No Image
ترجمة

تريليون دولار وأزمة في قلب البنتاجون: كيف يعيد الكونجرس بناء منظومة الدفاع الأمريكية؟

06 أغسطس 2026
06 أغسطس 2026

رو خانا - ترجمة - نهى مصطفى

تواجه وزارة الدفاع الأمريكية أزمة متفاقمة؛ فخلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، انصب اهتمام وسائل الإعلام على الاستعراضات العسكرية وإقالات كبار المسؤولين، لكن خلف هذه المشاهد، يتفاقم منذ ثمانينيات القرن الماضي خلل أكثر عمقًا وأشد خطورة، يتمثل في تعثر نظام المشتريات الدفاعية، الذي لا تزال مشروعاته تعاني بطئًا شديدًا وتجاوزات كبيرة في التكاليف.

تواجه الولايات المتحدة اليوم أنواعًا مختلفة من التهديدات والخصوم مقارنة بالماضي. ولمواكبة هذا الواقع، ينبغي أن تتمتع وزارة الدفاع بالمرونة إلى جانب القوة، وإلا فإنها قد تفقد قدرتها على الاستجابة للأزمات العالمية وردع صراعات القوى الكبرى.

رغم إنفاق أكثر من تريليون دولار على الدفاع، لم ينجح الجيش الأمريكي بعد في تحديث قدراته أو مواءمة مشترياته مع طبيعة التهديدات الحديثة، فلا يزال متأخرًا عن الصين، على سبيل المثال، في نشر الأسلحة فرط الصوتية وصواريخ الاعتراض، والإنتاج واسع النطاق للتقنيات ذاتية التشغيل، مثل الروبوتات العسكرية وأسراب الطائرات المسيرة. في السنة المالية 2026، خصص الجيش الأمريكي 24.4 مليار دولار لمشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، و3.3 مليار دولار لبرنامج «سنتينل»، رغم أن أيًا منهما لن يعزز قدرة الولايات المتحدة على الردع أو حسم أي صراع تقليدي حديث.

لا ترغب وزارة الدفاع ولا الكونجرس، المسؤول عن اعتماد ميزانيتها، في استمرار هذا الإنفاق غير الكفؤ. وفي توافق نادر بين الحزبين، يقر الطرفان بأن الولايات المتحدة تنفق كثيرًا مقابل عائد محدود. حتى إدارة ترامب، عبر ما سمي «وزارة كفاءة الحكومة»، أقرت بضرورة إصلاح الإنفاق الدفاعي، لكنها ركزت على الهجمات الحزبية ضد برامج المناخ والتنوع والإنصاف والشمول، ولم تحقق سوى خفض بلغ 0.59% من ميزانية البنتاجون.

يبقى الكونجرس، بما يملكه من صلاحيات تشريعية ومالية، الطرف الوحيد القادر على إصلاح منظومة الإنفاق الدفاعي. لكن البنتاجون يتحمل بدوره مسؤولية كبيرة، ولا سيما في طريقة تعاونه مع الكونجرس. لضمان قدرة الجيش الأمريكي على مواجهة تهديدات المستقبل بكفاءة، وتوفير موارد يمكن توجيهها إلى خلق فرص العمل في الداخل، لا بد من إعادة صياغة العلاقة بين المؤسستين وآليات عملهما.

في عام 1993، استضاف وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ليس أسبين ونائبه ويليام بيري رؤساء كبرى شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية في عشاء عرف لاحقًا باسم «العشاء الأخير». وخلال اللقاء، أوضحا أن الحكومة لن تعارض اندماج شركات الدفاع بموجب قوانين مكافحة الاحتكار. كان الهدف الحفاظ على القدرات الأساسية للصناعة في ظل تراجع الإنفاق العسكري، لكن النتيجة جاءت معاكسة؛ إذ تقلص عدد الشركات من 51 إلى خمس شركات كبرى فقط في عام 1997: لوكهيد مارتن، و RTX (رايثيون سابقًا)، وبوينج، وجنرال دايناميكس، ونورثروب جرومان. أدى هذا التركز إلى إبطاء الابتكار، وإضعاف المنافسة، وتقليص فرص دخول شركات جديدة إلى السوق.

