بريد القراء

"التواضع وجبر الخواطر" مصدران للقوة

06 أغسطس 2026
06 أغسطس 2026

إننا أمام أمران مهمان في الحياة أولهما خلق "التواضع"، وثانيهما "جبر الخواطر" في مساعدة الناس والوقوف إلى جانبهم، وفي حال تحقق الأول يكون سهلا على الإنسان الدخول إلى الثاني، فالله تعالى أورد الكثير من الآيات في كتابه المبين تحثنا على التواضع من بينها قوله في سورة الفرقان:"وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا".

سأل حكيم عن أي من البشر أقرب إليه في رحلة الحياة الطويلة، وعن تجاربه السابقة في انتقاء الناس فقال:" نظرت كثيرا في أمر الدنيا ومصاحبة الناس، فلم أجد أفضل من المتواضع الذي تغشاه السكينة ويكسوه الوقار، هو ذلك الشخص الذي يدخل القلب بلا استئذان، فمعشره طيب، ومسكنه دائما في القلب لا يزول مع السنين".

فالمعنى الحقيقي لخلق التواضع هو الذي يعرفنا بحدود ذواتنا ويكشف لنا قدرات الآخرين ومدى احتياجاتهم، والتواضع مهما قيل في تعريفه يبقى هو ذلك الخلق نبيل الذي يقود إلى الاحترام المتبادل، وتوثيق صحيح للعلاقات الإنسانية بين الناس.

وإذا كان التواضع سمة الكبار والعظماء من القوم، فإن جبر الخواطر، هو أيضا نهج إنساني وديني يتوازى في كفة الميزان مع التواضع، فكلا من الفعلين يمثلان صفتين جميلتين ترتبطان ببعضهما بوثاق القوة؛ فالتواضع والتكبر هما صفتان متناقضتان في السلوك البشري، إذ لا يمكن " مطلقا للإنسان المتكبر أن يشعر بآلام غيره أو يهتم بكسر قلوبهم بجفاء القول أو الفعل لذا كان المتواضع أقرب إلى الناس وأفضلهم منفعة ورحمة بالآخرين.

جبر الخواطر، أصبح في ظل اختلال واضح في توازن أمور الدنيا ضروري جدا الانتباه إليه، فكثير من الناس لا يحتاجون فقط إلى المال والعطاء بقدر ما يحتاجون أحيانا إلى المساندة النفسية والدعم المعنوي الذي يقويهم على تحمل مشاق وأوجاع الحياة.

على الضفة الأخرى، عندما تسأل شخصا ما عن "الشخص المتواضع"، يجيبك بكل ثقة بأنه ذلك الإنسان الذي يحمل قلبا نابضا بالخير للبشرية، لينا في عطاءه، قادرا على النزول إلى مستوى الناس ونيل محبتهم، فكل ما بين يديه ليس له وحده وإنما لغيره أيضا من الناس، عطاء بلا حدود.

أما الغرور البشري فقد يكون سببا واضحا في عدم تقبل فكرة التواضع للناس، ولهذا يكون منهجا "ذميما" يسير عليه بعض الناس، ويتعامل مع الغير بمنطق أنا ومن بعدي الطوفان، حالة من الغرور النفسي والاعتقاد بأنه أفضل من كل البشر!.

لقد نبه الدين الإسلامي الحنيف إلى ثلاثة أمور تجعل الإنسان بعيدا عن طاعة ربه، ضالا في طريقه متهاديا في مسيره، أولها:"الكبر" الذي يمنح الإنسان الشعور بأنه أفضل من غيره من الناس، وهذا السلوك يتولد من خلال الاعتقاد بأن الخير الذي لديه هو الذي يمنحه فعل كل شيء دون إدراك بأن الله وضعه في اختبار صعب عليه أن يجتازه بحكمة.

أما الأمر الثاني: "الغرور" وهو ذلك الاعتقاد الخاطئ الذي يصور للإنسان بأن كل نجاحاته الماضية جاءت بجهد وحده دون فضل من أحد.

وثالث الأمور:"حب المديح " فكم يطيب الإنسان بسماع عبارات الثناء والحصول على التقدير المبالغ فيه من الناس. مما يجعله ينظر إلى من حوله بشيء أنهم أقل منه مستوى.

للمتواضع منزلة عظيمة عند الله، فالتواضع من صفات الأنبياء والرسل عليهم السلام، والتواضع هو المقياس الحقيقي في شخصية الإنسان والمعيار المحدد للتصرف والسلوك البشري وعنوان بارز للحكمة والعقل.

التواضع يقضي على الغرور؛ فالمتعجرفون يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، هذه عقلية مريحة، لكنها محدودة وخطيرة.

من أغرب الحقائق التي سمعتها تخرج من فم شخص متكبر يتحدث عن مناقب التواضع، كنت أتمنى أن أقول له صراحة كما قال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلتَ عظيم

من هنا نرى أن التواضع طريق للوصول إلى الناس وجبر خواطرهم والوقوف إلى جانبهم، أما كل الأمراض النفسية والتصرفات الخاطئة فمآلها إلى الزوال عند نقطة النهاية، فلا يبقى الأثر الطيب إلى أن يترجل الإنسان من على ظهر الدنيا، فكم من شخص فرح الناس بموته، وكم تأسى الآخرون بفقدان الأخيار من البشر.