في آسيا والمحيط الهادي.. الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
غدا مجال الذكاء الاصطناعي اليوم من التقنيات القليلة التي تضع لها المؤسسات اعتبارات كبيرة، وفي ذات الوقت لا تقوم نفس تلك المؤسسات بالاستعداد إلى هذا المجال بالشكل الصحيح، على سبيل المثال نجد أن الوضع في منطقة آسيا والمحيط الهادي دون المستوى المطلوب من الاستعداد؛ فبالرغم مما تشير إليه الإحصائيات من إيمان تلك المؤسسات بقدرات الذكاء الاصطناعي الهائلة على تشكيل الأداء المؤسسي، إلا أنها لا تطبق الأسس التنظيمية اللازمة للاستفادة المنهجية من تلك القدرات، والواقع مختلف تمامًا عما تؤمن به هذه المؤسسات.
وقد أظهر استطلاع قامت به مؤسسة «كي بي إم جي» العالمية حول الذكاء الاصطناعي بالاستناد إلى بيانات أكثر من 2100 من كبار رجال الأعمال وقادة المؤسسات في 20 دولة وتم نشره في مارس الماضي أن المؤسسات التجارية في منطقتي آسيا والمحيط الهادي تخطط بشكل جاد لاستثمار ما متوسطه حوالي 245 مليون دولار أمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك خلال الأشهر الاثني عشر القادمة، وهذا الرقم كبير جدا؛ حيث يتجاوز متوسط الاستثمار الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي يقدر بحوالي 178 مليون دولار أمريكي، أما متوسط الاستثمار في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا فيقدر بحوالي 157 مليون دولار أمريكي، أما المتوسط العالمي المتوقع فقط يصل إلى 186 مليون دولار أمريكي، ولكن هل المال وحده كافيا؟
ترى مؤسسة «آي دي سي» أن عدم الالتزام الحقيقي بما تؤمن به مؤسسات آسيا والمحيط الهادي سيصنع فجوة كبيرة بين آمالها وما تؤمن به، وترى أن تلك المؤسسات سوف تفشل في نهاية عام 2026، وحددت نسبة الفشل بـ 45 % في حالات الاستخدام الرقمي المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى جانب مؤسسات اليابان، ولن تتمكن تلك المؤسسات من تحقيق أهدافها المتعلقة بعوائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وترجع مؤسسة «آي دي سي» تلك التوقعات إلى عدة أسباب، وفي المقام الأول ضعف البنية التحتية للبيانات وعدم وضوح الأهداف، وهذا لا يعني أن هناك أوجه قصور في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.
وهنا يمكن أن تتضح وجهة نظر مؤسسة «آي دي سي»؛ فهي لا ترى أن أوجه القصور في المبالغ التي تدفعها تلك المؤسسات، ولا في القدرة المالية للاستثمار في المجال، إنما في التنفيذ، وهنا يتطلب الأمر طرقا مختلفة تماما لحل تلك المشكلة، ولا يمكن أن يتم حلها بالطرق التقليدية؛ فمن النادر أن تكون نتائج تطبيق الذكاء الاصطناعي في المؤسسات ناجحًا دون خطة حقيقية وتغيير غير تقليدي، وفي الأغلب إذا ما تم استخدام الذكاء الاصطناعي دون ذلك فإن النتائج تكون زائفة وتوحي بالتقدم الوهمي؛ لذلك نرى أن تلك المؤسسات ترجع سبب الإخفاقات بطريقة غريزية تبحث عن تفسيرات واهية، منها عدم كفاية النموذج، أو أن التنفيذ كان متسرعا، أو أن المورد لتلك التقنية يبالغ في وضع التصورات، والنتيجة أن المؤسسة فشلت في التوسع.
لا أنكر أن تلك المبررات تحمل بعض الحقيقة، ولكن مع ذلك فإن دراسة أخرى أجرتها «جرانت ثورنتون» حول تأثير الذكاء الاصطناعي لعام 2026 أشارت إلى مشكلة جوهرية تتمثل في أن الموافقة التي تمنحها العديد من المؤسسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي تحدث قبل طرح الأسئلة والبحث بشكل دقيق لاتخاذ التدابير ووضع السياسات غير التقليدية.
وتتجلى هذه المشكلة بصورة أوضح عندما نعلم أن مجالس إدارات العديد من المؤسسات وافقت على ضخ الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي قبل أن تضع أطرا واضحة للحوكمة، كما سارعت القيادات التنفيذية إلى نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل مؤسساتها دون تحديد واضح للمسؤوليات أو الجهات المالكة لتلك المبادرات، حتى إن بعض البرامج توسعت بصورة كبيرة قبل الاتفاق على الكيفية التي يمكن من خلالها قياس النجاح بعيدا عن مؤشرات النشاط أو الحماس الذي يصاحب المراحل التجريبية الأولى.
وكانت النتيجة، بحسب الدراسة، ظهور ما يعرف بـ «فجوة الإثبات»، وهي الفجوة التي تعكس عدم قدرة المؤسسات على إثبات القيمة الحقيقية للاستثمارات التي ضختها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن الفجوة بين حجم الاستثمار والنتائج المتحققة ليست مشكلة تقنية في المقام الأول؛ وبالتالي لا يمكن معالجتها بمجرد اختيار تقنيات أو منصات أفضل.
