No Image
ثقافة

"الفيفا" إمبراطورية عابرة للقارات!

11 يوليو 2026
11 يوليو 2026

إيهاب الملاح 

(1)

فرضت مباريات كأس العالم 2026 المقامة حاليا في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك؛ حضورها على العالم أجمع؛ مع انطلاق منافسات الدور الأول منتصف الشهر الماضي، وخلال أيام تعلب مباريات نصف النهائي ثم النهائي ليتوج بالكأس بطل هذه الدورة (فرنسا وإسبانيا والفائز من المباراتين المقامتين يوم كتابة هذه الأسطر).

انتهت منافسات الدور الأول ثم منافسات الدور الـ32 لنصل إلى قمة الإثارة والجدل مع منافسات دور الـ16 وتطفو على السطح كل الأسئلة المعلقة والقراءات المسكوت عنها فيما يخص العلاقات السياسية والاقتصادية والنظرة الاستعلائية من البعض تجاه البعض الآخر، مما أفرزته المنافسات وكشفت عنه نتائجها التي ما زالت أصداؤها تتواصل حتى اللحظة!

خلال الأسبوع الماضي وبعد إقصاء المنتخب المصري في مباراة ما زالت حتى الآن تحظى بالتعليق والجدل والاعتراض على القرارات التحكيمية المؤثرة، والنتيجة التي فتحت الباب واسعا حول مافيا المراهنات وتأثير السياسة والاقتصاد في اللعبة الشعبية الأولى في العالم، كل ذلك وجه أنظار الكثيرين ومنهم كاتب هذه السطور إلى مراجعة تاريخ اللعبة وجذورها السياسية والاجتماعية والثقافية منذ ظهورها الأول وحتى الآن.

تفيدنا المصادر التاريخية بارتباط ظهور لعبة كرة القدم وانتشارها بحركات الاستعمار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين.. فمع حركة الاستعمار، ستنتقل لعبة كرة القدم على يد الجيش البريطاني إلى العديد من المستعمرات البريطانية في آسيا وإفريقيا.

ومع نهايات القرن التاسع عشر تبدأ أندية محلية لكرة القدم في الظهور في نيوزيلندا وآسيا والهند، وسنغافورة وهونج كونج، وفي إفريقيا في مصر والسودان وزنجبار، وأخذ انتشار كرة القدم نفس المسار البريطاني المعروف، عن طريق المدارس، أو حتى بين الجنود المحليين الذين التحقوا بالخدمة في الجيش المحلي أو في الجيش الإنجليزي نفسه، أو من خلال تنظيم الأندية العمالية. ولعل نادي السكة الحديد في مصر، كما يخبرنا المؤرخون، خير دليل على ذلك، كما يقول كريستوفر فيرارو في كتابه المرجع «الإمبريالية والهوية الثقافية وكرة القدم».

(2)

ومن المثير للانتباه أن لعبة كرة القدم التي دخلت إلى هذه البلاد على يد المستعمر، ستتحول إلى أداة قومية لمقاومة هذا المستعمر، وإثبات أن أهل المستعمرات ليسوا أدنى من المستعمر. وفي هذا الصدد يشير البعض إلى أن كرة القدم قد انتقلت من البريطانيين إلى السكان المحليين في خلال أقل من ثلاثين عامًا، ولكن بعد ذلك أصبحت هذه اللعبة وكأنها خاصة بالسكان الأصليين في كل مكان انتقلت إليه؛ حيث تطورت اللعبة بقوة وسرعة وأصبحت هناك قدرة على الفوز على أندية المستعمر ذاته، وكثيرًا ما نظر السكان المحليون إلى هذه اللحظة على أنها لحظة "انتصار قومي"، وأنها "لحظة من لحظات العمر".

في كتابه «كرة القدم ـ تاريخ ثقافي»، للألماني كلاوس تسايرنجر، ومن ترجمة أيمن شرف، يكشف المؤلف عن أنه في السنوات الأولى من ظهور كرة القدم في أمريكا اللاتينية؛ وبخاصة في "البرازيل" التي ستصير أهم معقل للمهارة والمتعة والإبداع الكروي، كان حكام كرة القدم يمتنعون أو بالأحرى يتجاهلون عن احتساب المخالفات "الفاولات" التي يرتكبها البيض ضد السود؛ فما كان من اللاعبين البرازيليين إلا أن يجيدوا فنون المراوغة والمهارة والسرعة كي يتجنبوا الإصابات والابتعاد عن المباراة!

كان هذا هو التفسير الثقافي الذي طرحه الألماني كلاوس تسايرنجر لقراءة فنون المراوغة الأسطورية لدى لاعبي أمريكا اللاتينية بعامة، وأسس المهارة البرازيلية بخاصة، وإن كان البرازيليون الآن لديهم قدرة ضخمة وغير عادية في تطويع الكرة بشكل يجبر خصومهم على احتساب المخالفات.. لكن الأهم هو إمتاع الملايين في جميع أنحاء العالم بالمهارات والمراوغات وسرعة التحرك ونقل الكرة وإحراز الأهداف الجميلة.. إنهم سحرة كرة القدم يا سادة!

(3)

ولأن كرة القدم كانت تحرك الجماهير منذ العشرينيات، أدرك السياسيون على اختلاف مشاربهم أنها فرصة للدعاية السياسية، كان الناس يتابعونها في المدرجات مباشرة، أثناء المباريات، وبعد ذلك من خلال وسائل الإعلام، وغالبًا في التقارير الإخبارية المصورة على الشاشة الكبيرة (السينما). وظن السياسيون أن بمقدورهم أن يتقربوا إلى الناس بشكل لا يثير الشبهة من خلال تلك اللعبة البريئة.. هكذا يربط المؤلف بين الرياضة الأولى والأكثر شهرة وشعبية في العالم وبين الطرح السياسي الذي يتحكم ويتغلغل في كل شؤون حياتنا مهما صغرت بما فيها الرياضة؛ وكرة القدم!

ويقول المؤلف إن الأنظمة الشمولية كانت تريد دائما تحقيق استفادة شاملة من الحركات الشعبية والجماهيرية، وبدا لفرانكو -كما بدا مع الفارق لموسوليني وهتلر وستالين وسالازار وجنرالات الأرجنتين والبرازيل- أن من المهم سياسيا استخدام كرة القدم محليا كوسيلة للتسلية من أجل تهدئة الوضع الداخلي، ولترويج الصورة الذاتية في الخارج على المستوى الدولي، وكانت هناك أسباب أخرى لوضع كرة القدم تحت سيطرتهم.

فقد كان من السهل ربط جماهير الكرة الكبيرة المتجمعة معا -رغم أنها غير متجانسة- كحشد في الملعب، وهو وضع مفضل وحساس بالنسبة للديكتاتوريات، فالحشد يمكنه أن يفتح مساحة للتمرد، وبالتالي اجتهد الحكام الشموليون في وضع قواعد صارمة لجعل قصص الدعاية الشاملة والأساطير المختلقة الموجهة لبناء المجتمع في صالحهم.

(4)

من ناحيةٍ أخرى، يقدم لنا كتاب «سقوط الفيفا (الفساد.. المال.. السلطة)» للصحفي الشهير ديفيد كون، ومن ترجمة الدؤوب محمد عثمان خليفة، وقد صدر قبل سنوات قليلة عن دار العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة، يقدِّم لنا الوجه الآخر للإمبراطورية الكونية العابرة للقارات، والتي من المفترض أن تحظى بالاستقلالية الكاملة والحياد الكامل في إدارة شؤون اللعبة على مستوى الدنيا كلها!

كتاب «سقوط الفيفا» يمثل واحدًا من الكتب العصرية الكاشفة والفاضحة التي تعالج موضوعا "بينيا" -إذا جاز التعبير- فهو يعالج بشكل أساسي إمبراطورية الفيفا العابرة للقارات والدول والجنسيات والأوطان؛ تلك المؤسسة التي لها من السطوة والنفوذ والتأثير ما ليس لدول كبرى على منتسبيها! فكلمتها نافذة وقراراتها ملزمة وهي السلطة العليا والأولى في كل ما يخص اللعبة الشعبية الأولى والأكثر جماهيرية والأوسع انتشارا الدائرة المستديرة "كرة القدم".

الغريب أن هذا الكتاب الصادر قبل سنوات ليست بعيدة قد أشار بإصبع الاتهام إلى إدارة ومسؤولي المنظمة الكونية العابرة للقارات بارتكاب مخالفات والخروج على القوانين ومخالفة اللوائح بوقائع وأحداث هي هي بذاتها التي ارتكبت على الملأ وتحت أنظار العالم كله في الأسابيع القليلة الماضية!

مكالمة تليفونية من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لرئيس "الفيفا" تجعله يصدر أوامره للجنة المنظمة بإلغاء النتائج المترتبة على إشهار الكارت الأحمر للاعب الفريق الأمريكي كي يتسنى له المشاركة في مباراة الدور التالي في مواجهة بلجيكا بالمخالفة لكل الأعراف واللوائح والقوانين "عيني عينك هكذا وعلى عينك يا تاجر"!

الكتاب رغم أنه يعد كبيرا نسبيا (يقع في 336 صفحة من القطع الكبير) فإنه ممتع وسلس القراءة وجذاب الأسلوب للدرجة التي يمكنك فيها التهام ما يقرب من 100 صفحة كاملة في ليلة واحدة.

هذا الكتاب منذ صدوره وهو يثير الجدل والمناقشات خاصة في ظل السؤال المحوري الذي يبحث الكتاب إجابته: هل الفيفا منظومة فاسدة؟ هذا السؤال الذي لطالما انشغلت به الجماهير في جميع أنحاء العالم عن تلك المنظومة الأكبر والأهم والأخطر في عالم كرة القدم.

في هذا الكتاب يبحث صحفي الجارديان الشهير "ديفيد كون" عن إجابة لهذا السؤال على أن تكون مدعومة بالحقائق والأدلة والبراهين والوثائق. لكنه يبدأ القصة منذ البداية فيحكي لنا عبر فصول الكتاب قصة الفيفا منذ النشأة والتطور ومسيرتها حتى الآن.. رحلة لن يندم قارئها أبدًا على خوضها..