الأكاذيب الانتخابية وخبراء الإحصاء في عهد ترامب
27 سبتمبر 2026
27 سبتمبر 2026
عندما أقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس مكتب إحصاءات العمل الأمريكي ــ مدّعيا زورا أن البيانات الاقتصادية التي تصدرها هذه الهيئة «جرى التلاعب بها» بهدف جَـعْـله «يبدو في صورة سيئة» ــ كان بوسعنا على الأقل أن نجد العزاء في حقيقة مفادها أن العمل الشديد الأهمية الذي تقوم به هذه الهيئة ظل نقيا خالصا دون تزوير.
من المؤسف أن هجمات ترمب على نزاهة الإحصاءات الرسمية استمرت دون انقطاع.
في الشهر الماضي، نشر مكتب الإحصاء الأمريكي تقريرا رسميا يزعم فيه أنه «تبين له بسهولة وبدرجة عالية من الثقة» أن من بين 160 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية عام 2020، كان أكثر من 128 مليونا منهم مواطنين، وأكثر من 24 ألفا غير مواطنين. «لا تزال سجلات أكثر من 32 مليون ناخب تنتظر التحليل».
هذا التقرير يفتقر بوضوح إلى معايير الجودة، والنزاهة، والمساءلة التي يعمل بموجبها مكتب الإحصاء ذاته.
على سبيل المثال، لا يذكر التقرير أسماء مؤلفيه ولا يوفر معلومات الاتصال ذات الصلة للأفراد من عامة الناس المهتمين بطرح أسئلة حوله.
بفحص هذه الحالات الغريبة من الإغفال، أفادت شبكة NPR أن «التحليل لم يُجرَ على يد موظفين مدنيين دائمين في مكتب الإحصاء»، بل بواسطة أفراد تابعين لمعهد أميركا أولا للسياسات (America First Policy Institute) الذي يدين بالولاء لترمب.
ثم هناك حقيقة مفادها أن موضوع التقرير سياسي بشكل صريح؛ فالتصويت غير القانوني هو موضوع كان المكتب في السابق ليبذل قصارى جهده لتجنبه، خشية أن يُتهم بالانخراط في سياسة حزبية.
ولكن لم تَـعُـد هذه هي الحال؛ فيوم صدور التقرير، نشر ترمب نفسه تعليقا عنه على وسائط التواصل الاجتماعي، مؤكدا على الرقم 24 ألفا من الأصوات غير القانونية ومدّعيا أن «مكتب الإحصاء سيقوم بتحليل أصوات الاثنين والثلاثين مليون ناخب التاليين، وسوف يسجل عدد الأصوات غير القانونية ارتفاعا هائلا. لقد فزتُ بالانتخابات بكل تأكيد!»
في محاولة لتحديد ما إذا كان كل من أدلوا بأصواتهم في انتخابات عام 2020 مواطنين، يربط تحليل التقرير بين مجموعة متنوعة من قواعد البيانات. إحداها قاعدة بيانات القطاع الخاص لسجلات الناخبين ومعدلات المشاركة، والتي استُخدمت هنا لتحديد هوية من صوتوا في الانتخابات. ثم ربط مؤلفو التقرير قاعدة البيانات هذه بقاعدة بيانات حكومية داخلية بهدف تحديد جنسية الأفراد الواردة أسماؤهم في بيانات القطاع الخاص حول سجلات الناخبين.
يُعد هذا النوع من التحليل صعبا لعدة أسباب؛ ذلك أن قواعد البيانات الضخمة التابعة للقطاع الخاص، من ذلك النوع الذي استخدمه مؤلفو التقرير، يحتوي غالبا على قيم مفقودة لمتغيرات أساسية (بما في ذلك عنوان المنزل، وتاريخ الميلاد، والاسم) والتي يمكن استخدامها للتأكد من أن الفرد نفسه هو الذي يجري رصده عبر مصادر بيانات متعددة. تقدم الدراسة التي تعتمد على هذا النوع من ربط البيانات عادة معلومات شاملة، وتفصيلية، وقابلة للتقييم حول التحديات التي واجهها الباحثون وكيف تغلبوا عليها.
هكذا يُقنع المرء الإحصائيين والاقتصاديين وعلماء السكان المحترفين بأن استنتاجاته جديرة بالثقة. (وبالفعل، يشترط المكتب الوفاء بمتطلبات إبلاغ في هذا الصدد، والتي يبدو أن مؤلفي هذا التقرير الموجز انتهكوها).
في هذه الحالة، كان من الواجب الانتباه بشكل خاص لأي قيود ومعلومات ناقصة في بيانات القطاع الخاص حول الناخبين، وللأساليب التي اتبعها الباحثون لربط مصادر البيانات المختلفة معا (خاصة وأنه من الواضح أن بيانات القطاع الخاص لا تتضمن أرقام الضمان الاجتماعي للناخبين). بناء على هذا المعيار، لا يرقى التقرير إلى المستوى المطلوب، خاصة وأنه يتألف من سبع صفحات فقط.
