No Image
عمان الثقافي

تواشج السردي والبصري في «شبابيك زيانة» لبشاير حبراس

25 أغسطس 2026
25 أغسطس 2026

جاسم بن جميل الطارشي 

إنّ المتمعن في نصوص «شبابيك زيانة» القصيرة جدا للكاتبة العمانية بشاير حبراس الصادرة عن «كتاب نزوى» سنة 2020، تستوقفه تقنية طريفة في بناء معظم نصوصها؛ حيث توسّلت بالفنون البصرية كالتصوير والتشكيل، في تظفير سردها تظفيرا امتزج فيه السرد بغيره من فنون التشكيل البصري وذابت الحدود بين أشكال التعبير الجميلة، وأضحى القصّ أداة عرض تتفاعل عناصره مع معطيات الفنون البصرية في تجسيد دلالات النص وإيصال مراميه وتعدد معانيه. 

استأثر التصوير الضوئي بالنصيب الأكبر من هذا التواشج؛ حيث بلغت النصوص التي وظّفت الصورة في بنائها تسعة نصوص، هي على التوالي: الصورة، كوميدينة ليلى، صبي في الإطار، كتف أبي، الثور، قُبلٌ في البيت، فريدا، المسمار، الصورة الملعونة. 

بينما جاء الفن التشكيلي في نصوص سبعة موزعة بين فعل التشكيل العملي والتشكيل المصور والمزخرف والمنحوت، هي على الترتيب: القصير والطويلة، جْلُح، غرق، فتاة من ورق، شبابيك زيانة، فراشات، سيارة سعدة. 

وقد أسهم تواشج السردي والبصري في بناء نصوص القص القصير في مجموعة شبابيك زيانة؛ فحضر هذا التواشج محفزا ومنطلقا للسرد ومسرحا لأحداثه، كما في نص «كوميدينة ليلى» الذي ينطلق من صورةٍ وُضِعت على الكوميدينة كما نجد في مفتتحه: 

«في الصورة على الكوميدينة ليلى وهي تسبح في البحر. نصف الصورة سماء ونصفها الآخر ماء ورأس ليلى وحيد في المنتصف». 

والاستهلال السردي الذي يبدأ بصورة، نجده حاضرا أيضا في نص «صبيّ في الإطار»: 

«صبي باك محبوس داخل الإطار معلق في جدار غرفة المعيشة. تمسح الأم الصورة صباح مساء دون أن تفوتها ملاحظة أنها دائمة البلل». 

إنّ هذا الاستهلال الغرائبي الذي ينطلق من الصورة لم ينجح في تحفيز الأحداث وتوليدها فقط، بل أسهم في خلق مفارقة بصرية لافتة؛ فجمود الصورة وثباتها المتوقع يكسره بكاء الطفل والبلبل الذي يخترق إطار الصورة؛ مما يستدعي تدخّل الأم لمسحه في كل مرة تمرّ على الصورة. إنّ هذا التباين بين عالميّ الثبات والحركة ساعد في خلق مفارقة بصرية طريفة من شأنها أن تكسر أفق توقع القارئ وتحفزه على إعادة قراءة النص وتأويله؛ فالمفارقة، حسب (محمد يوب) في كتابه مضمرات القصة القصيرة جدا، هي: «تضادّ المعنى الظاهر مع المعنى المضمر مما يدفع القارئ إلى البحث عن دلالات التعارض وكشف خبايا النص القصير جدا ومكنوناته، والمفارقة تجعل من اللامعقول معقولا». 

إنّ هذا اللامعقول الذي شكّلته المفارقة نجده حاضرا في بنية نص «الصورة» يقارن بين حالين لاستجابة مكون الصورة مع من يقف أمامها: 

«ليست هذه المرة الأولى التي تقف فيها أمام صورة زوجها الراحل في غرفة المعيشة، لكنها المرة الأولى التي تقف فيها بقميص نوم قرمزي قصير، رأته مبتسما، بل وحرّك حاجبيه صعودا وهبوطا بسرعة. هي ليست متأكدة مما رأت، لكنها قبل ذهابها للعمل وقفت مرة أخرى أمامه بعباءة الرأس والحجاب العريض الأسودين، قبل أن ترخي عليها خمار وجهها على طاولة العمل شغلها التفكير في الصورة التي أدارت وجهها للجدار». 

