No Image
عمان الثقافي

كرة القدم والسياسة.. تشريح أسطورة الحياد

29 يوليو 2026
29 يوليو 2026

إن مقولة «يجب الفصل بين السياسة والرياضة» ليست مجرد مقولة ساذجة، بل هي خرافة أيديولوجية حديثة وموقف سياسي بامتياز يراد منه الحفاظ على الوضع الراهن وإسكات أي أصوات مناهضة. إذ لا يمكن تجريد الإنسان من سياقه بمجرد ارتدائه قميصا رياضيا.

إن «الحياة كلها فعل سياسي» ولا توجد مساحة إنسانية تفلت من صراعات السلطة أو الصراعات على المعنى والموارد والاعتراف. وإذ تبدو هذه المقولة مبالغة خطابية تسعى إلى تسييس كل شيء بلا تمييز فإن التأمل في تاريخ كرة القدم الحديث يكشف أنها ليست كذلك، بل هي وصف دقيق لبنية الاجتماع الإنساني ذاته. فكرة القدم تحولت عبر أكثر من قرن إلى إحدى أكثر الساحات كثافة بالمعنى السياسي المعاصر؛ فيها تتقاطع الدولة والسوق والهوية والجسد والإعلام والذاكرة الجماعية، وتعاد صياغة أسئلة السيادة والانتماء والعدالة والحرية بلغة رمزية شديدة الشعبية وشديدة الغموض في آن.

لكن لماذا يعد مطلب «الفصل بين السياسة والرياضة» فعلا سياسيا قمعيا؟

إن الأيديولوجيا تكون في أوج قوتها وخطورتها عندما تدعي أنها «ليست أيديولوجيا»، فعندما تخرج المؤسسات الرياضية الكبرى (مثل الفيفا أو اللجنة الأولمبية الدولية) لتطالب بإبقاء السياسة خارج الملاعب فإنها تمارس في تلك اللحظة أقصى درجات الفعل السياسي.

فالادعاء بالحياد ليس هجرا للسياسة، بل انحياز مبطن للسلطة المهيمنة. عندما يطلب من اللاعبين أو الجماهير الصمت حيال قضية إنسانية أو وطنية بحجة «عدم تسييس الرياضة» فإن المؤسسة الرياضية تلعب دور جهاز الشرطة الأيديولوجي الذي يحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع في الفضاء العام. إن محاولة إفراغ الرياضة من محتواها السياسي هي محاولة لتدجين الجماهير واللاعبين، وتحويلهم إلى آلات للترفيه أو مستهلكين صامتين، وهو ما يتوافق مع رغبات الأنظمة السلطوية ورأس المال العالمي.

عند أول اختبار حقيقي تفرضه الجغرافيا السياسية يظهر التناقض. التاريخ والحاضر يكشفان بوضوح أن المؤسسات الرياضية تسيس الرياضة متى شاءت، وتمنع تسييسها متى تعارض ذلك مع مصالح النخب المهيمنة.

فمثلا لم تتردد الفيفا والاتحاد الأوروبي لكرة القدم في إيقاف الأندية والمنتخبات الروسية بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وتم إضاءة الملاعب بألوان العلم الأوكراني، وصدرت البيانات الداعمة بشكل رسمي. هنا، كانت السياسة حاضرة، ومرحبا بها، بل مفروضة من أعلى الهرم المؤسسي لأنها تتماشى مع الإرادة السياسية للمعسكر الغربي.

في المقابل، عندما يرفع لاعب عربي قميصا تضامنيا مع غزة، أو عندما ترفع جماهير سلتيك الإسكتلندي أعلام فلسطين، أو حين يظهر اللاعبون تضامنا مع قضايا تخص شعوب دول الجنوب العالمي، تتدخل فورا لجان الانضباط لفرض عقوبات وغرامات قاسية تحت حجة منع تسييس الرياضة.

