الفلسفة التي غابت عن جيلين
لم أدرس الفلسفة طوال سنوات المدرسة، ولم تدرسها ابنتي التي تنهي هذا العام دراستها الجامعية، وبين تجربتينا زمن طويل تغيرت خلاله المناهج المدرسية وطرق تدريسها، ودخلت إلى الفصول المدرسية والجامعية معارف وتقنيات لم تكن معروفة في جيلي، وبقيت الفلسفة خارجهما. ولا أعرف خطة معلنة لدى وزارة التعليم لإدخالها إلى الصفوف، أو لدى الجامعات وعموم مؤسسات التعليم العالي لجعلها جزءا من التكوين الجامعي العام، سواء في صورة مقرر اختياري متاح للجميع أو مقرر تأسيسي تشترك فيه جميع التخصصات.
أذكر أنني حين كنت طالبا في المدرسة كانت بعض الأسئلة تحاصرني مما لا أجد لها مكانا في المنهج الدراسي من قبيل كيف تشكّل هذا الكون وما الذي كان قبله؟ وإذا كان لكل شيء بداية فمن أين جاءت البداية الأولى؟ وهل الحياة التي أعيشها حقيقة أم حلم طويل؟ ومن يستطيع أن يقرر أن هذه اللحظة أصدق من لحظة الحلم، ما دام الحلم يبدو في أثنائه حقيقة كاملة؟ وكنت أسأل لماذا وُلدت أنا تحديدا وما الذي يجعلني الشخص نفسه فيما يتغير جسدي وأفكاري مع الزمن، وهل عشت في مكان آخر قبل هذه الحياة؟ وهل تخطر مثل هذه الأسئلة على غيري أم أنني أشقى بها وحدي؟ كنت أظن أن هذه الحيرة تخصني وحدي واكتشفت متأخرا أن الإنسان حمل هذه الأسئلة معه عبر الحضارات وأنها تقع في صميم التفكير في الوجود والمعرفة والهوية والزمن. أتصور اليوم بعد أن قرأت في الفلسفة قليلا أن دراستها كانت ستمنح أسئلتي لغة وتاريخا وتدلني على العقول التي سبقتني إليها، وتعلمني كيف أحوّل الحيرة من قلق مخيف إلى بحث واع.
من هذه التجربة الشخصية ينفتح سؤال يخص أجيالا كاملة حول الفجوة التي يتركها غياب الفلسفة في تكوين الإنسان. نستطيع أن نحصي المواد التي درسها الطالب والساعات التي أمضاها في كل منها والمهارات التي اكتسبها والدرجة التي نالها لكن يصعب أن نعرف، بعد ذلك كله، إن كان التعليم قد ساعده على فهم نفسه وعلى فحص الأفكار التي يعيش بها وعلى اختيار معنى النجاح الذي يريده لحياته.
عندما يسأل الإنسان عن العدالة يضطر إلى مراجعة إنصافه للآخرين وحين يبحث في الحرية يواجه الدوافع التي تحرك اختياراته، وحين يفكر في الحقيقة يكتشف مقدار ما يقوم عليه يقينه من العادة والثقة والخوف. تمتحن المعرفة الفلسفية الذهن وتسأل صاحبه عن الأساس الذي بنى عليه أحكامه والطريقة التي يريد أن يعيش بها.
يصل كل واحد منا إلى الحياة داخل عالم أعد له كثيرا من الإجابات، يجد لغة وهوية وانتماء، ويتلقى تصورات جاهزة عن الخير والشر وعن المكانة والنجاح وعن الأشخاص الذين ينبغي أن يثق بهم أو يخشاهم. وهذه الموروثات تمنحه نقطة البداية لكن الوعي يحتاج إلى مسافة يراها منها. تستطيع الفلسفة صنع تلك المسافة التي يفصل فيها الإنسان بين ما اعتاده وما اقتنع به، وعبرها يتحول الانتماء إلى موقف واع، وتصبح القيمة قناعة واعية يتحمل مسؤوليتها، ويبدأ الإنسان في المشاركة في تشكيل حياته بعد سنوات من تلقيها كما رتبها الآخرون. والتغيير الأعمق الذي تستطيع الفلسفة إحداثه في جوهر الإنسان هو أن تمنحه حرية داخلية تجاه أفكاره. وحين يغيب هذا التدريب عن أجيال متعاقبة تظهر الخسارة في المجال العام أيضا، وتتكاثر المواقف التي لا يفحص أصحابها مقدماتها، ويتحول الاختلاف إلى خصومة لأن الناس لم يتعلموا كيف يفصلون بين نقد الفكرة وإدانة صاحبها. وعندئذ يصبح المجتمع أكثر تعرضا لليقين المغلق والاستقطاب، وأقل قدرة على مراجعة نفسه.