اليوم، يعاني كل برنامج تسليح رئيسي تقريبًا، من المقاتلة إف-35 إلى حاملة الطائرات من فئة فورد، تجاوزًا في التكاليف أو تأخرًا في التنفيذ. ورغم أن الولايات المتحدة تنفق نحو ثلاثة أضعاف ما تنفقه الصين على الدفاع، فإنها تتخلف عنها في مجالات حيوية. في عام 2030، من المتوقع أن يضم الأسطول الصيني 435 سفينة، مقابل 297 فقط للبحرية الأمريكية. كما تمضي الصين بوتيرة أسرع في إنتاج الأنظمة غير المأهولة، وتتوقع تصنيع مليون طائرة هجومية مسيرة أحادية الاتجاه هذا العام، بينما يأمل البنتاجون في إنتاج نحو 300 ألف طائرة فقط خلال السنوات المقبلة.

لم تكن صناعة الدفاع الأمريكية تعاني هذا الجمود دائمًا. ففي عام 1989، كانت معظم شركات المقاولات الدفاعية تمتلك أيضًا أنشطة تجارية واسعة، ما أتاح لها الاحتفاظ بعمالة ماهرة، والاستفادة من الابتكارات المدنية، والحفاظ على طاقات إنتاجية مرنة. أما اليوم، فتشكل الشركات التي تعتمد بصورة شبه كاملة على العقود العسكرية أكثر من 60% من قيمة البرامج الرئيسية للبنتاجون، وهو ما أبطأ تبني التقنيات الحديثة، وحد من القدرة على زيادة الإنتاج، ورفع الأسعار، وأخر التسليم، وأسهم في تراجع العمالة في القطاع من ثلاثة ملايين موظف عام 1985 إلى 1.1 مليون عام 2021.

يمنح الدستور الأمريكي الكونجرس سلطة إقرار ميزانية الدفاع والإشراف على دعم القوات المسلحة. حاول الكونجرس تعزيز المنافسة عبر إصلاحات في نظام التعاقد وتشديد الرقابة على شركات الصناعات الدفاعية، لكن هذه الجهود لم تغير جذريًا بنية قطاع المشتريات العسكرية. لمعالجة جذور الأزمة، ينبغي للكونجرس تشديد الرقابة، بما في ذلك دراسة إجراءات لمكافحة الاحتكار، وإلزام البنتاجون بتقييم الطاقة الإنتاجية للمنشآت الدفاعية الحكومية وتوسيعها عند الحاجة، بما يسهم أيضًا في خلق وظائف صناعية جديدة. كما ينبغي إقرار تشريعات تمنع شركات المقاولات الدفاعية المتعثرة من إعادة شراء أسهمها، وتضع سقفًا لمكافآت مديريها التنفيذيين.

يستطيع الكونجرس أيضًا توسيع قاعدة الشركات المشاركة في المشتريات الدفاعية. فقد نجح في دعم وحدة الابتكار الدفاعي، التي أنشأها البنتاجون ثم منحها صفة قانونية عام 2023 وزاد تمويلها، مما عزز قدرة وزارة الدفاع على استيعاب التقنيات الحديثة. وبين عامي 2016 و2023، منحت الوحدة 450 شركة عقودًا لتطوير نماذج أولية، وانتقل أكثر من نصفها إلى مرحلة الإنتاج، بما في ذلك مشروعات ناجحة مثل طائرات شركة Shield AI المسيرة.