تحاول الرأسمالية الرياضية اختزال الرياضي في جسده البيولوجي ومهارته الحركية، مجردة إياه من وعيه وعقله. تتجلى هذه النظرة الاستعلائية في العبارة الشهيرة التي وجهت لنجم كرة السلة ليبرون جيمس: «اصمت ونطط الكرة» (Shut up and dribble) حين انتقد الرئيسَ الأمريكي ترامب في 2018 -على الرغم من اختلاف موقف ليبرون في 2019 حين وصف تغريدة داريل موري المدير التنفيذي لنادي هيوستن روكتس آنذاك الداعمة لاحتجاجات هونج كونج بأنه غير مطلع بما فيه الكفاية-.

لكن الرياضي يمتلك جسدا هو في حد ذاته «موقع للاشتباك السياسي» فمواقف مثل رفض محمد علي كلاي التجنيد في حرب فيتنام وتأسيس اللاعب البرازيلي «سقراط» حركة «ديمقراطية كورينثيانز» في ثمانينيات القرن الماضي، حيث صوت اللاعبون على كل قرارات النادي، مثلت الحركة مساحة مقاومة سياسية للديكتاتورية العسكرية في البرازيل آنذاك.

إذًا لماذا يستميت أصحاب النفوذ في الترويج لمقولة الفصل بين الرياضة والسياسة؟

حولت الرأسمالية الحديثة كرة القدم إلى «صناعة فرجة» هذه الصناعة تتطلب مستهلكا مسترخيا، جاهزا لتلقي الإعلانات التجارية وشراء البضائع. إن إدخال السياسة، والمطالبة بالعدالة، واستحضار دماء الضحايا أو حقوق العمال والمرأة إلى المدرجات، يفسد هذه «الفرجة الاستهلاكية». إنه يوقظ المشجع من غيبوبته الترفيهية ويذكره بواقعه المرير، لذلك، يطالب الرعاة التجاريون وأصحاب المليارات ببيئة خالية من السياسة؛ حماية للأرباح التي يهددها الوعي الجماهيري الناقد وليس محاولة في حماية نقاء الرياضة.

في اليونان القديمة كانت «أغورا» هي الساحة العامة التي يجتمع فيها المواطنون للنقاش واتخاذ القرارات السياسية. في عالمنا المعاصر، حيث تمت محاصرة الساحات العامة وقمع التجمعات وأصبحت الملاعب أغورا بديلة في العديد من الدول.

المدرج هو المكان الوحيد المتبقي الذي تتجمع فيه عشرات الآلاف من الحناجر لتغني بصوت واحد. أناشيد الملاعب (مثل نشيد «في بلادي ظلموني» لجمهور الرجاء المغربي، أو أهازيج الألتراس في مصر وتونس وباقي دول العالم) هي بيانات سياسية تتلى في وجه السلطة. المطالبة بفصل الرياضة عن السياسة تعني إغلاق هذه الأغورا، وتكميم هذه الحناجر، ومصادرة المساحة الأخيرة المتبقية للتعبير الجمعي.

حين عرف أرسطو الإنسان في كتابه «السياسة» بأنه حيوان سياسي/مدني كان يقصد أن الإنسان لا يكتمل إنسانيًا إلا داخل المدينة وأن غاية الاجتماع البشري ليست مجرد البقاء بل «الحياة الهانئة» التي لا تتحقق إلا في فضاء مشترك يتداول فيه الناس الخطاب حول العدالة والخير والمصلحة العامة. والمدينة عند أرسطو تتجاوز فكرتها التجمع السكاني إلى كونها كيان أخلاقي وسياسي يتشكل عبر المشاركة في الحكم والتداول.

إذا تأملنا الملعب الكروي من هذا المنظور الأرسطي، نجد أنه يعيد إنتاج بنية المدينة المصغرة: فيه جمهور يتشارك مكانا وزمانا محددا، وفيه قواعد يلتزم بها الجميع طوعا، وفيه تراتبية أدوار (اللاعب، الحكم، المدرب، الإداري، المشجع)، وفيه احتفال جماعي بالانتصار وحداد جماعي على الهزيمة يشبه إلى حد بعيد الطقوس السياسية للمدينة القديمة. لكن الفارق الجوهري هو أن الملعب ليس فضاء للتداول العقلاني بل غالبا فضاء للانفعال الجمعي حيث يستبدل الخطاب بالهتاف، والحجة باللافتات.

ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي الطابع السياسي للملعب، بل يعيد تعريفه: فالسياسة لا تختزل في التداول العقلاني، بل جوهرها التمييز بين الصديق والعدو. وهذا التمييز هو بالضبط ما يبنيه الملعب الكروي بأقصى درجات الوضوح: «نحن» في مواجهة «هم»، فريقنا في مواجهة الفريق الآخر، وطننا في مواجهة الوطن المنافس. حين يواجه منتخب إيران منتخب الولايات المتحدة في كأس العالم تتحول المباراة إلى إعادة تمثيل رمزية لصراع سياسي حقيقي، العدو هنا عدو لأسباب أخلاقية أو اقتصادية والأهم لأنه «الآخر الوجودي المختلف والغريب» الذي يتحدد «نحن» بالتقابل معه.

لكن الملعب في لحظات أخرى يمكن أن تسوده حالة فوضى كما حدث في مآسي «هيسل» 1985 و«هيلزبره» 1989 و«بورسعيد» 2012 و«استاد الدفاع الجوي» 2015 تعيد إنتاج ما وصفه هوبز بـ«حالة الطبيعة» التي يكون فيها الإنسان في حرب الكل ضد الكل.

لذلك، فإن اللعبة تحتاج، كما تحتاج المدينة السياسية إلى سلطة حاكمة مركزية (الفيفا، الاتحادات، الحكم) تحتكر شرعية العنف الرمزي (البطاقات، الطرد، العقوبات) لضمان استمرار اللعبة. وهنا تحديدا يتجلى البعد السياسي لكرة القدم: فهي، مثل المجتمع السياسي نفسه، تقوم على توازن هش بين الحرية (حرية اللعب والإبداع والارتجال) والقانون (القواعد التي تكبح هذه الحرية وتجعلها ممكنة اجتماعيا). وكما يقول جان جاك روسو في «العقد الاجتماعي»، فإن الحرية الحقيقية لا تكون بالتحرر من كل قيد، بل بالخضوع لقانون وضعه الفرد على نفسه بمشاركته في الإرادة العامة؛ وهذا بالضبط ما يفعله اللاعب حين يلتزم بقواعد لعبة اختار الانخراط فيها بمحض إرادته، فيجد فيها حريته لا نقيضها.

بينما رأى هوبز أن الأفراد يتنازلون عن كامل حريتهم الطبيعية لسلطة مطلقة درءا للفوضى، رأى لوك أن العقد الاجتماعي مشروط، وأن السلطة السياسية تستمد شرعيتها من موافقة المحكومين ومن التزامها بحماية الحقوق الطبيعية للأفراد (الحياة والحرية والملكية)، وأن للمحكومين حق مقاومة السلطة إن أخلت بهذا الشرط. وهذا التصور يجد صدى في الحقل الكروي حين تتمرد الجماهير أو اللاعبون على الهيئات الحاكمة للعبة حين تتجاوز حدود شرعيتها المفترضة: فمشروع «دوري السوبر الأوروبي» الذي أعلنه اثنا عشر ناديا أوروبيا عام 2021، بمعزل عن الاتحادات التقليدية وبمنطق تجاري صرف يستبعد مبدأ الاستحقاق الرياضي التنافسي، قوبل برفض اضطر أغلب الأندية للتراجع خلال أيام في مشهد يمكن قراءته بوصفه لحظة «مقاومة لوكية» نموذجية: جماهير رأت أن «العقد الضمني» الذي يربطها بالنادي وبمنطق اللعبة التنافسي قد انتهك من قبل سلطة رأس المال، فمارست حقها في الرفض والمقاومة العلنية حتى استعادت ولو جزئيا ومؤقتا توازن السلطة المختل.

