No Image
عمان العلمي

هل نحن في فقاعة الذكاء الاصطناعي؟

22 يوليو 2026
22 يوليو 2026

المعتصم الريامي

في عالم مليء بالتقنيات الحديثة والمتجددة التي تريد أن تقول لك إن شيئا ما قد يفوتك، ويكاد ألا ترى في الأنترنت عامة -ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة- موضوعًا دون أن يتطرق إلى الذكاء الاصطناعي وأدواته والحيل التي ستصنع من الفرد كائنًا خارق الإنتاجية أو مديرًا لجيش من وكلاء الذكاء الاصطناعي، وينقسم الناس فيها إلى محب وربما لاهث وراء هذه التقنيات وبريقها، ومستخدمٍ شديد الانغماس فيها والدفاع عنها ونشر الطرق والحيل والمشاريع التي صنعها بهذه الأدوات، وقسم من الناس يرى أنه كلما زاد الضجيج حول هذه التقنيات زاد نفوره منها، وهناك من الناس من يتوسط الفئتين متأنيًا أو متفرجًا. وفي غضون هذا الجدل، هناك من يحلم بعالم يحل فيه الذكاء الاصطناعي كل مشاكل البشر، وهناك من لا يمل من تحذيراته بأنها فقاعة واهمة وستنهار قريباً، وفريق ثالث يرى أن هذا الذكاء في أوج ازدهاره، وأنه سيبقى ويتطور وتُضبط شؤونه بالتقنين والحوكمة، كما جرى لشبكة الإنترنت من قبل. كل هذه الآراء تستحق التوقف والنقاش والبحث والاستعداد. وليكن سؤالنا اليوم:

هل هذا الذكاء الاصطناعي فقاعة أصلًا ؟ وهل تستند الوعود بالاقتصادات الهائلة والعوائد الخيالية إلى حقائق تقنية واقتصادية راسخة؟ أم هي سرابٌ زائفٌ ومبالغةٌ مُفرطة؟ ولا سيما حين يستعيد المرء ذاكرته إلى عهدٍ ليس ببعيد، مطلع الألفية سنة 2001، حين انهارت الأسواق، وفي مقدّمتها كبريات شركات التقنية، فيما يعرف بفقاعة الأنترنت، أو فقاعة الدوت كوم، والتي استمرت في الطفرة والتضخم منذ عام 1995 إذ ارتفعت الاستثمارات في شركات الأنترنت بشكل خيالي، وسط وعود بأن هذا الأنترنت سيغير شكل العالم كله وبسرعة هائلة، وأنه ينبغي الإسراع في اللحاق بالقطار قبل فوات الأوان، وتبخرت بعدها الأوهام بالأرباح الطائلة وانهارت أسواق المال وسببت أزمة اقتصادية طاحنة في العالم أجمع. فهل نحن نعيش في مثل هذه الفقاعة الآن بسبب الاستثمارات الضخمة جدا في الذكاء الاصطناعي؟

لنجيب على هذا السؤال، دعونا ننظر ببساطة على حجم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وحجم عوائدها، وبنظرة سريعة على أكبر أربع شركات تقنية في العالم وهي: أمازون، وألفابت/ جوجل ، وميتا، ومايكروسوفت، والتي تخطط لإنفاق 725 مليار دولار في هذا العام على الذكاء الاصطناعي وحده، وبزيادة أكثر من 75% عن العام الفائت، ويُقدَّر أن يتجاوز إنفاقها تريليون دولار سنة 2027. غير أن هذا الإنفاق الهائل جدا على الذكاء الاصطناعي لا يُتوقع له أن يأتي بعوائد أكثر من 35 مليار دولار فقط. هذه الفجوة الهائلة جدا بين مقدار الإنفاق والعائد المتوقع هي أكثر ما يثير القلق أننا فعلا في فقاعة اقتصادية كبيرة. وهذا ما يتوقعه كثير من المراقبين والمحللين والمستثمرين، ومن بين المتوقعين مايكل بيري، الذي سبق أن تنبأ بانفجار فقاعة الرهن العقاري سنة 2008، وهو الآن يراهن على أن أسهم عمالقة الذكاء الاصطناعي سائرةٌ نحو الانحدار ثم الانهيار، إذ يرى أن هذه الشراهة الكبيرة والحماس المفرط في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي غير طبيعي وغير مستدام مطلقًا، بل إن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيه آي نفسها، يصف ما يجري في هذا القطاع بالجنون؛ إذ كيف لشركةٍ من ثلاثة أشخاصٍ لا تملك سوى مجرد فكرة في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحصلوا على تمويل يصل إلى مليار دولار!

