الحسن بنمونة: القصة الناجحة تُمتع الطفل وتدفعه إلى ابتكار حكاياته الخاصة
حوار: خلود الفزاري
امتدت رحلته لأكثر من أربعة عقود منذ بداية شغفه بالكتابة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت الصحف والمجلات الثقافية العربية والمغربية تزخر بالأفكار والحوارات التي شكلت وعيه وصقلت تجربته. وبين القراءة والكتابة شق طريقه مستنداً إلى إيمان راسخ بأن الأدب لا يُولد صدفة، وإنما تصنعه المعرفة والخيال والمثابرة. بدأ تجربته بكتابة القصة والمقال الأدبي، قبل أن يجد مساحته الأوسع في أدب الطفل، الذي رأى فيه مجالاً يجمع بين متعة الإبداع والرسالة التربوية، مؤمناً بأن القصة وسيلة لغرس القيم وإثارة الخيال وتترك أثرا يبقى في وجدان الأجيال.
صدر له ما يجاوز المائة وعشرين كتابا، في دور نشر عربية، وعشرات القصص المنشورة في مجلات الطفل في العالم العربي؛ في العربي الصغير ووسام وبلبل والنفري الصغير.. بأفكار وأساليب مختلفة. وتشكلت علاقته المبكرة بالقراءة مع طفولة غنية بالقراءة وبيئة اجتماعية تزخر بالحكايات، والتجارب الإنسانية من الأسواق الأسبوعية ومكتبة المدرسة إلى الكتب التي احتضنها منزل الأسرة، إلى جانب الحي الذي نشأ فيه بما احتواه من شخصيات ومواقف وحكايات كانت منبعا لإلهامه وتركت بصمتها في عالمه الأدبي.
من تلك البدايات شق القاص المغربي الحسن بنمونة رحلته حتى أصبح من أبرز الأصوات التي كرّست إنتاجها لأدب الطفل، مقدماً عشرات المؤلفات..
لماذا اخترت أن تمنح جزءاً كبيراً من مشروعك الإبداعي لأدب الطفل؟
بدأت بكتابة القصص القصيرة، وقد نشرت كثيرا منها في الجرائد المغربية، وفي المجلات العربية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي. لا أنكر أنني استطعت أن أتمثل في الكتابة أساليب مختلفة في التعبير عن الأفكار والأحداث، التي أنتقيها من الذاكرة، وهي زاخرة بالأعاجيب المؤلمة والمضحكة، أو من الواقع الاجتماعي. وقد صدر لي في هذا الشأن ثلاثة كتب قصصية وروايتان، استطعت فيها أن أخترع لغة قصصية جديدة، بالنظر إلى ما ينشر في الساحة الأدبية المغربية والعربية، لأنني أعتبر الكتابة قيمة مادية ومعنوية مضافة إلى مسار السرد العربي بعامة، على اعتبار أنه ينبغي للكاتب أن يمثل حلقة أدبية مختلفة؛ من جهة اللغة التي يكتب بها، والأسلوب وحتى طريقة التفكير، لا أن يمثل لغة مكررة، تشبه لغات قصصية أخرى. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ حدثت مصادفة عجيبة، لما قرأت قصصا كتبها كاتب من روسيا هو دانييل خارمس للأطفال، منها مثلا قصته الشهيرة "نمر في المدينة"، وقصته عن السماء التي تتساقط منها كرات، فأحدث هذا رجة في تصوري عن الكتابة. وجدت أن ما كتبت من قصص، قد يوازي هذا العالم العجيب الغريب، على الرغم من أنني لم أتعرف إلى لغته القصصية من قبل. دخلت هذا الفن، من باب كتابة القصص الموجهة للكبار، ومن باب طبيعة الأفكار التي أتعامل معها، وهي نابعة من الكتب التي أختارها للقراءة، ومن باب ما تزخر به حياتي من أحداث.
ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها كتّاب أدب الطفل العرب اليوم؟
نحتاج إلى فن نسميه بالنقد، ولكنها مهمة محفوفة بالمخاطر، وقد تجلب لصاحبها أشكالا من العداوات، هو ليس في حاجة إليها. النقد شر لا بد منه، ولكنه يحتاج إلى قلم متمكن من آليات النقد، وشخصية أدبية يكون لكلمتها أثر؛ ينتقد وينصح ويوجه ويرسم خططا لتطوير هذا الفن.
نستطيع القول إن كثيرا من القصص لا تمت بأي صلة لفن السرد، لخلوها من الحكي الممتع، على اعتبار أن الأساس في القصة هو الإمتاع، لشد الانتباه، وشحذ خيال الطفل، وافتقارها للتلاحم بين الجمل، لأن العلاقات التي تربط الكلمة بأخرى، أو تربط الجملة بأخرى، تقوم على موسيقا داخلية، تبعث في الروح الشعور بتلاحم أجزاء الكون؛ بين الإنسان والطبيعة التي يعيش فيها، وبينه والطبيعة المفترضة، التي تبعد عنه بآلاف الأميال. أما اللغة التي نكتب بها القصص، فهذا يبدو في نظر كثير من الكتاب، خطا أحمر لا ينبغي لنا التداول في شأنه. يصح أن يخطئ الطفل القارئ إن أراد أن يدخل غمار الكتابة، كتابة قصة أو موضوع إنشائي، ولكن لا يصح أن يخطئ الكاتب. الكاتب يكون صادقا، وشخصية موثوقا بكلامها، حتى وهو يخطئ. هذا التصور، يجب إعادة النظر فيه. أنا صرحت بهذا، على أساس أنني قارئ لا كاتب، وإن كنت أرى أن مفهوم كاتب في ضوء هذه الأحداث التي تقع في اللغة، لا يزال مفهوما غامضا في عالمنا العربي.
هل ما زال الطفل العربي قادراً على التفاعل مع الكتاب الورقي في عصر الشاشات؟
نعم هناك أزمة، ولكن كيف نفسر تقاطر أفواج من المهتمين بالكِتاب على المعارض التي تقام في هذا البلد أو ذاك؟ وكيف نفسر اقتناءهم الكتب؟ وهل لهذا العزوف إن كان واقعا فعلا، علاقة بالتطور التكنولوجي؟ قد نجد صعوبة في حسم الجدل بنعم أو لا، لأن الجواب بالتصديق (من الناحية البلاغية) لا يجدي نفعا، فنكون أمام فريقين، لن يتفقا ولن يحلا أزمة القراءة. سيكون الجواب بالطريقة الآتية: ألا يتحمل الكاتب ودور النشر مسؤولية فيما يحدث؟ ألا يجدر بالكاتب أن يطور أسلوبه في الكتابة، فيجعل مكتوبه، سواء أكان قصة أم شعرا، ساحرا ملفتا للانتباه، ومثيرا للضجيج الأدبي، على غرار ما يحدث في العالم الغربي. ولكن الأدب الذي يكتب للطفل هو إنساني، لا يميز بين فرنسي وعربي، أو بين أمريكي وآسيوي. في عالمنا العربي، وأرجو أن يتقبل الناشرون هذا الكلام بصدر رحب، لا يتقن ناشرونا صناعة ترويج الكتاب.
إن الكاتب ملزم بتطوير عتاده الأدبي؛ تطوير خياله وأساليبه، وحتى اللغة التي يستعملها في الكتابة. أنا في كثير من الأحيان أجد نفسي فاغرا في، وأنا أقرا قصصا هي ثرثرة، وقفز ووثب من هنا إلى هناك. يبدو هذا مضحكا، في عالم جديد، لا نستطيع مواجهته إلا بالخيال الشاسع، ولغة تنبثق من تلاحم كلماتها موسيقا، تسحر الأطفال.