إن مفهوم «الهيمنة» الذي قدمه غرامشي يساعد في فهم الوظيفة السياسية لكرة القدم فبخلاف الفهم الفج للسلطة بوصفها إكراها مباشرا وقهريا، يرى أن الطبقة المسيطرة تحافظ على سيطرتها بشكل أساسي عبر إنتاج إجماع ثقافي وأخلاقي وفكري يجعل الجماهير الخاضعة تتبنى طوعا القيم والرؤى التي تخدم مصالح المسيطرين، وكأنها «الفطرة السليمة» أو «الحس المشترك» الطبيعي للأشياء. والهيمنة تنتج وتعاد إنتاجها عبر «المجتمع المدني»: المدرسة، الكنيسة، الإعلام، النقابات، ومؤسسات الترفيه الجماهيري وفي مقدمتها الرياضة وكرة القدم.

كرة القدم، من هذا المنظور، تؤدي وظيفة مزدوجة ودقيقة: فهي من جهة أداة تصريف للطاقة الاحتجاجية والغضب الطبقي، إذ تمنح الجماهير الكادحة متنفسا انفعاليا أسبوعيا يستهلك فائض غضبها الاجتماعي في هتافات المدرجات بدلا من أن يتحول إلى وعي طبقي ثوري؛ وهي من جهة أخرى أداة لبناء إجماع وطني وطبقي عابر يخفي التناقضات الحقيقية بين رأس المال والعمل خلف واجهة «الانتماء المشترك» للفريق أو الأمة. حين يقف عامل المصنع وصاحب المصنع جنبا إلى جنب يهتفان لنفس الفريق، تتراءى وحدة وطنية زائفة تحجب واقع الاستغلال الطبقي القائم بينهما خارج أسوار الملعب.

لكن الهيمنة ليست عملية أحادية الاتجاه من أعلى إلى أسفل، بل هي ميدان صراع مستمر تنتزع فيه اللحظات المضادة والمقاومة داخل الحقل الثقافي نفسه. وهنا يصبح الملعب أيضا فضاء يمكن أن تنبثق منه أشكال من «الهيمنة المضادة»: فالألتراس في مصر وتونس تحولوا في لحظات تاريخية فارقة -الربيع العربي أبرز مثال- من مستهلكين سلبيين للإجماع الرياضي إلى فاعلين سياسيين مباشرين، ناقلين خبرتهم التنظيمية في المدرجات (التنسيق الجماعي، مقاومة الشرطة، إنتاج الشعارات والأهازيج) إلى الميادين والساحات. فجماعات مثل «ألتراس أهلاوي» و»وايت نايتس» في مصر لم تكونا مجرد جمهور كروي، بل قوة تنظيمية لعبت دورا مباشرا في مواجهات ميدان التحرير عام 2011، وهو ما يفسر جزئيا القمع الشديد الذي تعرضت له هذه الجماعات لاحقا، وذروته مجزرة استاد بورسعيد عام 2012 ثم الدفاع الجوي 2015، ويمكن وصف هذه المجازر بأنها كانت عملية تأديب سياسي مقصودة.

هذا التوتر بين الهيمنة والمقاومة يكشف حدود القراءة الأحادية لكرة القدم بوصفها مجرد أفيون آخر للشعوب فهي في آن واحد أداة تخدير وأداة تعبئة، أداة إجماع وأداة انشقاق، وهذا بالضبط ما يجعلها حقلا سياسيا بامتياز لا مجرد انعكاس سلبي للسياسة. ولعل هذا بالضبط ما قصده غرامشي حين وصف الهيمنة بأنها ليست حالة نهائية ثابتة بل توازن قوى متحرك دائم التفاوض، يستلزم من الطبقة المسيطرة تجديد شرعيتها باستمرار عبر التنازلات الجزئية والاستيعاب الجزئي لمطالب الفئات المهيمن عليها، بدل الاعتماد على القمع المباشر وحده الذي يكشف بسرعة هشاشة أي نظام هيمنة لا يمتلك قاعدة إجماعيه حقيقية.

