No Image
ثقافة

بين توفيق الحكيم وعلي قليبو

09 يوليو 2026
09 يوليو 2026

إن بدأت أكتب عن توفيق الحكيم، فسيكون من الصعب التوقّف. ورغم ذلك، فسأحاول التعبير عن المضمون في الممكن من الكلام.

لقد بدأت بقراءة إبداعاته مبكّرا في المرحلة الثانوية، فسحرني: لغة سهلة نستخدمها في حياتنا، تحمل مضامين إنسانية عميقة؛ فعلمني أنّ الأدب ليس احتفاء بالجماليات اللغوية. وامتد سحره عليّ فأقبلت أقرأ كل ما وجدته من كتب له، بما فيها كتبه السياسية مثل "عودة الوعي" وما جرّه من جدل سياسيّ في القاهرة، وكتبه الفكرية مثل كتاب "التعادلية"، مستفيدا من كتب الحكيم التي كان يأتي بها أخويّ منصور طالب الطب ونصار طالب المحاسبة في مصر.

واستمر الانجذاب لكتابات الحكيم خلال سنوات الدراسة في مصر، حيث اقتنيت كل ما وجدته من كتبه من المكتبات ومن معرض القاهرة للكتاب على مدار دوراته الثلاث التي شهدتها. واستمرّ السّحر من الطفولة حتى الآن؛ بالرغم من تحولاتي الفكريّة فقد بقيت منجذبا لإبداعه، بل وعدت إلى عدد من الكتب التي قرأتها من قبل. ولم يقف أثر سحره علينا قراء العربية، بل أقبل عليه غيرنا من خلال الترجمات لأكثر من لغة. ولعلّ مقاربته الإنسانية بين الثقافات كان أحد أسرار انتشاره.

كنت فتى في الثمانينيات، حين كنت أستمع لمقابلة إذاعيّة معه؛ فاستمتعت فرحا أنني أسمع صوت عملاق الأدب العربيّ. كانت الحضارة هي مضمون المقابلة، وخلال ذلك، وقد أتى على ذكر التجربة اليابانية الحديثة والمعاصرة، ذكره الحكيم عن الفلسطيني علي قليبو من القدس، وذكر ما طلبه منه، بأن يكتب له رسائل من طوكيو عما يراه في اليابان.

لم أنس علي قليبو الذي ذكره توفيق الحكيم، والذي غبطته، حيث زاد أملي بلقاء الكاتب الكبير كما حدث مع قليبو، ولكن يشاء القدر أن يرحل كاتبنا الكبير قبل عام من زيارتي لمصر والإقامة فيها طالبا في كلية الآداب. ولكن دوما ظل اسم علي قليبو الذي أكبرته وأعجبت به لا لمقابلته توفيق الحكيم فقط، بل لطلب الأخير منه كتابة رسائل له عن اليابان. وهكذا أصبح في اللاوعي عندي اهتمام باليابان، فرحت أقرأ ما أجد، وأشاهد، باحثا عما اهتمّ به الحكيم. وهكذا أصبحت هناك متلازمة أثّرت بحياتي كثيرا، تمثلت بتوفيق الحكيم وعلي قليبو واليابان، فأصبحت متشوقا للقاء الأخير.

عدت الى القدس، ولم تمض بضع أعوام حتى عملت في الصحافة الثقافية محررا وكاتبا، وكان من ضمن الاهتمامات الكتابة عن الفن التشكيلي، حيث التقطت اسم علي قليبو كفنان تشكيليّ، ففرحت متفاجئا في الوقت نفسه، لكن تأخر اللقاء معه طويلا، فجمعنا التواصل الاجتماعي، وتبادلنا الحديث، ومنه بالطبع لقاؤه مع توفيق الحكيم، وتكرر حديثا عن هذا اللقاء، وبعثت له ما كتبته عن لقائي بنجيب محفوظ الذي تشرفت بجيرته صيف سنة أولى في حيّ العجوزة، راجيا منه الكتابة عن لقائه بالحكيم.

ما إن وجدت مقال قليبو حتى التهمته، وأسعدني أنه لبى رغبتي بالكتابة: "اليوم، وبناءً على طلب الكاتب تحسين يقين الذي رغب في أن أكتب عن المقابلة مع توفيق الحكيم، أسترجعُ تلك اللحظة الحاسمة في حضرة الإنسان الأسطورة؛ ذلك الحدث المهيب الذي شكل منعطفا فيصلياً، انقشعت عبره الغمامة وتجلّتْ عن مولدي كاتباً وفناناً".

بدأ مقالته المعمّقة بما طلبه منه الحكيم بأن يكتب له "رسائلَ من طوكيو تشرحُ المعجزةَ اليابانية. لم يكن طلبُ الحكيم مجرد فكرةٍ عابر، بل كان مفاجأةً غير متوقعة. في نظره، لم أعد مجرد تلميذٍ مجتهد وقارئٍ معجب، بل نداً في مصاف صديقه "أندريه" الذي كان يراسله في كتاب "زهرة العمر"، وداخل حبكته ومخيلته الفنية.

كان المقدسي علي قليبو الباحث في الدكتوراه، في بداية الثلاثين، في حين كان الحكيم في بداية الثمانينات من العمر، يفصل بينهما نصف قرن. وهكذا بعد أن مهّد بهذا راح يتحدث عن بحثه، وعلاقته مع أساتذته المشرفين على الرسالة: "كنتُ أقابل حيناً إسماعيل الفاروقي المفكر الاسلامي العروبي وتارةً روجر آلن، وتارةً أخرى ستانلي ليفي المختص بالفكر البنيوي، وذلك كله تحت إشراف أستاذي المصري عبد الحميد الزين، مستفسراً ومنقباً عن الهوية العربية الإسلامية التاريخية. فكان منظوري الأنثروبولوجي يرتكز على دراسة إنتاج المعرفة وتحديد آفاقها من خلال التبادل الثقافي، وسبر أهداف توفيق الحكيم في متن أعماله كافة؛ تلك التي سعت إلى إرساء خطابٍ إسلامي عربي في علاقة تعادلية تجمع بين الخطاب الإنساني الكلاسيكي الأوروبي وقوالبه الأدبية". ثم ليصف سعادته بوصوله مصر، حيث الأدب والفن، ليدخلنا الى مهابة لقاء الحكيم، بين المتخيّل والواقع المقبل عليه لرؤيته عن قرب، وتذكره الفتى توفيق الحكيم من خلال "شخصية محسن"، من رواية عودة الروح. ثم ليعود الى دراسته التي كانت "دراسةً تفكيكية، تنهج منظور الفكر البنيوي في استقراء المنهاج الحضاري لإنتاج المعرفة"، ليصف من خلال ذلك محاولة توفيق الحكيم "لإرساء خطابٍ إنساني تعادلي يجمع بين الفكر الإسلامي والخطاب الأوروبي الإنساني في قوالبه الأدبية الغربية، مستلهماً من القرآن الكريم ومن الأدب الشعبي والفولكلور المعاصر؛ مثل "ألف ليلة وليلة" في مسرحياته: "شهرزاد"، و"أهل الكهف"، و"يا طالع الشجرة".

-"أخيراً قابلتُ مَن يفهمني!" كانت ذلك عبارة توفيق الحكيم لعلي قليبو، حين تحدث للحكيم عن "هدف إبداعه الكامن بين السطور وخلف كل كلمة، والمتمثل في إرساء خطابٍ إنساني تعادلي تستند جذوره الكلاسيكية إلى القرآن والمجتمع والتراث الفولكلوري العربي من ناحية، في قالبٍ أوروبي مستحدث، ألا وهو الرواية والمسرح الأدبي" امتد اللقاء كما روى المقدسيّ قليبو: "لسبع ساعات متواصلة ــ كانت من أعظم لحظات عمري ــ استفضتُ بالكلام عن رؤيتي في أطروحة الدكتوراه؛ مبيناً علاقة مشروعه الفلسفي وارتباط أفكاره، تلك التي نتبيّنها في متن مؤلفاته...بوصفها نقاط ثقلٍ فلسفيّ أنثروبولوجيّ النزعة، حيث تتجلى نظرته التأملية للثقافة العربية في مواجهة قوالب الحضارة الأوروبية الفلسفية".

خلال دراستي في مصر، واظبت على قراءة كتب الحكيم، وشاهدت بعض المقابلات التلفزيونيّة المسجّلة، وازداد شغفي في السنة الدراسيّة الأخيرة، وأذكر كيف كنت أضع ملاحظات وخطوطا، حيث بدأت أفكّر بعمل أطروحة الماجستير عن جوانب معينة من أدب الحكيم، وما زالت تلك الملاحظات والخطوط تذكّرني بما كنت أفكّر بدراسته من ظواهر في المضمون والشكل، تتعلق بإنتاج المعرفة والأدب بناء على تجربة توفيق الحكيم؛ فلعلّ ما نكتبه هو تأثر به، وبناء على ما تركه من إرث لنا، ولعلّ الكاتب والفنان المقدسي د. علي قليبو يواصل مشروعه الفكري والفني، مستلهما من دراسته وبحثه في واحد من أهم الحقول المعرفيّة الاستراتيجية، كون المقاربة الثقافية هي المدخل العملي الآمن الذي ينسجم فيه انكشافنا على العالم، في ظل خصوصياتنا الثقافية.