"عين الطائر" تستكشف تحولات اللغة والدلالة في المشهد القصصي العماني
عُمان: واصل النادي الثقافي جلسات برنامجه الثقافي "عين الطائر" في جلسته الحوارية السادسة التي تناولت "القصة القصيرة العمانية..مسارات متعددة في بناء المعنى"، وأدارها الدكتور محمد الشحات، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين في مقر النادي الثقافي.
ناقشت الجلسة التحولات الاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تشهدها القصة القصيرة العمانية، واستيعابها أشكال متعددة من التعبير الفني، كالسرد التقليدي، والتكثيف الذي تتيحه القصة القصيرة جدا، والانفتاح على تقنيات السينما، واستثمار الذاكرة، فضلا عن إعادة تشكيل المكان كعنصر فاعل في إنتاج المعنى. وقدم الضيوف نماذج من نصوصهم، وتناولوا تجاربهم في الكتابة، ورؤيتهم لبناء القصة القصيرة، وعلاقة النص بالمكان والإنسان واللغة والزمن، إلى جانب قضايا التجريب، والرمز، والنهايات المفتوحة، والفروق بين القصة القصيرة والرواية.
القصة تفرض عناصرها
استهل القاص مازن حبيب مشاركته بقراءة مقطع من قصته "قطار الموت" من مجموعته القصصية الصادرة حديثا بالعنوان نفسه، وهي قصة تستند إلى الذاكرة الشخصية، وتستعيد تفاصيل الطفولة من خلال علاقة طفل بعمه، قبل أن تنتهي بمشهد مأساوي يكشف عن مفارقة الموت، ويعيد تأويل الرحلات كجزء من ذاكرة إنسانية أكثر تعقيدا.
واعتمد النص على المزج بين الاسترجاع الزمني واستدعاء التفاصيل اليومية، ليبني عالما سرديا تتحول فيه السيارة، ومدينة الملاهي، والرحلات المتكررة، إلى رموز للحياة العابرة، بينما جاءت النهاية لتمنح القصة بعدا وجوديا يعيد قراءة الماضي في ضوء الفقد.
وفي حديثه عن تجربته، أكد مازن حبيب أن معياره الأساسي في الكتابة ليس عدد الصفحات، وإنما اكتمال البناء الفني للنص، موضحا أن القصة هي التي تفرض طولها وإيقاعها، وأن الكاتب لا ينبغي أن يخضعها لقوالب مسبقة. وأشار إلى أن عملية الكتابة بالنسبة إليه تقوم على البناء أولا، ثم البحث أثناء الكتابة عن ثغرة تسمح بهدم هذا البناء وإعادة تشكيله بصورة تحقق المفاجأة وتمنح النهاية أثرها الفني.
وأوضح أن القصة القصيرة، مهما امتد حجمها، تظل محتفظة بهويتها إذا حافظت على عناصرها الأساسية، من بناء الشخصيات، وتماسك الحدث، ووحدة الأثر، رافضا النظر إلى عدد الصفحات بوصفه معيارا للفصل بين القصة والرواية، ومؤكدا أن لكل جنس أدبي أدواته وتقنياته الخاصة.
كما توقف عند مفهوم التجريب في أعماله، مبينا أنه لا ينحصر في الشكل وحده، وإنما يمتد إلى المضمون أيضا، إذ يسعى إلى ابتكار أشكال سردية جديدة تنبع من داخل النص نفسه واعتبارها جزءا من بنيته الدلالية. واستشهد بإحدى قصص مجموعته التي تبدأ بقائمة تسوق، في محاولة لإعادة توظيف العناصر اليومية داخل البناء الفني للقصة.
ورأى أن السينما أسهمت بصورة واضحة في تطوير أدواته السردية، ولا سيما في التعامل مع الزمن، إذ أتاحت له تقنيات المونتاج الانتقال بين الأزمنة المختلفة، وكسر التسلسل التقليدي للأحداث، وبناء خطوط زمنية متوازية تلتقي في نهاية النص لتشكل رؤية أكثر عمقا. كما شدد على أن متعة الكتابة تمثل عنصرا أساسيا في تجربته، معتبرا أن النص الذي لا يمنح كاتبه وقارئه متعة الاكتشاف يفتقد أحد أهم شروط نجاحه.