تكثر في قصصك الأشجار والحيوانات والكائنات المتخيلة، لماذا تلجأ إلى هذا العالم الرمزي؟
لا أحد ينكر أن الكتابة للطفل تنبني على قواعد لا يجوز التخلي عنها، فأي خلل فني أو دلالي في شكل القصة ومضمونها، يكشف عن خلل في تمثُّل هذه القواعد. فكثير من القصص التي تصدر عن دور النشر العربية، يبدو أنها تخالف هذا العرف، فتكون بهذا موجهة للكبار لا للأطفال. فلا بأس في أن نتحدث عن الحيوانات والأشجار والأشياء التي نصادفها كل يوم في الشوارع، لا باعتبارها كائنات كتب علينا أن نتعايش معها جنبا إلى جنب، بل باعتبارها رموزا تنبئ عن أفكار عميقة، تؤثث حياتنا الفكرية بالدرجة الأولى. فلنفترض أننا كتبنا قصصا عن الأسد والنمر والعنكبوت..وتساءل قارئ: ولكن، أي فائدة ترجى من هذا؟ هو يسأل لأن الحكايات الموروثة من إيسوب وابن المقفع ولافونتين وأندرسون..لا تزال تعتمد على شخصيات حيوانية، أو من الأشياء وعوالم السحرة والأميرات والأمراء، فلم لا نبحث عن شخصيات من عوالم أخرى، لأن العصر يتطور، ولكن التفكير لا يزال متشابها بين الإنسان البدائي والإنسان المتحضر بتعبير العالم الأنتروبولوجي الفرنسي ليفي شتراوس. فلا يهم إن كانت الشخصيات حيوانية أو لا، ما يهم هو الطرق السردية التي نتناول بها الأفكار، والسحر الذي نجعله ينبثق منها، فيحدث أثرا في عقل الطفل.
هل ترى أن الحيوان في القصة أحياناً قادر على التعبير عن الإنسان؟
القصص التي تكتب اليوم، تتبنى أنواعا مختلفة منها، فثمة قصص اجتماعية، وثانية دينية، وثالثة تنتمي إلى الخيال العلمي، ورابعة هي قصص السحرة والأميرات. ولكن، لم يستأثر الحيوان بهذا الاهتمام الكبير؟ هنا نجد أنفسنا أمام موروث ثقافي لا يمكن لنا الفكاك منه، فهو قائم على حكايات وأساطير وخرافات، اتخذت من الحيوان وسيلة للتعبير عن أفكار ومشاعر ومخاوف. صحيح أنه وقع تحول في مضامين الأغراض، التي أراد الرواة "بالمفهوم الكلاسيكي" والكتاب "بالمفهوم الحديث" الإبانة عنها؛ بالانتقال من الغرض السياسي مع أخذ العبر والحكم من تحولات الزمان، وتباين طبائع الإنسان كما هو الشأن في كليلة ودمنة مثلا، إلى الغرض الديني مع قصص العصور الوسطى في أوربا، وقد عرفنا نحن هذا متأخرين، حتى بداية القرن الماضي، وإلى غرض الترفيه والتسلية مع الإنتاجات المعاصرة، ولكن الأفكار التي تأتي على ألسنة الحيوانات، لا تزال وسيلة من وسائل الدخول إلى عالم الكبار بطريقة سلسلة، شئنا أم أبينا. فيصح القول إننا نحيا بحكايات الحيوان.
في كتاب "في رأسي غابة" جعلت القراءة تتحول إلى غابة كاملة داخل رأس الطفل؛ ما الرسالة التي أردت إيصالها من هذه الصورة السريالية؟
نقتبس من القصة ما يلي:
(وَالقِطُّ!
مَاذَا فَعَلَ؟
خَدَشَ أَنْفِي بِمَخَالِبِهِ.
ربما ظنَّ أنفِي فَأْرًا، ولهذَا عَبَثَ بِهِ، وعندمَا لَمْ يُفْلِحْ فِي القبضِ عليهِ ابتعدَ خُطْوَاتٍ ثم كَمَنَ لَهُ.
