ثقافة

توفيق زيّاد حين يزداد الحضور

30 يوليو 2026
30 يوليو 2026

كان للاسم وقعٌ على القلب والعقل لدى الفتى الذي كنته، ولدى الملايين من مختلف الأعمار؛ فقد كنا نراه العملاق الفلسطيني الذي نحتمي به وبكلماته الحادّة، إذ كنّا نراه دومًا على المنابر مقاومًا للاحتلال الشرس حتى آخر مدى.

كان جيلنا، بعد هزيمة عام 1967، محرومًا من تعلّم أي شيء عن فلسطين، لكنها بكل بهائها وصلت إلينا من خلال المبدعين من الشعراء والكتاب والرسامين، ومن أغاني التراث والحرية. في هذا السياق، ثمة ما نجا من نصٍّ لم يشطبه رقيب الاحتلال من كتاب النحو. حمل النص عنوان «من وراء القضبان». كانت القصيدة من الشعر الحر، لكنني ما إن قرأت النص المقتبس لغايةٍ نحوية، حتى حفظته، ورحت أردده وألقيه:

«يا حامل المفتاح

ما شوقي لأكلٍ أو شرابِ

كلا، ولا للقاء أمٍّ

قد تعوّدت اغترابي

لكنه للشارع المطلول فيه

دم الشباب

زحفت جوانبه بشعبٍ

غيرِ محنيِّ الرقاب»

وقتها، عرفت أن حامل المفتاح هنا هو السجّان، ووقتها عرفت أن هذا المناضل الذي نسمع به شاعرٌ عظيمٌ أيضًا.

لم أكن أتصور أنه، بعد بضع سنوات، سأكون بقربه، لا يفصلني عنه سوى متر. كان ذلك في أمسية شعرية من أمسيات معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1989، حيث ألقى عددًا من قصائده، أتذكر منها بشكل خاص «سرحان والماسورة». لقد تركت القصيدة لديَّ وعيًا عميقًا، لدى طالب الأدب العربي في السنة الثانية الذي كنته، إذ تعلمت معنىً إضافيًا للشعر، فقد قرّب زيّاد الشعر والوطن منا.

تتناول القصيدة بطولات المقاوم سرحان ورفاقه في مواجهة الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية، مستخدمين بنادقهم البسيطة. وكلمة «الماسورة» في عنوان القصيدة تشير إلى ماسورة البندقية (فوهتها) التي كان يقاتل بها. وقد خلّد توفيق زيّاد سيرة المناضل سرحان حسين العلي من بيسان، الذي استشهد عام 1938:

«لم يعد سرحان من ليلته تلك

ولكن في الصباح

نشرت بعض الجرائد:

نسف ماسورة بترول بتل الحارثية

فجَّر الأنبوبة إرهابيٌّ مطارد

وجد البوليس بعد البحث

رجلًا، بشريةً،

وبقايا بندقية،

وهوية...

اسمه الكامل سرحان العلي

من عرب الصقر

ولكن بعد لم تعرف

تفاصيل القضية

والبقية...

في غدٍ نأتي إليكم بالبقية».

في تلك الأمسية، وبالرغم من حداثة سني، فقد رأيت الشاعر قاصًا وروائيًا، من حيث قدرته، من خلال الشعر، على تصوير سيرة سرحان. إنها قصيدة تسرد قصةً شدَّتنا، وشدَّت حضور الأمسية في ليلة باردة من شتاء 1989. قصة سرحان البدوي وأثر التحولات عليه، وكيف كان يحيا، وكيف امتلك الوعي بعد تجربة الألم التي سببها له الاحتلال البريطاني، التي دفعته إلى الفعل الوطني المقاوم.

بعد انتهاء الأمسية، جلس أبو الأمين، الذي كان يدخل الستين من عمره، ليوقّع ما تبقى من دواوينه في المعرض. رحت أهمس لنفسي بما حفظته: «يا حامل المفتاح..»، ورحت أتأمل الشاعر المناضل عن قرب، والذي كان مرهقًا بعد الأمسية. وكانت ترافقه زوجته نائلة. قلنا لبعضنا بعضًا: لعله يستريح!

كان الأمل هو اللقاء عن قرب في الناصرة والقدس، كما حدث والتقينا مع الكاتب إميل حبيبي، لكن ذلك لم يحدث، إذ رحل الشاعر في طريق القدس-أريحا، تاركًا لنا الوطن كله.

كان توفيق زيّاد، في طريقه إلى بلدية الناصرة، كلما وجد أطفالًا ذاهبين إلى المدرسة شتاءً، أقلَّهم في مركبته المتواضعة. هكذا روى لنا من كانوا أطفالًا ذات يوم، ليتعمق لديَّ شعره في قصيدة «المغني»:

«وأُعطي نصف عمري، للذي

يجعل طفلًا باكيًا

يضحك

وأعطي نصفه الثاني، لأحمي

زهرةً خضراء

أن تهلك».

لم يصف أحدٌ من قبل مثل هذا النبل، إذ قسم عمره بين إدخال الفرح إلى البراءة وحماية الوطن الجميل. وستصير القصيدة أغنية، بل أغنيات، تنتشر لتظل في السمع والبصر.

كنا نصعد جبل الكرمل مع الكاتب أسامة العيسة، وكنت أدخل الثلاثين من عمري، في ربيع عام 1997، حين بحثت عن المعتقل الذي سُجن فيه توفيق زيّاد ورفاقه عام 1958. كنت في مثل عمره إذًا حين كتب «من وراء القضبان». ترى، من أي مبنى هنا رأى توفيق زيّاد جبل الكرمل؟ من الشاطئ أم من الجبل؟ تذكرت تلك القصيدة الرائعة التي كانت أول لقائي به:

«دارت يدُ السجان بالمفتاح،

تغلق كل باب

إلا بقايا كوةٍ

من خلفها تبدو الروابي

ويلوح رأس الكرمل المخمور

مبرقعًا بالضباب

الفجر فوق جبينه المعتز

كالعاج المذاب

وتلوح بين شعابه الخضراء

في كتف الهضاب

أعشاش عشاق تطوف حولها

قُبل الشباب

وأزاهر مكحولة، وكأنها

مُقل الكعاب

والريح تهمس

للصنوبر، للبراعم، للغياب

يا طيب تلك الوشوشات،

كأنها همس التصابي

غمرت جوانحها، فهاجت

باذكارات عذاب».

كتبها توفيق زيّاد وهو يطل من تلك «الكوّة» الصغيرة في المعتقل، التي ظهر منها الكرمل الكبير وحيفا. كان وقتها شابًا عاشقًا في أواخر العشرينات، يُقبل على الوطن والجمال والحب. لم يسجنه السجن، لا قلبه ولا روحه، فقد حررته العين التي تنظر إلى الحياة هناك، فامتلأ بها وحلّق، تاركًا السجّان في سجنه.

بعد اثنين وثلاثين عامًا على الرحيل المفجع، يزداد حضور الشاعر الكبير توفيق زيّاد، كما يزداد حضور وطنه، وأطفال الوطن الذي قسم عمره بينهم وبين حماية الزهر الأخضر.

تحسين يقين كاتب وناقد مقدسي، مهتم بالأدب والفن والحقول المعرفية