مع ذلك، حتى عندما تنجح وحدة الابتكار الدفاعي في تطوير نموذج أولي، غالبًا ما تتردد القوات المسلحة في تبني منصات جديدة تطورت خارج البيروقراطية التقليدية لوزارة الدفاع، مفضلةً مواصلة تمويل الأنظمة القديمة. في المقابل، تمتلك الشركات الخمس الكبرى إدارات متخصصة للتعامل مع متطلبات وزارة الدفاع المعقدة، بينما تجد الشركات الأصغر، القادرة أحيانًا على تقديم حلول أفضل وأسرع وأقل تكلفة، صعوبة في دخول المنافسة. ويستطيع الكونجرس، عبر قانون التفويض الدفاعي السنوي، إلزام وزارة الدفاع بتبسيط هذه المتطلبات ووضع سقوف إنفاق لبعض البرامج القديمة لإفساح المجال أمام التقنيات الجديدة.

يمكن للكونجرس ترشيد ميزانية الدفاع عبر مسارين: الأول، الموافقة على سحب الاستثمارات من البرامج والأنظمة القديمة، والثاني، تسريع تمويل المبادرات الاستراتيجية. كما قال الجنرال الأمريكي هاب أرنولد عام 1945: «أسلحة اليوم هي قطع أثرية غدًا». فالأنظمة التي فقدت قيمتها العسكرية لا تستنزف الميزانيات فحسب، بل تشغل أيضًا أفرادًا وموارد يمكن توجيهها إلى أولويات أكثر إلحاحًا.

لكن وزارة الدفاع واجهت صعوبة في التخلص من هذه المنصات. فقد أقرت القوات الجوية عام 2014 بأن طائرة A-10، التي يعود تصميمها إلى سبعينيات القرن الماضي، لم تعد ملائمة لساحة المعركة الحديثة، ودعت إلى إخراجها من الخدمة. إلا أن الكونجرس، مدفوعًا بحماية الوظائف المحلية، عرقل ذلك لأكثر من عقد، ما كلف البنتاجون مليارات الدولارات وأبقى آلاف الطيارين وفنيي الصيانة مرتبطين بمنصة قديمة. لا يزال يسعى إلى الإبقاء عليها في الخدمة حتى عام 2030. وتكرر الأمر مع سفن القتال الساحلية، التي تعرضت لانتقادات بسبب ارتفاع تكاليف إنتاجها وصيانتها. رغم سعي البحرية إلى استبعادها من ميزانية عام 2021، أصر الكونجرس على استمرار البرنامج لدعم صناعة بناء السفن والوظائف المحلية. بينما يجري إخراج عدد من هذه السفن من الخدمة، تشير التقديرات إلى أن تكلفتها الإجمالية قد تتجاوز 100 مليار دولار.

لذلك، ينبغي للكونجرس العمل مع قادة القوات المسلحة لإجراء مراجعة شاملة للأنظمة القديمة، وإلغاء البرامج التي لم تعد مبررة عسكريًا أو ماليًا. ينطبق ذلك أيضًا على برنامج «سنتينل» للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، الذي ارتفعت تكلفته المتوقعة إلى ما لا يقل عن 140.9 مليار دولار، بزيادة 81% عن التقديرات الأولية، مع تأخر دخوله الخدمة حتى أوائل ثلاثينيات هذا القرن. تعتزم واشنطن إنفاق أكثر من ضعف التكلفة المعدلة للتضخم لمشروع مانهاتن على برنامج «سنتينل» وغيره من برامج التحديث النووي، وهو مستوى من الإنفاق يصعب تبريره في ظل الاحتياجات الداخلية والتهديدات الخارجية المتزايدة.

كثيرًا ما ينتقد مسؤولون تنفيذيون في وادي السيليكون عجز وزارة الدفاع عن شراء التقنيات التي تؤكد حاجتها إليها، ويرون أن على الكونجرس الابتعاد عن عملية إعداد ميزانية البنتاجون. ورغم أن هذا الطرح يتعارض مع الدستور، فإن الحاجة إلى تسريع المشتريات الدفاعية حقيقية، ويمكن للكونجرس دعم الابتكار بطرق عدة.

