No Image
ثقافة

قصيدة «الاستقالة» الشعرية لعبدالله الخليلي وما تلاها

11 يوليو 2026
11 يوليو 2026

محمد الحضرمي

التقيتُ بالشاعر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي (ت: 30 يوليو 2000م)، وجالسته بين ضحوات وأمسيات، خلال سنوات العقد الأخير من حياته، في تسعينيات القرن العشرين الماضي، وتشرَّفت بحضور مجلسه الشعري، الذي أقامه في مجلس منزله بالقرم، مساء الاثنين من كل أسبوع، وأمَّهُ الشعراء من أصدقائه وأترابه العمانيين وأكاديميين وغيرهم، وحاورته صَحفيًا أواخر عام 1998م، بمناسبة تكريمه في «مهرجان الشعر العماني»، الذي أقيم لأول مرة في مدينة نزوى، بتاريخ 16 ديسمبر 1998م، لكن الشيخ لم يشارك بالحضور، فحالته الصحية آنذاك الوقت لا تسمح له، وإنما حضرت قصيدته «شَبَحُ الهَوَى»، صدحت بها حنجرة تلميذه الشاعر حبراس بن شبيط السَّمائلي، ذات المطلع الشيِّق:

رَبَطَتْ سُرَاهُ على الهَوَى بِسُرَاها

فسَعَتْ خُطاهُ شَجِيَّةً بخُطَاها

وَتَسَابَقَتْ بالحُبِّ في آفاقِهِ

فَتَفاعَلَتْ لِغَرَامِهِ شَفَتاها

وَجَلَتْ حَبيبَ فؤادِها في أفْقِها

مُتَصَدِّرًا مِنْ آيِها أعْلاها

إنه أمير البيان بلا منازع، وأهم شاعر عرفته عُمان خلال القرن العشرين، شاعر مطبوع بقامة تطاول كبار القامات الشعرية في الوطن العربي، وبقي متشبثًا بكتابة القصيدة العمودية ولم يبرح عنها بيتًا واحدًا، وحتى تجربته في كتابة الشعر الحر، التي جمعها في ديوانه «على ركاب الجمهور» صدر عام 1988م، كانت في شكلها العَروضِي فقط، تمثَّلتْ في كتابة أربع مسرحيات شعرية، وبقي عبدالله الخليلي متمسكًا بقصيدة القافية، ومؤمنًا بها حتى رمقه الشعري الأخير، وحتى كتابة قصيدة «شبح الهوى»، لعلها آخر قصيدة كتبها الشاعر، وإن لم تكن كذلك فهي من أواخر شعره، نشرها في جريدة عُمان في يوم تكريمه.

ولو لم تجمعني به لقاءات وجلسات في منزله العامر بمدينة القرم، وتذوقت قراءات لقصائده بحضوره، لخسرت تجربة شعرية كبيرة، أسهمت في بنائي الأدبي، فاللقاء بالشاعر له معنى كاللقاء بقصائده، تلك اللقاءات تبوح بمعرفة إنسانية، وما زلت أقتات من حس تلك اللقاءات مع الشاعر عبدالله الخليلي، وأشعر بها كلما تذكرته، أو قرأت أحد دواوينه، بدءًا من «وحي العبقرية»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1978م، وانتهاء بديوان «فارس الضَّاد»، وكم تغنيتُ في داخلي بقصيدة «ما بَيْنَ مُعْتَرَكِ الرَّجَا واليَأسِ»، وقصيدة «هَمَسَاتُ الوَدَاعِ عِندَ الغُرُوبِ»، وغيرها من روائع القصائد الخليلية.