كما أنه لا يتناول حالات الإيجابيات الزائفة، عندما يخطئ الباحثون في تحديد حالة يدلي فيها شخص من غير المواطنين بصوته.
يزعم جون أبود، كبير العلماء السابق في مكتب الإحصاء أن معدل التطابق الخاطئ في البيانات التجارية من النوع المستخدم في هذا التحليل لا يقل عن سبعة أضعاف نسبة الناخبين الذين يزعم مؤلفو الدراسة أنهم غير مواطنين. ويخلص إلى أن «المصوتين المزعومين من غير المواطنين» هم في الأرجح مجرد أخطاء في البيانات، وليسوا مصوتين من غير المواطنين.
لدينا أيضا الطابع غير الاحترافي الذي يتسم به التقرير. الواقع أن ادّعاء تحديد 24 ألفا من غير المواطنين صوتوا بشكل غير قانوني في الانتخابات «بسهولة وبدرجة عالية من الثقة» يتعارض صراحة مع تغافل المؤلفين الواضح عن القضايا الإحصائية الأساسية التي تقاعسوا عن تناولها.
أو لننظر إلى الصياغة اللغوية المستخدمة في الخاتمة: «إن مكتبة السجلات الإدارية التابعة لمكتب الإحصاء تمنحه قدرة فريدة على تجميع ونشر إحصاءات حول الجرائم الانتخابية وغيرها من أشكال التزوير».
كلا، هذا غير صحيح؛ فالتزوير حكم قانوني يصعب على بيانات المكتب دعمه أو دحضه بمفردها.
علاوة على ذلك، كان نشر التقرير مع ترك 32 مليون سجل ناخب غير مصنف دليلا في حد ذاته على عمل لا يرقى إلى المعيار الذهبي الذي تجسده تحليلات مكتب الإحصاء السابقة.
(كما أنه ليس من الواضح في اعتقادي أن الرقم 32 مليون هو الرقم الصحيح؛ فمن الجدول «أ» في التقرير، يبدو أن المؤلفين لم يحللوا بعد 18.7 مليون سجل، وليس 32 مليونا)، وكما يشير أبود: فإن «السماح بنشر مثل هذا الهراء الإحصائي على موقع census.gov دون المراجعات الداخلية المعتادة من قبل الأقران ودون التفاصيل العلمية المطلوبة لتقييم جودة النتائج هو، في أحسن الأحوال، تصرف غير مسؤول، لكنه في الأرجح تلاعب حزبي خالص بسمعة مكتب الإحصاء فيما يتعلق بجدارة منتجاته الإحصائية بالثقة».
هذه السمعة مهمة؛ إن الثقة في البيانات الحكومية الرسمية تُـعَـد واحدة من ركائز الازدهار الأمريكي. تعتمد ملايين الشركات على البيانات الحكومية في اتخاذ قرارات لا حصر لها (مثل ما إذا كانت لتعمل في أجزاء معينة من البلاد، وما هي المنتجات التي ستطرحها)، وكذا الحال مع الأسواق المالية. علاوة على ذلك، فإن البيانات الرسمية هي التي تساعد في تحديد تدفق مليارات الدولارات من الأموال الفيدرالية عبر الولايات.
في ورقة بحثية حديثة اشتركت في تأليفها مع نيكولاس بلوم، وإيريكا ل. جروشين، ودنكان هوبس، تشير تقديراتنا إلى أن الانخفاض الهامشي في الثقة بالإحصاءات الحكومية الناجم عن القرار الذي اتخذه ترمب بإقالة رئيس مكتب إحصاءات العمل تسبب في تفاقم حالة انعدام اليقين في السياسات، وبالتالي خفض الناتج الاقتصادي بنحو 20 مليار دولار، أو بمقدار 25 دولارا مقابل كل دولار يُنفق على ميزانية المكتب.
من المؤسف أن مزيدا من الألاعيب في انتظارنا؛ فقد وصف موجز التعداد نفسه بأنه «تحليل أولي»، وقد ألمح ترمب بالفعل إلى تقرير لاحق.
قبل أن يحدث ذلك، ينبغي لمؤلفي التقرير الأول أن يخرجوا إلى النور ويخضعوا تحليلهم لاستجواب من قبل إحصائيين، واقتصاديين، وعلماء سكان محترفين.
هذا النوع من التدقيق هو ما ساعد الوكالات الإحصائية الأمريكية على بناء السمعة المتميزة التي يهدرها ترمب الآن باستهتار متعمد ــ السمعة التي تشكل أساس الازدهار الأمريكي.
مايكل ر. سترين مدير دراسات السياسة الاقتصادية في «معهد أميركان إنتربرايز»، ومؤلف كتاب «الحلم الأمريكي لم يمت (لكن الشعبوية قد تقتله).
خدمة بروجيكت سنديكيت