ولمّا كانت المفارقة إحدى سمات القصة القصيرة جدا، فإنها عادة ما ترتبط بقفلة النص وخاتمته وهذا ما أسهم تواشج السردي والبصري في إبرازه في نصوص شبابيك زيانة؛ فقد ساعد حضور الصورة البصرية في قفلة هذه النصوص على تشكيل المفارقة؛ على نحو ما تحقق في قفلة النص السابق «الصورة التي أدارت وجهها للجدار» ونجدها حاضرة كذلك في قفلة نص المسمار على نحو غرائبي: 

«ما التقطت صورة جماعية للعائلة إلا رفض الأب الانضمام إليهم، وكان دائما يقول: أنا المسمار. 

مات: فسقطت كلّ الصور عن الجدران». 

إنّ جملة «فسقطت كلّ الصور عن الجدران» التي شكّلت قفلة هذا النص استعانت بالصورة لخلق مفارقته التي بدورها تتحول إلى صدمة للقارئ تجعله يكتشف علاقتها وارتباطها بما سبقها من أحداث، ويبحث عن أسباب سقوط كل الصور!. ينجح النص معتمدا على الصورة في تمثيل طريف لمفارقة حضور الأب ودوره وتضحيته من أجل أسرته، وأثر غيابه عليهم؛ فإن كان الأب هو المسمار الذي تثبّت عليه صور العائلة التي ترمز بدورها لأوقات البهجة والفرح التي تسهم الصورة في تخليدها، فإنّ سقوط كل الصور عن الجدران يرمز إلى تلاشي تلك الأوقات السعيدة وتبددها بموت الأب! 

وتحضر المفارقة مقترنة بالقفلة في نصّ آخر أسهم التشكيل بوصفه أحد أشكال الفنون البصرية في تكوينها على نحو ما نجد في نص غرق: 

«غداؤنا يغرق 

مطبخنا يغرق 

بيتنا يغرق 

الجميع يغرق 

عاملة المنزل أغرقتنا بالماء من أجل صحن على شكل سمكة!». 

فالتشكيل الذي برز في الصحن مع قفلة النص كشف عن المفارقة التي انتجت من خلاله فما كان يقف وراء الفيضان الكبير سبب هينٌ لا يستقيم والخطب الجلل الذي راح ضحيته أهل البيت! 

ولمّا كان التكثيف أحد أبرز تقنيات البناء في القص القصير جدا الذي يعوّل على شعرية اللغة وانزياحاتها الأسلوبية، فإنّ توظيف التشكيل والتصوير بما ينطويان عليه من إيحاء وشاعرية، تعوض غياب شعرية اللغة وتقلّل الاعتماد على التراكيب البلاغية، بل خصلت هذه النصوص من إنشائيتها المبالغة وفذلكاتها اللغوية؛ فاللغة الشعرية في القصة القصيرة جدا، حسب جاسم خلف إلياس في كتابه «شعرية القصة القصيرة جدا» نينوى 2015، «هي أخطر العناصر وبقدر ما تكون فاعليتها مساهمة في خلق حساسية عالية برشاقة وسرعة إيصال فإنها تكون وبالا عليها وتلفظها خارج دائرة القص عندما تجنح إلى الشاعرية تماما». 