المكان شريك في الحكاية
قدم القاص حمود سعود ثلاث قصص قصيرة جدا، هي "الشجرة الضاحكة"، و"وطن الطفل"، و"حرب"، وهي نصوص اتسمت بالتكثيف الشديد، واعتمدت على الرمز والإيحاء، مستحضرة الطفولة والذاكرة والفقد كمرتكزات أساسية لبناء الدلالة.
وفي "الشجرة الضاحكة" تتحول ضحكة الأم الراحلة إلى شجرة تواصل الحياة، بينما تقدم "وطن الطفل" رؤية رمزية للعلاقة بين الطفل والوطن من خلال صورة العلم الذي يسقط تحت عجلات السيارات، في حين تستعيد "حرب" أثر الحروب في ذاكرة الطفل، عبر رحلة بحث عن الأب المفقود، في نص يجمع بين الواقع والحلم، ويمنح الطفولة بعدا إنسانيا يتجاوز حدود الحدث المباشر.
وأوضح حمود سعود أن المكان يشكل أحد أهم مرتكزات مشروعه السردي، غير أنه لا يتعامل معه كخلفية جامدة للأحداث، ويعتبره عنصرا محركا للسرد، قادرا على إنتاج الحدث وتوجيه حركة الشخصيات.
وأشار إلى أن بعض نصوصه تبدأ من المكان قبل أي شيء آخر، إذ يرسمه بصورة دقيقة، تكاد تقترب من التخطيط الهندسي، مستحضرا تفاصيل الجسور، والمقابر، ومحطات الوقود، والأحياء، والمباني، بما يجعل المكان كائنا حيا يشارك في تشكيل المعنى.
وأكد أن التنوع الجغرافي الذي تتميز به سلطنة عمان يمثل مصدرا غنيا للإلهام، ليس في القصة القصيرة وحدها، وإنما في مختلف الفنون، من الشعر إلى السينما والتصوير، لافتا إلى أن الأمكنة العمانية تمتلك طاقة سردية كبيرة تمنح الكاتب إمكانات واسعة لبناء العوالم القصصية، كما أكد أنه يحرص على إقامة علاقة متوازنة بين الشخصية والمكان، بحيث يؤثر كل منهما في الآخر، ويصبح السرد نفسه مساحة تتفاعل فيها الجغرافيا مع الإنسان، دون أن تطغى إحدى الدعامتين على الأخرى.
الإنسان في الهامش
من جانبه تناول القاص حمود الشكيلي قراءة قصته "التيس" من مجموعته القصصية "ماتي تونغ"، وهي قصة تنطلق من موقف يومي بسيط، لكنها تفتح عبر مفارقتها السردية أسئلة أوسع حول القيمة، والفقد، ونظرة الإنسان إلى الأشياء والكائنات من حوله. وتقوم القصة على علاقة الراوي بحيوان يشتريه، ثم يكتشف موته قبل أن يتمكن من الاحتفاظ به، لتتحول قيمة التيس في لحظة واحدة من مجرد سلعة إلى كائن يرتبط بالذاكرة والعاطفة، بينما تكشف النهاية عن مفارقة تجمع بين الحزن والسخرية، وهي إحدى السمات التي تميز عالم الشكيلي القصصي.
وفي حديثه عن تجربته، بين حمود الشكيلي أن الإنسان يمثل المحور الأساسي في كتاباته، وأن اهتمامه ينصب على الشخصيات التي تحمل تجارب إنسانية حقيقية، موضحا أن ظهور الشخصيات القادمة من الهامش الاجتماعي في نصوصه هو اختيار جمالي وإنساني نابع من اهتمامه بالإنسان البسيط وتفاصيل حياته.
وأشار إلى أن هذه الشخصيات ترتبط بالتحولات التي شهدها المجتمع العماني خلال العقود الماضية، خصوصا التحولات المرتبطة بالمدينة والتعليم والاقتصاد وتغير أنماط الحياة، مؤكدا أن الكاتب لا يمكن أن يعزل تجربته عن محيطه الاجتماعي والإنساني.