وتقدم تونس مثالا موازيا لهذه الديناميكية الغرامشية المزدوجة فالألتراس في تونس وغيرها من مجموعات المدرجات التونسية كانت قد طورت، قبل اندلاع الثورة بسنوات، ثقافة تنظيمية وأغاني احتجاجية ذات مضمون اجتماعي وسياسي صريح ينتقد الفساد والبطالة وقمع الشرطة، في ظل نظام بن علي الذي كان يراقب بدقة كل أشكال التعبير السياسي التقليدي (الأحزاب، الصحافة، النقابات) بينما ترك هامشا أوسع نسبيا لهذا الفضاء الكروي الذي بدا له «غير سياسي» بطبيعته الظاهرية. وقد أثبتت الأحداث لاحقا خطأ هذا التقدير الأمني: فحين اندلعت الاحتجاجات في ديسمبر 2010 عقب حادثة محمد البوعزيزي، كانت شبكات الألتراس التونسية من بين أكثر التنظيمات الشبابية جاهزية للانخراط الميداني المباشر، بخبرتها المتراكمة في المواجهة مع قوات الأمن وتنظيم التحركات الجماعية السريعة، وهو ما تكرر لاحقا في مصر 2011 .

يعرف كارل شميت السيادة بمقولته: «السيد هو من يقرر الاستثناء». وحالة الاستثناء عنده هي اللحظة التي يتوقف فيها سريان القانون العادي لتحل محله سلطة تقرر بشكل مباشر خارج الإطار القانوني المعتاد، من أجل حماية النظام ذاته. وقد طور جورجيو أغامبين هذا المفهوم مبينا كيف تحولت حالة الاستثناء من إجراء طارئ إلى نموذج حاكم للسياسة الحديثة ذاتها، حيث تعلق الدولة القانون باستمرار باسم حمايته، منتجة ما يسميه «الحياة العارية» أي الحياة المجردة من الحماية القانونية والسياسية، والقابلة للإخضاع المباشر لسلطة السيادة.

كرة القدم توفر أمثلة على منطق حالة الاستثناء هذا فحين تستضيف دولة كأس العالم، تعلق -ولو مؤقتا وجزئيا- قواعد قانونية وحقوقية معتادة بحجة نجاح التنظيم وتسن تشريعات استثنائية لحماية الرعاة الرسميين، وتعزز الصلاحيات الأمنية للشرطة بشكل استثنائي. وتشهد عمليات تهجير قسري للفقراء قرب مناطق الملاعب كما حدث في جنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014 وأزمات حقوق الإنسان والعنصرية في روسيا 2018، وهذا تجسيد حرفي لمفهوم أغامبين عن «الحياة العارية»: جسد منتج، خاضع لسلطة الدولة والشركة المشغلة، لكنه مجرد إلى حد كبير من الحماية القانونية الفعلية، ومرئي فقط بوصفه أداة إنتاج لا بوصفه ذاتا سياسية كاملة الحقوق.

كما يمكن تحليل سلطة الحكم داخل الملعب نفسها: فالحكم يملك، للحظة قرار البطاقة الحمراء أو ركلة الجزاء المثيرة للجدل، سلطة شبه سيادية تشبه ما وصفه شميت بالقرار السيادي الذي لا يستمد شرعيته الكاملة من نص القانون بل من فعل القرار ذاته في لحظة الاستثناء (كما في حالات تقنية الفيديو المساعد VAR التي أثارت جدلا فلسفيا حقيقيا حول العلاقة بين اليقين التقني والسلطة التأويلية البشرية). وقد تصاعد هذا الجدل مع إدخال التقنية، إذ ظهر سؤال جديد: هل تلغي الآلة سلطة القرار السيادي البشري، أم تعيد إنتاجها في هيئة جديدة أكثر تعقيدا، حيث تصبح «الحقيقة» التقنية ذاتها موضع تأويل وقرار بشري نهائي؟

وعلى مستوى آخر، فإن الدولة القومية ذاتها تجد في كرة القدم مسرحا لإعادة تمثيل سيادتها الرمزية فالمنتخب الوطني هو تجسيد حي للأمة المتخيلة وفق تحليل بندكت أندرسون عن «الجماعات المتخيلة»: ملايين الأفراد الذين لن يلتقوا أبدا، يتوحدون لحظيا في شعور جماعي بالانتماء عبر مشاهدة أحد عشر لاعبا يرتدون قميص الوطن. وهذا الشعور، رغم كونه «متخيلا» بالمعنى الذي يقصده أندرسون أي غير قائم على معرفة مباشرة متبادلة بين أفراده ليس أقل واقعية أو أقل قوة سياسية من أي شكل آخر من أشكال الهوية الوطنية