ينتظرُ خُرُوجَهُ مِنَ الجُحْرِ لِيُمْسِكَ بِهِ.
القططُ مُسَلِّيَةٌ ومثيرةٌ للضّحكِ).
يمكن لنا أن نثير تساؤلين في هذا الباب: لِماذا كتبتُ هذه القصة؟
وكيفَ كُتبتْ؟ التساؤل الأول: لماذا كتبت؟ هذا يجبرنا شئنا أم أبينا على القول إن من يكتب هذا النوع من الأدب، الذي يدعى بأدب الطفل، لا يستطيع أن يخفي الغاية من كتابته؛ وهي أن يسلي الطفل، ويمتعه بحكاية، وعندما يتحقق هذا الإمتاع، تنال الحكاية الإعجاب. وأنا هنا أفضل كلمة الإدهاش، لأن الكتابة إن لم تكن تنبني من حيث اللغة والأسلوب والفكرة المبتدعة على إثارة الدهشة، فهي كتابة لن تترك أي أثر في النفس. ولا شك في أن الإعجاب أو الإدهاش، سيستدعي البحث عن الفكرة التي تسعى الحكاية إلى قولها، من خلال الأحداث، وهي كلها مرتبطة بحيوانات تعيش في رأس الكاتب الذي أصبح غابة.
الكاتب حشر نفسه في عالم من الخيال البديع، المثير لخيال الطفل، هو لا يستطيع الفكاك منه. منه يستمد براعته في الكتابة، وفي البحث عن الأفكار التي تجعلنا نسأل، ونسأل ونسأل. هو إن صح القول أسير كائنات نستمد منها الأفكار والعبر والمواعظ والحكم.
القصة أيضا حوار مع قصص أخرى، روت حكايات عن الحيوان، وحكايات عن الإنسان. هذه العلاقة بين هذين العنصرين مهمة جدا في أدب الطفل؛ منها نستلهم العبرة أو الحكمة، ونستلهم أيضا المعنى الذي يجعلنا نواصل العيش، على الرغم من العقبات التي تعترض سبيلنا. قال الجاحظ ما معناه إن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها الخاص والعام، إنما الشأن في حسن السبك، أي في البحث عن الأسلوب الذي يجعل الفكرة مثيرة للإدهاش. هذا ما تمثلته وأنا أكتب هذه القصة. الفكرة هي أن الكاتب يعايش كائنات تنتمي إلى عالم آخر، ولكنه جزء منها. هي شخصيات قصصه، ورأسه هو غابتها العجيبة.
في "رنين ترسم الكلام" منحت الرسم دور اللغة البديلة؛ هل تعتقد أن الفن قادر على قول ما تعجز عنه الكلمات؟
قصة "رنين ترسم الكلام" تتحدث عن فتاة بلغت السادسة، ولكنها خرساء، أفلا يحق لها أن تدخل المدرسة؟ يحق لها هذا، لهذا شرعت تعبر عن رغبتها في التعلم من خلال رسم أمنياتها. فهل هي قصة عن دور الفن في حياتنا؟ هذه فكرة تبدو عادية، فحتى قصص الأطفال، ترفق برسوم تحقق حكاية موازية للحكاية المكتوبة. الفكرة الأساسية هنا هي أن الإنسان يمتلك أساليب مختلفة للتعبير عن مشاعره، وهذه الفتاة أعملت ذهنها، فوجدت أن الرسم لغة للتعبير. والأمثلة الموازية لهذا الحدث كثيرة جدا؛ إذ نعاين في وسائل التواصل ظواهر تبدو ملفتة للانتباه، فهذا يرسم بأصابع قدمه، وذاك يرسم بفمه. والقصة نالت استحسانا في العالم العربي من لدن الأطفال والآباء والأمهات، لما قرأتها الممثلة يسرا اللوزي، بعد أن وجدت تشابها بين عالم بطلة القصة وعالم ابنتها، التي كادت تصاب بالصمم.
