارئ بوضوح أكبر.

الاتجاه الثاني يقوم على التجديد الشكلي وهو اتجاه برز منذ ستينيات القرن العشرين مع عبدالله الطائي ثم شمل عددًا أوسع من شعراء قصيدتي التفعيلة والنثر، وهو بلا شك متأثر بما عليه شعراء العربية الذين نقلوا القصيدة إلى صورتها الشكلية الجديدة وأعني بهم شعراء قصيدة التفعيلة كالسيّاب ونازك الملائكة ومن جاء بعدهم كشعراء قصيدة النثر كأدونيس وأعضاء مجلة شعر.

يظهر التجديد المضموني في القصيدة العمودية الحديثة واضحًا عند غير شاعر من الشعراء العمانيين الذين وجدوا في اللغة الشعرية الحديثة اشتغالًا جيدًا لنصوصهم الشعرية، فكان للغة المدهشة الحالمة بأفق جمالي مختلف مجالٌ خصبٌ خاضت فيه القصيدة المعاصرة، فوجدنا ميل الشعراء إلى الرومانسية، وتكثيف الرموز، واستعادة الماضي بأشكاله، والعزف على وتر التراث الشعبي الأمر الذي أوجد لغة مغايرة عما كانت عليه القصيدة التقليدية.

يكتب حسن المطروشي في قصيدته (لا ترمِ وردكَ عاليًا) بلغة رومانسية آسرة، لغة مدهشة تجمع عنفوان العاطفة بتخيلات اللغة الشعرية:

تشرينُ يتركُ دمعتينِ، ودوننا

بردُ الرحيل وغامض يتقاطعُ

ظلّانِ في وضح الغياب تقاطعا

وكأنما قمرُ المواسمِ هاجعُ

يا رعشةً أولى، وتلك نبوءتي

سفرٌ كميقاتِ القيامةِ شاسعُ

لو تهجعُ الصحراءُ، أعرف كنهه

هذا الذي بيني وبينكِ ساطعُ

توصيني: «لا ترمِ وردكَ عاليًا

أبقِ النشيدَ هنا، لعلكَ راجعُ»

فحملتُ ما يصلُ الغريب برمله

طفلًا أعاتبه فيصرخُ: «جائعُ».

لم يكن المطروشي إلا واحدًا من شعراء المرحلة الذين اشتعلت فيهم رومانسية الكلمة وعباراتها، بل إنها مرحلة تكرّرت فيها الأسماء الشعرية، فصارت اللغة أكثر التصاقًا بالقصيدة، لعلّني أذكر كذلك الشاعر علي بن شنين الكحالي في قصائده الأخيرة التي كتبها قبل رحيله كقصيدة (المتسلل)؛ إذ نلمح فيها تطور اللغة، والاشتغال الفني الناضج بعيدًا عن قصائده الأولى التي تجمع بين الواقعية واللغة المباشرة في دلالة على أنّ الشعراء الشباب في تلك المرحلة آمنوا بفنيات اللغة الشعرية الجديدة التي ستقرّبهم من القارئ المحمّل بأدوات القراءة الحديثة.

لم تكن اللغة سوى أداة واحدة استعان بها الشاعر في تطوير نصه الشعري، أضف إلى ذلك التكثيف الرمزي واللغوي اللذين واكبا انتقال القصيدة وتحديث أدواتها، حتى صارت القصيدة العمودية في بنائيتها ذات لغة عميقة تصعب على القارئ فك شفرتها، وقراءة دلالاتها. في إطار التحديث الموضوعي لم نسمع صوتًا نقديًا يعيب على القصيدة هذا التكثيف والتعتيم خلاف ما عليه قصيدة التفعيلة والنثر، ما دامت القصيدة قد التزمت بالشروط المرتبطة بالوزن والقافية.

كما لم يلتفت الكثيرون إلى أنّ ذلك لا يُعد عيبًا في القصيدة ذاتها، بل هو تحديث راجع إلى ثقافة الشاعر وذائقته والوصول بالقصيدة العمودية إلى مراحل متقدمة تواكب الفعل القرائي والثقافي للمجتمع المثقف. لعلّني أقف في هذه النقطة على قصيدة للشاعر محمد بن عبدالكريم الشحي بعنوان (تحف الدمع)، وهي قصيدة كتبها الشاعر في بداية الألفية الجديدة، وقد كثّف صورها الشعرية ودلالاتها منطلقًا من رؤيته الفلسفية للكون والحياة والإنسان. يقول:

حريّة بحتوف النسغ والنصب

نغفو ومن موتها المائيّ لم نؤب

ما يممتك محارات الصهيل فهل

ينثال بعثك منداحًا من الحجب

قل للتي اتَّسختْ بالشمس سرتها

رُشّي الرّباب بطفل اللحن واغتربي

قل للمصابة بالوعد افتلي وطنًا

من الغيوم بلون السرمد الرحب

جري التخوم وحلف النخل ثم قفي

على ذراع دمي المحروق وانتسبي

أنا الندوب عليه النعي ممتشقا

إلى التعاويذ محرابا من السحب

أنا رفات الأقانيم التي شربت

نخب الفراغ وغاضت في يد الخطب

تلك اليقينية الأغلى أنا كلف

بها وبالمرمر المشروخ في هدبي

يا نخل يتكئ المعراج في رئتي

وكم تبتَّلتِ اللاءات في تعبي

أراك من تحف الدمع الذي شهقت

له صبابة مشكاة من الرتب

ها أنت موتك هجري الفوات له

قلادة نزفها المنضود قمح نبي

بتعبير آخر، فإنّ هذه القصيدة مشبعة بالحس الفلسفي، والرؤيا العميقة، قدّم فيها الشاعر دلالات تعبيرية عميقة، تتقاطع مع رموز مضمرة تحيل على عمق ساخط وثائر على الواقع، كما أنها انتقال بين مرحلتين عاشتهما القصيدة العمودية بين البوح والإيحاء، وبين التقليدية والرمزية، لا شيء يمكن أن تبوح به هذه القصيدة سوى الوزن والقافية أما ما عدا ذلك فهو نص مفتوح على كل الاحتمالات وخاضع للتأويلات الحديثة.

هكذا يقودنا الشاعر المعاصر إلى عالمه الشعري المتخيّل؛ إذ يحرّر اللغة من سطوتها القديمة ويبعث روحًا تتماشى مع واقع الكتابة الحالي، ونحن في ذلك لا يمكن لوم الشاعر الذي اكتسب ثقافة أخرى إلى جانب ثقافته الأم، واكتسب معرفة وعلومًا مختلفة، وراهن على مقصده التجديدي في الكتابة؛ فهو يرى أنّ القصيدة قد أصبحت مزيجًا من العلوم والمعارف، ذات مرجعية متنوعة، وثقافة شاملة منفتحة على الآخر.

قبل أن أختم، أشير إلى أنّ ملامح التجديد الشعري في عُمان على الأقل قد تسرّبت إلى الأجيال الشابة، فصارت القصيدة لديهم ثورة كتابية، وخيالًا ممتدًا، وصورة مبتكرة، يمكن أن تقرأ قصيدة (أما آن لهذا الفارس أن يترجل) للشاعر أحمد الدرمكي التي كُتبت في عام 2004 وهو في مرحلة المشاركات الشبابية سواء في الملتقيات الأدبية أو مهرجان الشعر أو حتى الجماعات الطلابية؛ إذ تظهر القصيدة في صورة استدعاء تاريخي لشخصية أسماء بنت أبي بكر وابنها عبدالله بن الزبير في حادثة مقتله على يد الحجاج بن يوسف الثقفي. تُفتتح القصيدة وتختم على مشهدين مهمين للشخصية؛ إذ جاءت افتتاحية النص واصفة الأم:

تمرّين كالنساك قاب حكايةٍ

من الجوهر المسفوح ذات ترهل

هيولية الأنحاء تكتمُ صدره

وعيناكِ تعطيه فضاء التأملِ

تخطين وشمًا في الهواء، ووجهةً

تسوق عُروجًا مأتميًا لمقبلِ

وتُحصين من يبقى إلى الفجر واقفًا

لقاءَ دمٍ يرفو جبينَ التوسلِ

وجاءت الخاتمة أيضًا واصفة صورة الابن:

أكان له أن يمنح الحلم ذاته

ويصبغ شطآن الهجير بمعولِ؟

يُمنّي جبالًا في سماواتِ خصبها

تموتُ عجافًا كالندى حين يصطلي

ويحرثُ أرضًا كلما قام غرسها

قيامًا بكائيًا.. يعود فينجلي!!

على الحائط المذبوح بالريح عنوة

جهاتٌ.. تعرّى بالضياع وتنطلي

مساري سديميٌّ فقولي لمن أتى

أما آن في عُرف النجوم تحوّلي؟؟

يعمد الدرمكي إلى تكثيف اللغة والترميز دون البوح المباشر لفكرته، وفي حقيقة الأمر لولا أنّ العنوان كان يُشير إلى الشخصية والحادثة التاريخية، لكانت فكرة القصيدة ودلالاتها مغيّبة تمامًا عن القارئ. وهنا يقدّم لك هذا النص بالتحديد اشتغالًا جيدًا في فكرته، كما يُقدم صورة عن الانتقال الشعري الحديث للكتابة الشعرية. إذن للغة قوتها في التعبير وهذا ما أدركه شعراؤنا وعملوا على توظيفها التوظيف الذي يخدم فكرتهم الشعرية.