تمثل كرة القدم مادة خصبة لفهم آليات بناء القومية فالمنتخبات الوطنية ليست مجرد فرق، بل هي أدوات لصناعة رموز وطنية حديثة تقدم للجمهور وكأنها امتداد طبيعي وأصيل لتاريخ عريق، بينما هي في الغالب بناءات حديثة نسبيا ارتبطت بصعود الدولة القومية في القرنين التاسع عشر والعشرين. النشيد الوطني الذي يعزف قبل المباراة، والعلم الذي يرفع، والألوان التي يرتديها اللاعبون، كلها طقوس تعيد «شحن» الشعور القومي وتجديده، بما يشبه ما وصفه إميل دوركهايم بـ»الطقوس الجماعية» التي تجدد «التضامن الآلي» للمجموعة عبر ممارسات احتفالية مشتركة.

لكن هذه القومية الكروية ليست أحادية المعنى فهي تتراوح بين قطبين متناقضين: قومية تحررية مقاومة من جهة، وقومية شوفينية إقصائية من جهة أخرى ففي حالات كثيرة، شكلت كرة القدم أداة مقاومة ضد الاستعمار والهيمنة الخارجية. المثال الجزائري هنا بالغ الدلالة.

لم يكن فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية لكرة القدم، الذي تشكل عام 1958 بأغلبية من لاعبين جزائريين محترفين في الدوري الفرنسي تركوا أنديتهم الفرنسية والتحقوا بالثورة، مجرد فريق رياضي، بل كان سلاحا رمزيا استخدمته الثورة لإثبات وجود أمة جزائرية مستقلة عن الهوية الفرنسية على الساحة الدولية، قبل أن يعترف بهذا الوجود سياسيا وقانونيا لعب هذا الفريق المباريات حول العالم، خصوصا في الدول الاشتراكية والعربية والأفريقية المتعاطفة مع حركات التحرر، محققا ما يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية الموازية» التي سبقت الاستقلال الرسمي بأربع سنوات

وبالمقابل، حين لعبت فرنسا نفسها أمام الجزائر عام 2001 في مباراة ودية لأول مرة بعد الاستقلال، اضطر الحكم إلى إيقاف المباراة بعد أن اقتحم عشرات الشبان من أصول جزائرية أرض الملعب في اللحظات الأخيرة، في مشهد قرئ على نطاق واسع بوصفه تعبيرا عن أزمة اندماج غير محلولة للجالية الفرنسية-الجزائرية ولكن الحقيقة هي استمرار جراح الاستعمار وحرب التحرير الجزائرية في الذاكرة الجماعية رغم مرور أربعة عقود على الاستقلال، هذه اللحظة تجسد ما تسميه آن ماكلينتوك «استمرارية الكولونيالية» حتى بعد الاستقلال الرسمي حيث تظل بنى الإقصاء والتمييز فاعلة داخل مجتمع ما بعد المستعمر ذاته.

ومثال آخر مباراة «حرب كرة القدم» بين هندوراس والسلفادور عام 1969 حيث تصاعدت التوترات الحدودية والهجرة غير الشرعية والنزاعات الاقتصادية القائمة أصلا بين البلدين إلى أن اندلعت حرب فعلية استمرت أياما قليلة عقب مباريات التصفيات المؤهلة لكأس العالم. ورغم أن المؤرخين متفقون على أن المباراة لم تكن السبب الجوهري للحرب بل كانت شرارة أطلقت توترات بنيوية عميقة سابقة، فإنها تبقى شاهدا بالغ الأهمية على قدرة كرة القدم على أن تصبح، في لحظات الأزمة، ساحة تكثيف رمزي للصراعات القائمة أصلا، بما يؤكد أطروحة شميت عن أن التمايز بين الصديق والعدو يمكن أن يتلبس أي شكل من أشكال النشاط الإنساني حين تبلغ التوترات الاجتماعية ذروتها.