في "لمن أروي حكايتي" تبدو الحكاية وكأنها تبحث عن مستمع مثالي؛ هل يعيش الكاتب دائماً هذا القلق؟
كيف يستطيع الكاتب أن ينال رضا الأشجار والحيوانات، التي يكتب عنها قصصا مسلية ومرحة؟ هذه الفكرة تبدو فلسفية حقا. هي في الواقع تجسيد للقلق الداخلي الذي يعتمل في ذهن الكاتب، والكاتب لا بد أن يكون قلقا. أنا أتحدث هنا عن القلق الأدبي والفكري؛ المرتبط بصناعة الحكايات، واختيار الكلمات المناسبة، والتقديم والتأخير، والحذف والقصر، والإطناب والإيجاز، والحذر من ارتكاب الأخطاء، واختيار الأسلوب المختلف، لأن الغاية هي كيف نستأثر باهتمام الطفل القارئ، وكيف نوسع خياله، ليبدع ويصنع حكايات موازية أو مختلفة عما اطلع عليه، وكيف نبث المرح في النفوس.
قصة "صياد الأقنعة" تقوم على الذكاء والتعاون أكثر من القوة؛ هل هذه رؤية فكرية ترافق مشروعك الأدبي؟
في تقديم دار الحدائق التي نشرت القصة نقرأ: " هي قصة من قصص الحيلة والذكاء، بين صيّاد وحيوانات الغابة التي تتغلب عليه بتعاونها وتخطيطها، فتخيفه بضخامة أرجلها وآذانها، مما جعله يترك مهنة الصيد، والانتقال إلى مهنة أخرى، يقوم فيها بتصميم أقنعة كدمى متحركة لحيوانات الغابة". قد نكتشف معاني كثيرة في هذه القصة؛ منها مثلا أن فكرتها تعني أن الحيلة تغلب القوة، كما عهدنا هذا في حكايات كليلة ودمنة، في حكاية الأرنب فيروز وملك الفيلة بخاصة، وهي بهذا تكون فكرة مكرورة، مبثوثة في حكايات تنتمي إلى ثقافات متباينة. يصح هذا، إن نظرنا إليها من جهة كونها تحاور موروثا حكائيا قديما، وهي ميزة تحمد لها، وقد تعني أن ما يميز أي كائن حي هو الذكاء. كيف انتقل الإنسان من أكل اللحم النيء إلى أكل المطبوخ؟ وكيف انتبه إلى دور النار؟ ولم اخترع البناء والاستقرار؟ وكيف اكتشف الزراعة؟ ولم لا نقرأ فيها فكرة عن الذكاء الذي يصنع الشعور بالأمان؛ فالحيوانات أعملت أذهانها فاخترعت فكرة ارتداء أقنعة لإخافة الصياد "وللصياد دلالة سلبية"، وحتى الصياد أعمل ذهنه، فاخترع لحياته مهنة يقتات بها، فيتجنب مشاق الصيد.
كيف تقرأ واقع القراءة لدى الأطفال في العالم العربي اليوم؟
أتبنى مشروعا أريد أن يكون متميزا، فلا يقف عند المنجز المحلي أو العربي، بل يجاوزه إلى محاورة المنجز العالمي. لم كتب على الكاتب العربي التقوقع في شرنقة واحدة؟ لم لا ينفتح على ما ينجز على المستوى العالمي، ويحاوره ويسعى إلى أن يكتب الأفضل؟ الكتابة في مجال أدب الطفل تقتضي هذا. أنا هنا أتحدث عن القصص العالمية التي تركت أثرا في تطور هذا الفن، والكتاب الذين أضافوا إليه الشيء الكثير. لا كتابة معاصرة تعرى من تأثير إرث دانييل خارمس وشلوكوفسكي وسوتييف وإيريك كارل ود سوس، ولم تعر من تأثير إيسوب ولافونتين وتولستوي وابن المقفع والجاحظ.. قد يقول قائل: لأولئك عالم، ولنا عالم. هذا صحيح، ولكن أدب الطفل إن لم يكن مثيرا، وساحرا، فلا فائدة ترجى منه. فنشر ثقافة القراءة بين الأطفال رهن بهذا النهج، لأن الطفل ليس كائنا ساذجا، أو لا مباليا بما يجد في مجال الكتابة. إنه القارئ الذي يبحث دائما عن العجيب والغريب، أما المكرر فلا يرتقى أبدا إلى دائرة الاهتمام.
ما التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الكاتب وعلى الطفل القارئ؟
في الواقع نحن لا نمتلك سلطة على ما يخترع في هذا العالم، ولا نمتلك قابلية الرفض المطلق. قد نستعمل الذكاء الاصطناعي في البحث عن كتب أو كُتّاب، نرغب في قراءة أعمالهم، والتعرف إلى أساليبهم، لأن قدر الكتابة يقتضي الانفتاح على العالم الخارجي، ولأن الكتابة اليوم، تجبر الكاتب العربي على أن يكون جزءا من الآداب العالمية، لا أن ينكمش على نفسه، ولكن لا ينبغي للكاتب أن يجعله كاتبا شبحا يساعده في كتابة ما يريد.
ما المعايير التي تحدد لك مستوى اللغة المناسب لكل فئة عمرية؟
الكتابة للطفل لا تحدها حدود، على اعتبار أن مادتها هي الخيال، الذي يصوغ أحداثا عجيبة أو غريبة، واقعية أو حتى سوريالية، فمن يحق له تحديد الفئة العمرية هو الناشر طبعا، لاعتبارات تجارية، وتوجيهية للآباء الذي يقتنون القصص لأبنائهم. الكاتب تكون مهمته هي أن يطوع الأحداث، لتقرأ وتفهم وتؤخذ حكمة منها، والناشر تكون مهمته هي أن يصنع من القصة حدثا واقعيا يكتسب بالشراء، للانتفاع بغرض يراه الآباء ملائما لأعمار أبنائهم. وماذا عن القيمة التي أدافع عنها في قصصي؟ هل أعيد حكما مكررة، سبقني إليها كتاب آخرون؛ قدامى ومحدثون؟ أجل. هذا صحيح، ولكنني أضيف إلى هذا الدفاع عن فكرة أن القصص تعمل على توسيع أخيلة الأطفال، حتى ينتقلوا إلى مرحلة الإبداع.
هل تعتقد أن الأدب يستطيع جعل الإنسان أكثر رحمة؟
هذه الفكرة شغلت أذهان كثير من الكتاب، وكلٌّ أدلى بدلوه في هذا الشأن. يقول هذا إن للأدب تأثيرا في الحياة الاجتماعية، صحيح أن القراء نسبة قليلة في هذا المجتمع، ولكن من لا يقرأ، قد يتواصل مع الأدب من خلال السينما، وهي جزء منه. ويقول ذاك إن الأدب يصنع خيال الإنسان. أنا أميل إلى هذه الفكرة، وأضيف إليها فكرة أنه يشحذه، ويجعله أكثر اتساعا. فمن صنع الذكاء الاصطناعي مثلا؟ ومن صنع وسائل النقل أيضا؟ الجواب هو الخيال.
الكاتب يحلم دوما بفكرة أن العالم سيتغير حالما ينشر الكتاب الأول، وكأنه يمتلك سلطة تؤهله لتنفيذ هذه المهمة، وعندما يصدر هذا الكتاب، ينتظر التغيير، فلا يتحقق، فيلوذ بالصمت وقلبه ممتلئ غضبا، ولكنه يعاود الكتابة، فيصدر الكتاب الثاني والثالث والرابع..وينتظر حدوث تغير في هذا العالم. ولكن يكفينا فخرا أن نمتلك فكرا نقديا إن قرأنا قصة أو رواية، وحلمنا بأن العالم سيتغير في يوم ما.