أما بنك أوف أمريكا، فلديه مؤشر للفقاعات الاقتصادية، وهو يحسب مدى هشاشة قطاعات الاستثمار، والتقلبات فيها، والعوائد مقارنة بالاستثمارات، وهو يقيسها من 0 إلى 1، وكلما اقترب المؤشر من الرقم 1 كان الوضع أقرب لانفجار الفقاعة، وقد بلغ هذا المؤشر الآن 0.91 أي أنه اقترب كثيرا من مستوى الخطر. وفي دراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT -وهو من أعرق المؤسسات البحثية في العالم- تبيّن أن 95% من مشروعات الذكاء الاصطناعي لم تُثمر نتائج ملموسة رغم إنفاق ما يقارب 40 مليار دولار عليها، وهذا ينذر بخطرٍ حقيقي لا يُستهان به.

في الجهة المقابلة، يحاجج فريق آخر بأن الأمر خلاف ذلك، فالشركات الكبرى المستثمرة في هذا القطاع، تجني منه أرباحًا، وإن كانت ضئيلة الآن، فإن أثرها سيظهر في السنوات المقبلة. كذلك فإن الإيرادات المتوقعة من هذا القطاع متعاقد ومتفق عليها، وليست وهمًا في الخيال، كما أن هناك من يجادل أن الاستثمار في المصانع ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية استثمار سيغير العالم ومستقبله، وبالتأكيد سيحتاج لإنفاق ضخم يساهم في أكبر توسع للبنى التحتية في تاريخ البشرية. أما جيرم باول وهو الرئيس السابق للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو رجلٌ اقتصادي مؤثر في العالم، وكثيرا ما هدده وابتزه وضغط عليه ترامب دون جدوى، فيرى أنه ما دامت هذه الاستثمارات يتم ضخها من تدفقات الشركات المالية فلا تشكل خطرا، فتلك أموالها وإن خسرتها ستخسرها لوحدها، إلا حين يكون تمويل هذه الاستثمارات الهائلة بالديون، حينها نقرع ناقوس الخطر، فحينها نخاطر بأموال ليست بأيدي الشركات مقابل رهن لوعد مستقبلي غير مضمون بإمكانية إرجاع هذه الديون.

ويبدو تحذير باول في محله تمامًا، فقد تصاعدت مؤخرًا، وبشدة، وتيرة تمويل هذه المشاريع بالديون وبطرقٍ ملتوية جدا. حيث تقوم الشركات الكبرى بالاستثمار في بعضها وتمويل بعضها لتدور الصفقات فيما بينها على أمل أن كلًا سيأخذ نصيبه حين تأتي الاستثمارات بأرباحها. فشركة نفيديا لشرائح الحواسيب تستثمر مثلا 100 مليار في شركة أوبن أيه آي لتمويل الكهرباء لمراكز بياناتها -بمقدار طاقة تكفي لتشغيل مدينة كبيرة- وذلك مقابل التزام أوبن أيه آي بشراء الملايين من شرائح نفيديا، كما وقعت أوبن أيه آي صفقات لشراء شرائح شركة AMD لتصبح من كبار مساهميها، ومايكروسوفت استثمرت 13 مليارًا في أوبن أيه آي، ونفيديا تستثمر أيضا 15 مليارًا في أنثروبيك، هذه الصفقات وغيرها تعرف بالصفقات الدائرية، إذ تدور فيها المليارات بين الشركات نفسها، أشبه بمن يخرج المال من جيبه اليمين ليضعه في جيبه اليسار، دون أن تدفع هذه الشركات شيئًا يذكر في حقيقة الأمر، بل تتعزز قيمتها بادّعاء استثماراتٍ بمليارات الدولارات، فترتفع أسعار أسهمها في الأسواق، ويتضخم الأمل المعقود عليها. وهي، كما تصفها صحيفة «بلومبرغ»، حوافز مشوّهة زائفة، القصد منها تضخيم الطلب لجذب استثماراتٍ أكبر وهو الحاصل فعلا في هذا القطاع، وهو ما قد يضاعف الخسائر إذا انفجرت هذه الفقاعة.