أسوق هذا التقديم، للكتابة عن حَدَثٍ شعري فريد، بإعلان الشاعر عبدالله الخليلي استقالته عن كتابة الشعر، في أمسية شعرية نظمتها مجلة «الغدير» لأول مرة، يوم الثالث من شهر مايو 1983م، وأقيمت في «المعهد الإسلامي الثانوي»، والذي كان يقع في مدينة الوطيَّة، شارك في تلك الأمسية مجموعة من الشعراء، من بينهم أبو سرور الجامعي، وأحمد بن عبدالله الحارثي، ابتدأت بالشاعر عبدالله الخليلي، بقراءة بيان نثري أعلن فيه استقالته عن كتابة الشعر، قال فيه: (أيها الإخوة: إني لحَريصٌ على أن أحضر أمسيتكم وندواتكم مستمعًا، لا منشئا أو منشدًا، ذلك لأني لا أحب أن أُعنى بالشعر كشاعر، لأسباب أعرفها في نفسي، مع أني لا ولن أتخلى عن روَّاده ومنشديه، وعن سماع ما لديهم من إنتاج، لأشاركهم الغبطة والبهجة، وأقاطفهم أزهار الأنس والمَسرَّة، وفي ختام كلمتي هذه ألْفِتُ أسماعكم إلى أبيات أعبِّر لكم فيها عن رأيي الأخير)، وبعد البيان قرأ قصيدة «الاستقالة» ذات المطلع:

مَالِي وللشِّعْرِ يَحْدُونِي وأحْدُوهُ

غَدَاةَ أوْشَكَ يَسْلونِي وأسْلوهُ

غَداةَ لا العُودُ تكسُوهُ نَضَارَتُهُ

ولا الفُؤادُ يُناجيهِ مُحِبُّوهُ

ولا الحَيَاةُ كما كانَتْ مُعَطَّرَةً

ولا العَنانُ عَنانٌ حِينَ تَدْعُوهُ

تتألف القصيدة من أربعة وعشرين بيتًا، وأثار إعلانه ذلك ما يشبه الهَزَّة في وجدان الساحة الثقافية العُمانية، هذا الحدث لم يكن صغيرًا ولا عابرًا، فقد تلاحقت المقالات المُعقِّبة على الحدث، نشرتها جريدتا عُمان والوطن، وخصصت مجلة «الغَدِير» الثقافية، التي كانت تصدر شهريًا خلال تلك الفترة، ملفًا بعنوان: «استقالة من الشِّعر»، جمعت فيه كل ما نُشِر عن الاستقالة، في الصحف ووسائل الإعلام العُمانية، من مقالات وقصائد شعرية وأخبار، نُشِرَ الملف في العدد رقم 72 من المجلة، الصادر في شهر جمادى الأولى 1404هـ، فبراير 1984م.

قدم الملف تحليلًا وتفسيرًا لتجربة الاستقالة المفاجئة التي أعلن عنها الخليلي، من بينها مقالة الأستاذ أحمد بن عبدلله الفلاحي مدير تحرير «الغدير»، ومقالة أخرى للكاتب ناصر السيابي، بعنوان «حديث الاستقالة»، نشرها في خمس حلقات بجريدة الوطن، كتب فيها تحليلًا لتلك القصيدة ولحادثة الاستقالة، أثارت إعجاب الكاتب أحمد الفلاحي، فكتب على إثرها مقالة يشيد بها كثيرًا، بعنوان: «ناصر السيابي وتساؤلاته عن استقالة الشاعر الخليلي».