لماذا، إذن، غابت الفلسفة عن التعليم؟ يكمن جانب من الإجابة في الطريقة التي أعيد بها تعريف وظيفة المدرسة والجامعة؛ لقد أصبحت المناهج أكثر ارتباطا بالمهارات التي يحتاجها الاقتصاد واتسعت سلطة الاختبار في تحديد ما يستحق أن يُدرّس. تستطيع المؤسسة التعليمية قياس قدرة الطالب على تذكر معلومة أو تطبيق قاعدة، بينما يصعب عليها وضع رقم لقدرته على الشك في حكمه أو إنصاف مخالفه. وهكذا يتقدم ما يمكن قياسه ويتراجع ذلك التحول البطيء الذي يحدث داخل الإنسان ولا تظهر نتائجه في ورقة الامتحان.
يقيس هذا التصور التعليمي قيمة المعرفة بقدر ما تؤهل الخريج للعمل، ولذلك يسأل عن الوظيفة التي سيشغلها وعن المهارة التي سيقدمها إلى سوق العمل. وتضيف الفلسفة سؤالا أكثر اتصالا بجوهر التعليم: أي إنسان سيمارس هذه الوظيفة؟ يستطيع الطبيب إتقان التشخيص والعلاج، لكنه يحتاج إلى الفلسفة حين يواجه أسئلة الكرامة الإنسانية، وحق المريض في الاختيار، وحدود التدخل الطبي، وتوزيع الموارد العلاجية حين تشح.
ويظهر أحيانا تخوف من أن يؤدي السؤال الفلسفي إلى زعزعة قيم الشباب أو دفعهم إلى الشك في كل شيء. يقوم هذا التخوف على خلط بين القناعة والامتثال، فالقيمة التي يفهم الإنسان أساسها ويختار الالتزام بها أرسخ من قيمة تقوم على الخوف من مناقشتها. وقد عرفت ثقافتنا عبر تاريخها تقاليد واسعة في النظر والمناظرة والجدل وأصول الاستدلال، وازدهر عقلها حين تعاملت مع السؤال بوصفه طريقا إلى المعرفة. استعادة الفلسفة في التعليم تعيد وصل الطالب بهذا الجزء الحي من تراثه، وتمنحه أدوات لفهم القيم والدفاع عنها بوعي.
وفي عُمان تشير بعض التحولات داخل الخطاب الديني المؤسسي إلى تراجع الحذر القديم من الفلسفة، فقد نشرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية أعمالا تقع صراحة في الحقل الفلسفي، منها «الفلسفة الأخلاقية» و«المبهج في فلسفة الجمال والفن»، وخصصت مجلة «التفاهم» التي أصدرتها الوزارة صفحات لقضايا فلسفة الدين والأخلاق. ويجعل هذا الانفتاح استمرار غياب الفلسفة عن المدرسة والجامعة مفارقة أشد وضوحا.
ويرتبط بغياب الفلسفة غياب تدريس المنطق باعتباره جزءا من التكوين العام. فالمنطق يعلم الطالب أن يسأل عما إذا كانت النتيجة تترتب حقا على مقدماتها وأن يميز بين الدليل والانطباع، وأن يكتشف المغالطة حين تختبئ داخل خطاب مؤثر. تفتح الفلسفة أمامه أسئلة الحقيقة والمعنى والقيمة، ويمنحه المنطق الانضباط الذي يحوّل التفكير من رأي عابر إلى حجة قابلة للفحص.
ويبقى نجاح العودة مرهونا بما نعنيه بتدريس الفلسفة. يستطيع الطالب أن يحفظ أسماء الفلاسفة وتعريفات المذاهب، ثم يغادر المقرر بالطريقة نفسها التي دخل بها. أما الدرس الذي يغيره فيبدأ من مشكلة تمسه، ثم يقوده إلى تعريف مفاهيمه وتقديم أسباب موقفه والاستماع إلى الاعتراض عليه. المعلم هنا يحمي نزاهة الحوار، ويرفض الادعاء الذي لا يسنده دليل، ويمنح الطالب حرية الوصول إلى النتيجة التي تقوده إليها حجته. ويُقوَّم الطالب على جودة تفكيره لا على مقدار تطابق رأيه مع رأي واضع الامتحان.
يمكن أن يبدأ تدريس الفلسفة في السنوات الأولى بأسئلة بسيطة عن العدل والصداقة والحقيقة، ثم يتعلم الطالب تحليل الحجة والتمييز بين الرأي والدليل، قبل أن يلتقي في المرحلة اللاحقة بالنصوص والمشكلات الكبرى التي رافقت الإنسان عبر تاريخه. وفي الجامعة يحتاج كل طالب إلى مقرر فلسفي مشترك، تستكمله مقررات تتصل بأخلاق الطب والقانون والاقتصاد والإعلام والعلوم.
لا أعرف كيف كانت الفلسفة ستغيرني لو درستها في المدرسة ولا كيف كانت ستغير تجربة ابنتي. أعرف أننا أمضينا سنوات طويلة في التعليم من دون أن تهيئ لنا المناهج مساحة منتظمة نسأل فيها عن معنى ما نتعلمه وعن الإنسان الذي نريد أن نصبحه. وليس من الحكمة أن يكرر جيل ثالث التجربة نفسها. إن عودة الفلسفة إلى التعليم تعيد المعرفة إلى غايتها الإنسانية الأعمق: أن تساعد الإنسان على معرفة العالم، وأن تتركه في النهاية أكثر معرفة بنفسه.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان
