نصوص حية

27 سبتمبر 2026
27 سبتمبر 2026

يشكّل المعنى الخلفية المستقرة التي تجعل حياة البشر ممكنة، وتمنح الإنسان قدرة على فهم العالم كخطوة أولى لتمكينه من تغييره، وبالمعنى يعيش الإنسان وهو قائم على قدميه في ثبات واطمئنان.

دام هذا الوضع ألفيات من عمر البشرية؛ إلا أننا على عتبة فصل جديد من التاريخ البشري تعتمد فيه البشرية على خوارزميات الذكاء الاصطناعي في أمور لا تقتصر على معالجة البيانات أو توليد النصوص، بل تتجاوز ذلك إلى مشاركة الإنسان سلطة توليد المعنى، ما يتيح فرصة للتفكير في المعنى والنص - كونه وعاء المعنى - على ضوء هذه التحولات؛ فالبشر لم يعودوا يحتكروا توليد المعنى كما أنهم لم يعودوا المتلقين الوحيدين للنصوص، ذلك أن الخوارزميات أصبحت تعيد إنتاج المعنى، وتأول النصوص، وتوجّه بنصوص كتبت خصيصاً لها، وهكذا ستشارك الإنسان قدرته المميزة في إعادة اكتشاف المعنى وفهم سياق النص.

لم يكن بإمكان الكائن البشري أن يحيا مقتصراً على قدراته البيولوجية التي تمكنه غريزياً من البقاء؛ إذ بعد ما واجه شواش الطبيعة بانبثاق وعيه، أضحت حياته مهددة بالخوف والقلق وعدم احتمال الألم، ولذا لجأ البشر إلى الأنماط، فجعلوها منجاة لوجودهم من خلال تفسير ما يحدث لهم ومن حولهم؛ وهكذا رأوا في النجوم أنواء المطر ومطالع الزراعة، وفي ما لا يدركونه من تجليات الطبيعة تهديداً من كائنات تستهدف حياتهم، أو تحقق أمانيهم، وفي الألم تضحية لها عوائدها؛ وبهذا تطورت المجتمعات البشرية، وازدادت تعقيدا حتى بدت الحاجة لمعنى أكثر شمولية، فكانت السرديات الكبرى التي أسست لحضارات ومنحت البشر القدرة على إنتاج الثقافات، فأطلقوا العنان من خلالها للتطورات الاجتماعية وللإنتاج، وبنوا في ظلها ضروب الاقتصاد.

تحتاج السرديات إلى النصوص لتحافظ على الخلفية المستقرة التي تهب لكل مجتمع معنى. لكن المعنى متغير بينما تتسم النصوص بقدرتها على قهر الزمن. يأتي ذلك من قدرة البشر على التأويل، وهذه القدرة على إعادة فهم مكونات النص والكشف عن جديد معانيه منحته حياة أبدية مكنتها من تجديد اعتماد البشر عليها مهما اختلفت السياقات وتوالت الأجيال.

يتغير فهم الهوية وتنزاح الذاكرة الجمعية، إلا أن النص يظل ثابتاً. وكلما تقادم عن مستجدات عصره، جدده المؤوّلون ليبعثوا فيه روح عصرهم ويأمنوا استقرار المجتمعات بثبات الأمل.

وهكذا استطاع البشر أن يجعلوا من النصوص المؤسسة مرايا تنعكس فيها كل مستجدات العلم، وأعادوا فهم كلماتها لتكون مسوغاً يقود تحولات الأوليات الأخلاقية، كما برروا بها تحولهم التقني تجاه ما اعتبروه بدعة في زمن ما، ليتمكنوا من تبني المفاهيم المبتدعة، والتبشير بالقيم الجديدة وتطبيق الاختراعات غير المعتادة؛ وبذا نجت النصوص في كثير من الأحيان وواجهت التوتر الطبيعي والدائم بين ثبات النص وحركة التاريخ، كل ذلك بفضل التأويل الذي ضمن إعادة فهمها بإعادته اجتراح المعنى دون أن تحده حدود تاريخية أو لغوية.

إن إعادة فهم النص باختلاف الآفاق التاريخية المتباينة حدث بفضل الحوار الذي يسميه الفيلسوف الألماني هانس جادامير «اندماج آفاق» الفهم، وكأن ما يحدث هو حوار بين الأفقين، أفق القارئ وأفق النص؛ وهي فكرة تتضمن منح حياة متجددة للنص المأوّل، وفي ذات الوقت تنتج خلافات لا تحدها حدود.

تتغير الآفاق ويبقى النص. وفي سياق خوارزميات الذكاء الاصطناعي فقد نشهد تحولاً لا يقتصر على تطبيق الأدوات الجديدة ضمن مفهوم التأويل التقليدي، وكما تتسع آفاق الأثر الكبير للخوارزميات في كل نواحي الحياة، يظهر احتمال غير تقليدي، يغدو أكثر إمكانية في التحقق يومًا بعد يوم.

ولنطرحه على هيئة سؤال: ماذا لو انتهى العصر الذي يبقى فيه النص ثابتا بينما يتحرك الزمن من حوله؟ لنشهد نصوصاً لا تنتظر التأويل حتى تعيد حيويتها، بل تمتلك داخلها قدرة ذاتية مستمرة على إعادة الفهم وتجديد المعنى ثم تطوير النص تلقائيا.

لقد اعتدنا عبر التاريخ أن تكون النصوص الكبرى أشبه بالنجوم البعيدة؛ ثابتة في مكانها، بينما تدور حولها أجيال لا تنتهي من الشروح والتفسيرات والآراء المتباينة. ومثل حاجة نص القانون التأسيسي إلى محاكم تعيد تفسيره مع كل تحوّل اجتماعي، احتاجت النصوص الدينية إلى مدارس واجتهادات تربطها بآفاق عصور تجاوزت سياق نشوئها. وحتى الأفكار الفلسفية الكبرى لم تعش إلا لأن نصوصها مرت بمخاضات تُعيد قراءتها على نحو دائم.

لكننا نواجه أمراً جديداً؛ إذ تضعنا الخوارزميات للمرة الأولى أمام احتمال مختلف تماماً، أمام نص لا يكتفي بأن يُقرأ، بل تقرأ الخوارزميات القائمة على النص المستجدات وعلى ضوئها تجدد النص، وكأنه نص يراقب التحولات التقنية والاجتماعية ثم يبدع ويحول ذاته تجاه الفهم المستجد، للسلامة والخصوصية مثلاً، نص يختصر عقوداً من الجدل البشري، فيحلل الواقع، ويقارن المبادئ بالسياقات، ثم يتحول إلى نص جديد دون حاجة لتفسير أو تأويل.. نص أكل من عشبة الخلود الجلجامشية آذناً بنهاية الفكرة التقليدية عن التأويل، فاتحاً المجال لنصوص متجددة، مصدرها ذكاء صنعه البشر ووقفوا حائرين أمامه.

صالح الفلاحي كاتب عماني