وفي المقابل لأمثلة القومية الإقصائية تقدم كوت ديفوار مثالا نادرا لتوظيف كرة القدم في خدمة السلم الأهلي بدل تأجيج الصراع: ففي خضم الحرب الأهلية الإيفوارية التي قسمت البلاد بين شمال وجنوب بين عامي 2002 و2007 وجه نجم المنتخب الوطني ديدييه دروغبا نداء تلفزيونيا مباشرا مع زملائه عقب تأهل بلاده التاريخي لكأس العالم 2006، طالب فيه الأطراف المتحاربة بإلقاء السلاح والمصالحة، في لحظة يعتقد أنها ساهمت فعليا في تسريع مسار وقف إطلاق النار. وتكرر هذا الدور الرمزي حين أصر دروغبا على نقل مباراة رسمية للمنتخب عام 2007 من العاصمة أبيدجان إلى مدينة بواكي المعقل الرئيسي للمتمردين في الشمال، في خطوة رمزية لتوحيد البلاد عبر الملعب. هذا المثال يذكرنا بأن الطاقة السياسية الهائلة ليست محكومة سلفا بأن تكون أداة هيمنة أو صراع فحسب بل يمكن في ظروف تاريخية استثنائية وبفعل إرادة فردية وجماعية واعية، أن توظف أيضا كأداة لبناء إجماع وطني حقيقي يتجاوز ولو جزئيا الانقسامات الدموية القائمة.

لا يمكن فهم كرة القدم المعاصرة خارج سياق الرأسمالية وعولمة رأس المال، فقد تحولت اللعبة، التي نشأت كنشاط ترفيهي للطبقة العاملة إلى صناعة عالمية تقدر عائداتها السنوية بعشرات المليارات من الدولارات، وتحولت الأندية الكبرى إلى أصول استثمارية تدار وفق منطق الشركات متعددة الجنسيات، لا وفق منطق الانتماء المحلي الذي نشأت عليه.

ولفهم هذا التحول يمكن الاستعانة بتحليل ماركس للاغتراب وتقديس السلعة، حيث تتخفى العلاقات الاجتماعية الحقيقية بين البشر المنتجين خلف واجهة الشيء أو السلعة التي تبدو وكأنها تملك قيمة ذاتية مستقلة عن العمل البشري الذي أنتجها. وهذا بالضبط ما يحدث في كرة القدم المعاصرة: فاللاعب نفسه يتحول إلى سلعة تشترى وتباع في سوق الانتقالات بمبالغ خيالية وتقاس «قيمته السوقية» بمنطق البورصة أكثر من منطق الموهبة الإنسانية المجردة، بينما يغيب من الصورة العامة كل ما يتعلق بشروط إنتاج هذه «السلعة»: سنوات التدريب القاسي منذ الطفولة، أكاديميات الكشف عن المواهب في أفريقيا وأمريكا الجنوبية التي تعمل أحيانا بمنطق استغلالي أقرب إلى «تجارة الأجساد» منها إلى الرعاية التربوية، ونسبة الفشل الهائلة بين آلاف الأطفال الذين يستنزفون في هذا النظام مقابل نجاح أعداد قليلة جدا منهم.

كذلك يمكن النظر إلى الجماهير نفسها بوصفها «مستهلكين». فقد تحول المشجع التقليدي المرتبط بالنادي المحلي عبر جيل بعد جيل إلى «مستهلك عالمي» يمكنه أن يختار «تشجيع» ناد على الطرف الآخر من الكرة الأرضية بناء على حملة تسويقية أو حضور إعلامي، لقد تحول الانتماء الرياضي إلى منتج استهلاكي معولم قابل للتوحيد والتنميط، تماما كما توحد سلاسل الوجبات السريعة نمط الاستهلاك الغذائي عالميا.

عُمر محمد شاعر وكاتب مصري