أولى هذه الطرق توسيع استخدام عقود التوريد متعددة السنوات، التي تضمن للشركات طلبات مستقبلية مستقرة، وتشجعها على الاستثمار في العمالة وخطوط الإنتاج وسلاسل التوريد، بما يخفض التكاليف بنحو 5 إلى 10%. بعد الحرب الروسية الأوكرانية، استخدمت الولايات المتحدة هذا النوع من العقود لتجديد مخزوناتها من الذخائر، فأقرت عقودًا لـ17 نوعًا من الذخائر، مما رفع إنتاج صواريخ مثل «جو-سطح بعيد المدى» والصاروخ المضاد للسفن بعيد المدى من أكثر قليلًا من 500 صاروخ سنويًا عام 2023 إلى نحو 1100 صاروخ عام 2026.

يستطيع الكونجرس أيضًا مساعدة وزارة الدفاع على توجيه الإنفاق نحو الأولويات الاستراتيجية. فغالبًا ما تفضل الأفرع العسكرية الإنفاق الذي يخدم احتياجاتها المؤسسية، بينما تكون القيادات المقاتلة أكثر دراية بمتطلبات مسارح العمليات. فعلى سبيل المثال، سعت البحرية عام 2022 إلى إخراج أربع سفن برمائية من الخدمة، رغم تأكيد القيادات العسكرية المسؤولة عن أفريقيا وأوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ أن هذه السفن ضرورية لعمليات الردع. سعى الكونجرس إلى معالجة هذا الخلل عبر مبادرة الردع في المحيطين الهندي والهادئ عام 2021، لكنها افتقرت إلى تمويل مستقل، فتحولت عمليًا إلى مجرد إعادة تصنيف للإنفاق القائم. والأجدى إنشاء صندوق مستقل للردع في المنطقة، على غرار مبادرة الردع الأوروبية، بتمويل مخصص يحدد أولوياته الكونجرس وقيادة المحيطين الهندي والهادئ.

رغم هذه التحديات، يظل قانون تفويض الدفاع الوطني وقوانين مخصصات الدفاع من بين التشريعات القليلة التي تحظى بتوافق الحزبين في الكونجرس. إذا تحرك الكونجرس بجرأة، فبوسعه إجراء إصلاحات جوهرية لدعم البنتاجون. لكن عندما يتعذر إقرار قوانين المخصصات، كما حدث العام الماضي، يلجأ المشرعون إلى قرارات التمويل المؤقت، التي تمدد عادة ميزانية العام السابق. أصبح هذا النهج شائعًا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، رغم ما يسببه من تأخير للبرامج الجديدة، وارتفاع في التكاليف، وتراجع في التدريب والجاهزية، فضلًا عن تعطيل الاستثمارات الضرورية.

تعاني العلاقة بين الكونجرس ووزارة الدفاع أيضًا ضعفًا في التواصل والثقة؛ فخلال الولاية الثانية للرئيس ترامب، لم يحصل أعضاء اللجان المعنية بالدفاع والاستخبارات والسياسة الخارجية على معلومات منتظمة حول احتياجات الجيش وقدراته. وأدى هذا القصور إلى إضعاف فهم أولويات القوات المسلحة، وإلى قرارات إنفاق وتخفيضات لم تخدم جاهزيتها على النحو المطلوب. يحتاج الكونجرس إلى حوار مباشر ومنتظم مع كبار قادة البنتاجون لفهم التحديات العملياتية والقدرات اللازمة لمواجهتها.

تزداد البيئة الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة تعقيدًا يومًا بعد يوم، مما يمنح الكونجرس ووزارة الدفاع مصلحة مشتركة في إصلاح آليات تمويل الجيش وتجهيزه. ومن خلال تشجيع الابتكار، وقبول قدر محسوب من المخاطرة، وتبني إصلاحات جريئة، يستطيع الطرفان بناء قوات أكثر جاهزية لمواجهة تحديات المستقبل.