عزوة وادي الميح.. فعالية مجتمعية لصون التراث وتعزيز الهُوية الوطنية
04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026
«عمان»: في قلب قرية وادي الميح بولاية العامرات تتجدد ملامح التراث العُماني الأصيل من خلال «عزوة وادي الميح»، الفعالية الاجتماعية والثقافية التي تحولت على مدى السنوات إلى محطة سنوية ينتظرها الأهالي والزوار على حد سواء. ومع انطلاق فعالياتها، تنبض الساحات بالحركة والحيوية، وتتردد أصداء الفنون الشعبية، فيما تجتمع الأسر والأطفال في مشهد يجسد قوة الروابط الاجتماعية وعمق الانتماء للموروث الثقافي.
ولم تعد «العزوة» مجرد مناسبة للاحتفاء بالموروث الشعبي، بل أصبحت منصة مجتمعية تسهم في صون الذاكرة الوطنية وتعزيز حضورها لدى الأجيال الجديدة، عبر مزيج متوازن يجمع بين الأصالة والتجديد ويعكس ثراء الهُوية العُمانية وتنوعها الثقافي.
وخلال المناسبات الاجتماعية المختلفة خاصة خلال عيدي الفطر والأضحى تتحول قرية وادي الميح إلى ملتقى مجتمعي يستقطب المئات من المواطنين والمقيمين والزوار، الذين يجدون في «العزوة» فرصة للتعرف على جانب من التراث العُماني الأصيل والاستمتاع ببرامج وفعاليات متنوعة تجمع بين الفنون التقليدية والأنشطة الترفيهية والمبادرات المجتمعية.
وقال زاهر بن ناصر المعشري: إن «عزوة وادي الميح» تسعى إلى إحياء التراث الشعبي الذي عُرفت به المنطقة والمحافظة عليه باعتباره جزءًا أصيلًا من الهُوية الوطنية العُمانية، مشيرًا إلى أن الفنون التقليدية تشكل محورًا رئيسيًا في فعالياتها، وفي مقدمتها فنّا الرزحة والعازي اللذان يعدان من أبرز عناصر التراث الثقافي غير المادي في سلطنة عُمان.
وأضاف: أن كلمات العازي تتردد في أرجاء موقع الفعالية، فيما تنتظم صفوف الرزحة في مشهد يجسد التلاحم المجتمعي والاعتزاز بالموروث الثقافي، وسط تفاعل واسع من الحضور الذين يحرصون على متابعة هذه الفنون والاستمتاع بما تحمله من مضامين وطنية واجتماعية وثقافية.
وأشار المعشري إلى أن «عزوة وادي الميح» لا تقتصر على استحضار الماضي، بل تسهم في صناعة المستقبل من خلال ما تتضمنه من برامج ومبادرات تستهدف مختلف الفئات العمرية. ومن أبرز تلك المبادرات السوق الشعبي الذي يشهد حراكًا لافتًا، حيث يتولى الأطفال والناشئة إدارة أركانهم التجارية بأنفسهم، مقدمين منتجات متنوعة تشمل المأكولات الشعبية والمشغولات اليدوية والسلع الاستهلاكية البسيطة.
وأوضح أن السوق الشعبي يهدف إلى غرس ثقافة العمل الحر لدى الناشئة، وتشجيعهم على خوض تجارب عملية في مجالات البيع والتسويق وإدارة المشروعات الصغيرة، بما يعزز لديهم روح المبادرة والاعتماد على الذات، ويسهم في إعداد جيل قادر على الابتكار وتحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في التنمية المجتمعية.
وأوضح زاهر المعشري أن الأنشطة المخصصة للأطفال تحظى بحضور بارز ضمن برنامج «عزوة وادي الميح»، حيث يضم مسرح الطفل باقة متنوعة من الفعاليات الترفيهية والثقافية والإنشادية، إلى جانب الألعاب والمسابقات وركوب الخيل، بما يضفي أجواءً من البهجة والمرح ويمنح الأطفال مساحة للتفاعل واكتساب الخبرات في بيئة آمنة ومحفزة.
وأشار إلى أن هذه البرامج تمثل أحد أبرز عناصر الجذب للأسر؛ إذ توفر مزيجًا متوازنًا بين الترفيه والفائدة، وتسهم في تعزيز مشاركة الأطفال في الفعاليات المجتمعية وترسيخ ارتباطهم بالعادات والتقاليد والقيم الأصيلة.
التهلولة.. إحياء لصوت الماضي
وأضاف المعشري أن «عزوة وادي الميح» شهدت هذا العام عودة «التهلولة»، إحدى العادات الاجتماعية والدينية القديمة التي عُرفت بها القرية، والتي كانت تُقام سنويًا خلال الأيام الأولى من شهر ذي الحجة وحتى التاسع منه.