علاوةً على هذه الصفقات الملتوية، تتراكم ديون هائلة مرتبطةً بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، تقدر بأكثر من 200 مليار دولار، وفي مصادر أخرى تصل إلى 335 مليار دولار، وحسب تقرير وكالة موديز Moody›s فإن هناك نحو 662 مليار دولار قيمة إيجارات مراكز البيانات وأن هذه الإيجارات آجلة الدفع لم يحن موعد سدادها، وهي أكبر من مجمل الديون كلها لكل الشركات التقنية الكبرى. ولا ننسى أننا في عالم متقلب أصلا، في ظل ارتفاع معدلات التضخم يوما بعد يوم، وعالم غير مستقر، وليس أدل من ذلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي نتج عنها إغلاق مضيق هرمز، الذي أثر على أسعار النفط ومعدلات التضخم وتزايد الأسعار، وهذا ما يشكل ضغطا على كل القطاعات بدون استثناء.

ولندفع أو نقلل من مخاوف أننا في فقاعة اقتصادية ستنفجر على رؤوسنا في أية لحظة، لا بد لنا من أن نقدر حجمها، ونخطط لها؛ إذ تشير التوقعات إلى خسائر تتجاوز 35 تريليون دولار داخل أمريكا وخارجها، إذا انفجرت هذه الفقاعة، وقد تكون الخسائر أفدح من ذلك نظرًا لضعف الدولار وتراكم الديون الأمريكية غير المسبوق. وتلك الخسائر ستكون في السندات والأسهم قبل أي شيء، ثم تتابع أحجار الدومينو في السقوط. ولتبقى الدول في أمان، عليها أولًا أن تتوخى الحذر قبل الاندفاع المدعوم بحماس الآخرين والتقييمات المبالغ فيها في الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي، كما ينبغي تقنين القروض وبناؤها على نظرة منطقية محسوبة بدقة وواقعية.

حين انفجرت فقاعة الدوت كوم، صحيح أن الأسواق انهارت غير أن معظم التقنيات استمرت وتطورت بطرق منطقية وعقلانية وبدون وعود مبالغ في مستقبلها الباهر، وهو ما قد يحدث في حال أننا فعلًا نعيش في فقاعة الذكاء الاصطناعي وأنها ستنفجر. فالألياف التي تم الاستثمار فيها بشدة ذلك الوقت تم استخدامها فيما بعد، حتى لو لم تحقق النمو السريع وقتها، وهذا قد يحدث أيضا، بوجود فارق جوهري، هو أن معظم شرائح الذكاء الاصطناعي تتقادم وتتهالك بسرعة، وعمرها التشغيلي لا يتعدى ثلاث سنوات فقط.

يعلمنا التاريخ أن الحضارات دائما ما تسير وفق منحنى في النمو، تنمو وتزدهر حتى تبلغ الذروة، ثم في أوجها تتباطأ أو تنهار، كذلك في الأسواق المالية فلها دورات سعرية، تبدأ فيها تجميع الأموال من كبار صناع السوق لمنتج أو قطاع ما، ثم يروجون الأمر للدول والأفراد بوعود كبيرة، فيشارك الجميع في هذا الزخم الكبير وترتفع الأسعار فيها بشكل كبير، ثم حين يصل الأمر لحد الفائض يبيع المستثمرين الكبار من صناع السوق حصتهم بأرباح كبيرة أضعاف ما استثمروه في البداية، وينهار حينها السوق على جميع من بقى فيه. وسواءً أكنا نحن الآن في فقاعة حقًا أم لم نكن، فليس من الطبيعي أو الصحي أن تتجه معظم استثمارات العالم نحو جهةٍ واحدة.

المعتصم الريامي مطور ومهتم بالتقنية