ولعلّ حضور الفن التشكيلي من نحت، ورسم، وزخرفة كفيل بإضفاء إيحاءات شعرية على بنية النصوص، وتوليد ودلالات رمزية منفتحة على تأويلات متعددة ذات أبعاد سوريالية، تسهم أدوات الفن التشكيلي في تمثيلها داخل النصوص من خلال دمج واقع الشخصية بالخيال ليكون سبيلا إلى تحقيق الأحلام التي أجهضها ذلك الواقع؛ خالقة بذلك مفارقة شعرية كما نجد في نص «القصير والطويلة» الذي استعانت فيه الساردة بفن النحت في تحقيق حلمها: 

«كنت أقصر من أن أرفع طرحة عروس؛ ورفعتني بعض الكراسي كي أتمّها. متأخرا اكتشفت أني أخطأت عندما جعلتها طويلة. كان جل تفكيري في صحون الرفوف العلوية في المطبخ». 

والحلم عبر الفن التشكيلي نجده مسرودا في نص «فتاة من ورق» عبر الرسم: 

«قالت وعيناها ترمقان الصفحة البيضاء في يدها: أريد بانيو ودوشا وبنتا. بنتا بحجمي تستحم على الورق. شُرِطٌ مُزدحمة تهطلُ من الدوش وتنزلق بغزارة على رأس الفتاة فينساب شعرها الطويل على ظهرها». 

وفي نص «جلح» الذي يُطلق على الأمرد في الدارجة العمانية، يحضر الفن التشكيلي في بنية النص ليكشف لنا عن دور الرسم في تغيير واقع فتي يحلم أن يكون لأبيه الأمرد شاربان ولأمّه أقراطا طويلة لم يبتاعهما الأب لها؛ مشكلا بذلك دلالات سوريالية غرائبية ينفتح معها النص على تأويلات مختلفة: 

«منكبا على رأس وجه أبيه النائم يرسم شاربين كثيفين ولحية غليظة. يسيل لعاب أبيه فيجرف معه الشعرات المرسومة بعشوائية. يجففه بمحرمة ويعاود الرسم. شخير الأب المزعج يوتره أحيانا فتصير الخطوط عوجاء ومموجة. فيضطر لثوان أن يسدّ منخري والده بإبهامه وسبّابته. رسم ذات ليلة لأمّه أقراطا طويلة بعدما ألحّت على والده أن يبتاعها لها وما كان يفعل. فما كان بعد رسمه ذلك إلا أنْ رآها سعيدة بالأقراط الطويلة صباحا. يتذكر وصف أقرانه لوالده يوم اجتماع أولياء الأمور في المدرسة بأنه (جلح) على عكس آبائهم ذوي اللحى الطويلة. فيمد الخطوط حتى منتصف قميص نوم والده. على الفطور كان وجه أبيه صافيا ككل يوم، ولا أثر للحية التي رسمها. ولكنّه بعدما أنهى فطوره وذهب ليغسل يديه وجد شعرا طويلا على المغسلة وموس حلاقة». 

وبالرسم أيضا يتحقق حلم سعدة في نص «سيارة سعدة» في سياقة المرأة للسيارة. 

ويبقى أن نقول في خاتمة هذا القراءة إنّ التوظيف البصري: تصويرا وتشكيلا، في نصوص شبابيك زيانة، أسهم في بناء نصوص سردية غاية في الطرافة من خلال تحقيق درجة عالية من التكثيف السردي قلّلت الاعتماد على التتابع الزمني متكئة على البعد الفضائي وعناصره المختلفة في تشكيل مشهدية عبّرت من خلالها عن معان لم يكن للسرد المعتاد أن يقدمها بصورة ديناميكية. لذلك، وحسب (علي كاظم داوود) في كتابه عصر السرد، الفراشة للنشر والتوزيع،2015، «فإنّ استقدام تقنيات فن مرئي إلى فنّ محكي، على سبيل التجريب والتحديث، سيحقق إبدالا جماليا على مستوى الصورة الحكائية واقعية كانت أو متخيلة، ويمنحها حضورا مفارقا في المسار القصصي». ولعلّ تواشج الفني والقصصي في نصوص شبابيك زيانّة كان أحد العوامل الهامة التي وقفت وراء تميّز وتفرّد أولى تجارب الكاتبة العمانية بشاير حبراس في مجال كتابة القصص القصيرة جدا عمانيا وعربيا. 

جاسم بن جميل الطارشي باحث عماني