وحول حضور الفقر والتحولات الاجتماعية في نصوصه، أشار الشكيلي إلى علاقته المعقدة بمفهوم الثراء والتحولات المادية، موضحا أنه يخشى فقدان بعض القيم الإنسانية أمام تسارع التغيرات، رغم أن الطموح إلى حياة أفضل يبقى حاضرا لدى الإنسان.
كما تحدث عن بناء الشخصية في قصصه، موضحا أنه يمنح الشخصيات أسماء وملامح وأزمنة وأمكنة، لأنها بالنسبة إليه كيانات لها وجودها الخاص، فالإنسان يأتي أولا، ومن خلاله تتشكل الحكاية، وليس العكس.
وفيما يتعلق بالسخرية والمفارقة في نصوصه، أوضح أن السخرية لا تأتي لديه بوصفها هدفا مباشرا أو تقنية مقصودة، وإنما تنبع من الموقف نفسه ومن تناقضات الحياة اليومية. فالمفارقة في قصة "التيس" تتولد من تحول الشيء الذي كان مصدر فرح واعتزاز إلى لحظة فقد، ومن محاولة الإنسان منح الأشياء معاني تتجاوز قيمتها المادية.
مساحة الدهشة والتكثيف
أما القاص وليد النبهاني فقدم مجموعة من القصص القصيرة جدا، وهي نصوص تعتمد على الاقتصاد الشديد في اللغة، وعلى بناء لحظة سردية مكثفة تنفتح على طبقات متعددة من المعنى، من خلال الرمز والمفارقة والدهشة.
وقدمت النصوص التي قرأها النبهاني، ومنها "بروميثيوس"، و"لسان الأفاعي"، و"منطق الريح"، و"الخطاب"، و"جدارية"، و"طيور"، نماذج على قدرة القصة القصيرة جدا على اختزال فضاءات واسعة داخل مساحة محدودة، حيث يصبح كل تفصيل لغوي جزءا من بناء الدلالة.
وفي حديثه عن تجربته، بين النبهاني أن التخطيط المسبق لا يمثل عنصرا أساسيا في كتابته، إذ تبدأ القصة غالبا من فكرة أولية غير مكتملة، ثم تتشكل تدريجيا أثناء عملية الكتابة. وأكد أن النهاية لا تكون دائما محددة منذ البداية، وإنما تنمو مع النص، وقد يعيد كتابة القصة أكثر من مرة حتى يصل إلى الصياغة التي يراها أكثر انسجاما مع رؤيته.
وأشار إلى أن توقفه خلال الفترة الماضية كان عن النشر وليس عن الكتابة، موضحا أن لديه نصوصا لا تزال في طور التشكل، وأخرى اكتملت، وأن المرحلة المقبلة تحمل مشروعا جديدا في هذا الاتجاه.
وتطرق النبهاني إلى علاقته باللغة، مؤكدا أن الاشتغال على الصياغة والنحت اللغوي يمثل جزءا أساسيا من تجربته، وأن المراجعة المستمرة للنص تعد مرحلة مهمة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة. كما تحدث عن العلاقة بين الفصحى والعامية داخل السرد، مبينا أنه لا يرى تعارضا بينهما، إذ يمكن للحوار المحكي أن يحضر داخل النص الفصيح عندما يكون قادرا على خدمة الشخصية والحدث.
وأوضح أن استخدام اللغة العامية في بعض المواضع لا يأتي بهدف كسر الفصحى، وإنما بهدف الاقتراب من روح الشخصية وصوتها الداخلي، مشيرا إلى أنه يعمل على تجربة كتابة بعض النصوص بالعامية للوصول إلى إحساس أكثر قربا بالشخصيات، قبل إعادة صياغة السرد باللغة الفصحى.
الجدير بالذكر أن "عين الطائر" برنامج يضم جلسات حواية ينظمه النادي الثقافي للاحتفاء بالقصة القصيرة في سلطنة عمان، في إطار مشروع نقدي يسعى إلى قراءة المنجز القصصي العماني من منظور شامل يلتقط تحولات اللغة، والبناء السردي، والدلالة، ويقف عند أبرز التجارب التي أسهمت في تشكيل ملامح هذا الفن وتطوير أدواته التعبيرية.