ومقالات أخرى للكاتب عبدالله الريامي، وعبدالقادر عقيل، وعبدالعزيز غلوم، وحمد بن رشيد، وزاهر بن محمد المحروقي، الذي تحدَّث عن الاستقالة في برنامج إذاعي بعنوان: «نافذة على العالم»، كما نَظَمَ الشعراء قصائد في الشيخ الخليلي، من أمثال هلال بن سالم السيابي، وعلي بن شنين الكحَّالي (ت: 1996م)، وسعيد بن محمد الصقلاوي، ومحمد بن أحمد الحارثي (ت: 2018م)، ومحمد بن سلطان النبهاني وغيرهم، وتطورت الحادثة إلى أن نُشِرَ عنها في بعض الصحف والمجلات الثقافية كمجلة «الدَّوحة القطرية»، وكان الكُتَّاب بين مؤيد ومعارض، فالمؤيدون وهم من غير العُمانيين، يرون أنَّ الشاعر من حقه أن يتوقف عن كتابة الشعر، احترامًا منه لتجربته، حتى لا يكرر نفسه، وحين لا يأتي بجديد، فقد نَشَرت جريدة الخليج خبرًا عن هذه الاستقالة، قاربت بينه وبين استقالة الشاعر العِراقي بلند الحيدري (ت: 1996م)، الذي كان قد أعلن استقالته عن كتابة الشعر، وبذلت الأقلام العُمانية نثرًا وشعرًا جهدًا، بمطالبة الشيخ عبدالله بالعودة إلى كتابة الشعر، مدركين أهمية الشاعر الخليلي، وأنَّ التعليل الذي ساقه في بيانه، لا يبرر له توقفه عن كتابة الشعر.

وكم كنت سعيدًا حين قرأت ذلك الملف التوثيقي المهم، وهو عمل ريادي بالنسبة لنشر الملفات الأدبية في الصَّحافة العُمانية، إذ لولا ذلك الملف لضاع حدث الاستقالة والحديث عنه، وكان من الصَّعب الإلمام بتفاصيله، وقراءة ما كُتب عنه من مقالات وقصائد وأخبار وما نتج عنه، حتى استجاب الشاعر عبدالله الخليلي بعد ذلك لنِداءات الكُتَّاب والشعراء، وعاد بقصيدة جديدة، نشرتها مجلة «الغَدِير» في ذات العدد، بعنوان «جُرْح الليالي»، لكنه أباح فيها عن رغبته في هجر كتابة الشعر، فبدت وكأنها استقالة ثانية، بدأت القصيدة بهذا المطلع:

خَليليَّ حَتامَ الزَّمانُ مَطُولُ

وَحَتَّامَ دَهْرِي أرْبَدٌ وَطَويلُ

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف تتوافق استقالته الأولى عن كتابة الشعر، وعودته الثانية إلى كتابة الشعر، بقصيدة جديدة تؤكد الاستقالة؟!

في تصوري أنَّ الشاعر لم يكن يريد أن يستقيل من كتابة الشعر، ولكنه بتواضعه المعروف عنه، أراد أن يفسح المجال لغيره، في الأمسيات والمسابقات، فكانت الاستقالة مجرَّد فكرة شعرية، انقدحت في وجدانه فعبَّر عنها شِعْرًا، ومنها تعرَّف على ردة الفعل من قبل المثقفين والشعراء، وهو ما أرضاه، وأدرك أن مكانته كشاعر باقية، وقد استقال وهو في ذروة عطائه، لكنها استقالة انتهت بالعودة إلى كتابة الشعر من جديد.

وما بين إعلان الشاعر استقالته عام 1983م، وكان حينها قد نشر ديوانه «وَحيُ العبقرية»، وحتى وفاته بتاريخ 30 يوليو 2000م، سبعة عشر عامًا، أبدع خلالها في كتابة الكثير من القصائد الشعرية، حتى دخوله غيبوبة مرض شلل الرعاش، أو «الباركنسون» في السنة الأخيرة من عمره، ولو لم يكتب الشعر وأصرَّ على هجره، لخسرت الساحة الكثير من إبداعه الشعري، ورحم الله الشيخ عبدالله الخليلي، الذي أخلص في كتابة الشعر، وتنوَّعَ نتاجه الأدبي بين الشِّعر والنثر، بما يجعل النقاد يكتبون عنه بتنوع، بين شاعريته الجزلة في قصائده، وبلاغة تعبيره في رسائله، ومقاماته ومقالاته النثرية.