وتقدم بيانات مؤسسة «آي دي سي» صورة أكثر وضوحًا لحجم هذا التحدي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 75 % من المؤسسات في منطقة آسيا والمحيط الهادي واليابان بدأت بالفعل في تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل، كما يرى 61 % من الرؤساء التنفيذيين أن الذكاء الاصطناعي الوكيل والذكاء الاصطناعي التوليدي يمثلان أولوية الاستثمار الأولى بالنسبة لهم، ومع ذلك فإن أكثر من ثلث تلك المؤسسات ما زال عالقا في مرحلة التجارب أو الحلول المحدودة دون القدرة على الانتقال إلى تطبيقات مؤسسية واسعة النطاق.
ومن الواضح أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يسير بوتيرة متسارعة في حين أن الحوكمة لا تزال تتحرك بوتيرة أبطأ وأكثر حذرا، وهي صورة قد تبدوا مألوفة لدى القيادات التي سبق لها إدارة قطاعات الإبداع والتسويق والإنتاج في بيئات عمل معقدة ومتعددة الأسواق حيث يتكرر هذا النمط بصورة واضحة.
ولا يعني النجاح في الذكاء الاصطناعي بالضرورة أن المؤسسة كانت الأسرع في تبني التقنية أو الأكثر إنفاقا عليها، كما لا يعني امتلاكها الأدوات الأكثر تطورا أن المؤسسات التي تحقق عوائد حقيقية هي في الغالب تلك التي حرصت على بناء رؤية واضحة قبل التوسع في التطبيق.
فقد عملت تلك المؤسسات على تحديد معايير النجاح داخل سير العمل اليومي بدلا من الاكتفاء بالشعارات والخطط النظرية، كما وضعت أطرًا واضحة لقياس الأداء قبل تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي، واهتمت بتنظيم بياناتها ورفع جودتها قبل زيادة طموحاتها الاستثمارية، وحددت المسؤوليات بوضوح قبل تخصيص الميزانيات.
وربما لا تبدو هذه الإجراءات من الموضوعات التي تتصدر المؤتمرات أو العروض التقديمية، إلا أنها في الواقع الأكثر قدرة على تحقيق النتائج؛ ولذلك أصبح من الضروري أن تنتقل النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من التركيز على قدرات التقنية نفسها إلى كيفية إدارة المؤسسات لها وآليات تشغيلها بصورة صحيحة.
واليوم لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت المؤسسات قادرة على الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ فمعظمها يمتلك تلك القدرة بالفعل، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية يتمثل في مدى قدرتها على دمج الذكاء الاصطناعي بصورة متماسكة داخل آليات اتخاذ القرار، وتنفيذ الأعمال، وقياس القيمة التي تحققها، وهو تحد يختلف تماما عن مجرد امتلاك التقنية.
وتشير توقعات مؤسسة «جارتنر» إلى أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي سيصل خلال عام 2026 إلى نحو 2.59 تريليون دولار أمريكي بزيادة سنوية تبلغ 47 %، وذلك في وقت تدخل فيه هذه التقنية ما يعرف بمرحلة «وادي خيبة الأمل»، وهو ما يعكس مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها.
فمن ناحية لا تزال رؤوس الأموال تتدفق بقوة نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ومن ناحية أخرى ما زالت مؤسسات كثيرة تواجه صعوبة في إثبات القيمة الفعلية لهذه الاستثمارات عند تطبيقها على نطاق واسع، وهو ما يجعل منطقة آسيا والمحيط الهادي تقف اليوم في قلب هذه المعادلة، خاصة وأن مؤسسة «آي دي سي» تتوقع أنه بحلول عام 2030 سيأتي نصف القيمة الاقتصادية الجديدة التي تحققها الشركات الرقمية في المنطقة من المؤسسات التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي منذ الوقت الحالي.
وستكون المؤسسات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تنظر إلى الحوكمة، وقياس الأداء، وتحديد المسؤوليات، والانضباط في إدارة البيانات باعتبارها متطلبات أساسية تسبق تطبيق الذكاء الاصطناعي، لا خطوات يتم التفكير فيها بعد بدء التنفيذ.
كما ستدرك أن المكاسب الأولى التي تحققها في الإنتاجية ليست سوى البداية، وأن الميزة التنافسية الحقيقية تبدأ عندما يعاد تنظيم العمل وقياسه والتوسع فيه بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، لا بمجرد استخدامه كأداة تقنية إضافية.
ولهذا فإن المؤسسات التي تحقق أثرا حقيقيا تعمل على إعادة تصميم العلاقة بين الإنسان والآلة بما يضمن تكامل أدوارهما بدلا من إقصاء الخبرة البشرية أو الاستغناء عن دورها في اتخاذ القرار.
ولا تقتصر هذه الفكرة على القطاع الذي تناولته الدراسة، بل تمتد إلى مختلف القطاعات؛ فبعد أن يصبح التشغيل الآلي أمرًا اعتياديًا تنتقل الميزة التنافسية إلى المرحلة الأخيرة التي يتم فيها خلق القيمة الحقيقية للعميل، وإلى قدرة المؤسسة على إدارة جميع عناصر العمل المحيطة بهذه المرحلة بكفاءة عالية.
وفي النهاية؛ فإن الفجوة القائمة بين حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والنتائج التي تحققها المؤسسات لا ينبغي أن تكون سببًا لتقليص الطموحات، وإنما تذكيرًا بأن الطموح وحده مهما كان كبيرا لا يمكن أن يحقق نتائج مستدامة إذا لم يستند إلى بنية تنظيمية قوية قادرة على دعمه وتحويله إلى واقع عملي.
أمارديب ديفاداسون الرئيس العالمي للتسويق في شركة ويليامز ليا ومسؤول قسم حلول الإبداع والتسويق بشركة «آر آر دي»
نقلا عن آسيا تايمز