وبيّن أن الرجال والنساء والأطفال يشاركون في إحياء هذا الموروث الاجتماعي، مستحضرين تقليدًا ارتبط في ذاكرة الأهالي بمواسم العبادة والأعياد، من خلال ترديد التهليل والتسبيح والأذكار في أجواء إيمانية تعكس قيم التآلف والتراحم وتعزز الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
وأكد أن إعادة إحياء «التهلولة» تأتي في إطار الجهود الرامية إلى المحافظة على الموروثات الشعبية والعادات الأصيلة ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بما يسهم في صون الذاكرة المجتمعية وتعزيز الهُوية الثقافية العُمانية.
شهادات من قلب الحدث
يؤكد خلفان بن حسن المعشري، أحد كبار السن في قرية وادي الميح، أن «العزوة» تمثل امتدادًا لعادات وتقاليد اجتماعية راسخة عرفتها المنطقة منذ عقود طويلة، مشيرًا إلى أن الأهالي اعتادوا الاجتماع في الأعياد والمناسبات الدينية لتبادل التهاني وإحياء الفنون الشعبية وممارسة العديد من الأنشطة الاجتماعية التي تعزز أواصر الترابط والتلاحم بين أفراد المجتمع.
وأضاف أن ما يميز «عزوة وادي الميح» هو قدرتها على المحافظة على روح الماضي وقيمه الأصيلة، مع تطوير برامجها وأنشطتها بما يتناسب مع اهتمامات الأجيال الجديدة وتطلعاتها، الأمر الذي أسهم في استمراريتها واتساع دائرة المشاركة فيها عامًا بعد عام.
من جانبه، أوضح مبارك بن مسي المعشري أن تنظيم العزوة يقوم على جهود تطوعية متكاملة يشارك فيها أبناء القرية إلى جانب عدد من الداعمين والمهتمين بالموروث الثقافي، مؤكدًا أن الهدف الرئيس للفعالية يتمثل في تعزيز الهُوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء لدى الأطفال والشباب، وربطهم بموروثهم الثقافي والاجتماعي بصورة عملية ومباشرة.
وأشار إلى أن العزوة تشهد في كل عام تطويرًا مستمرًا وإضافة برامج وأنشطة جديدة تستهدف مختلف الفئات العمرية، بما يضمن الحفاظ على جاذبيتها وتنوعها، ويعزز من دورها كمنصة مجتمعية وثقافية تسهم في صون التراث العُماني ونقله إلى الأجيال القادمة بأساليب عصرية تتوافق مع متطلبات العصر وتحافظ في الوقت ذاته على أصالته وقيمه الراسخة.
ويرى سعيد بن حمود الحميدي، أن «عزوة وادي الميح» أصبحت واحدة من المبادرات المجتمعية الرائدة في مجال صون التراث الشعبي والمحافظة عليه، موضحًا أن دورها يتجاوز الجانب الاحتفالي إلى الإسهام في تعزيز الوعي بالموروث الثقافي العُماني وتنشيط السياحة الداخلية وإبراز المقومات التراثية والثقافية التي تزخر بها ولاية العامرات.
وأضاف أن الفعالية توفر كذلك مساحة مهمة للأسر المنتجة وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة لعرض منتجاتهم والتعريف بها، بما يمنحها بُعدًا اقتصاديًا داعمًا إلى جانب أبعادها الثقافية والاجتماعية، ويسهم في تشجيع المبادرات المحلية وتعزيز مشاركة المجتمع في مختلف جوانب التنمية.
وأكد الحميدي أنه في ظل التسارع المتواصل لمظاهر الحداثة وتغير أنماط الحياة، تثبت «عزوة وادي الميح» أن التراث العُماني ما زال قادرًا على الحضور والتجدد متى ما وجد من يؤمن بأهميته ويعمل على صونه ونقله للأجيال القادمة بأساليب تتواكب مع متطلبات العصر وتحافظ في الوقت ذاته على أصالته وقيمه الراسخة.
وبين أهازيج الرزحة والعازي، وضحكات الأطفال في أركان الفعاليات، وأصوات التهليل التي تستحضر ذاكرة المكان، تواصل «عزوة وادي الميح» رسم صورة مشرقة لمجتمع متمسك بجذوره ومعتز بموروثه الثقافي. فهي ليست مجرد فعالية موسمية، بل تجربة مجتمعية متكاملة تجسد التلاحم بين أفراد المجتمع، وتؤكد أن المحافظة على التراث لا تعني استذكار الماضي فحسب، وإنما تمثل استثمارًا في المستقبل، وحفاظًا على الهُوية الوطنية التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للتنمية الثقافية والاجتماعية في سلطنة عُمان.
