على أوروبا أن تواجه العالم بمفردها

06 يوليو 2026
06 يوليو 2026

مع انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا في ظل الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب، فإنها لا تكتفي بتقليص وجودها العسكري وإثارة الشكوك حول التزاماتها الأمنية، بل تتخلى أيضًا عن قيادتها الفعلية (التي لم يُعلن عنها رسميًا قط) للغرب الجيوسياسي. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تتنازل عن دور القيادة السياسية الذي مارسته داخل أوروبا الغربية منذ عام 1945، وعلى امتداد أوروبا بأسرها منذ عام 1990.

والنتيجة المنطقية المباشرة لذلك هي أن أوروبا ستجد نفسها وحيدة، مضطرة إلى معالجة مشكلاتها وتحدياتها الجيوسياسية بنفسها.

غير أن الاضطلاع بدور القيادة الجيوسياسية ليس أمرًا مارسته أوروبا منذ مطلع القرن العشرين. ومن ثم، فإن محاولاتها للنهوض بهذه المهمة تستحق متابعة دقيقة.

ولا يُقصد بـ«أوروبا» هنا الاتحاد الأوروبي وحده. فلا شك أن الاتحاد يؤدي دورًا محوريًا في الشؤون الاقتصادية، إذ يشكّل الدعامة الأساسية للسوق الموحدة والاتحاد الجمركي، وللعملة المشتركة والبنك المركزي، وللإطار القانوني والتنظيمي فوق الوطني، وفوق كل ذلك، للعلاقات التجارية الخارجية المتينة.

لكن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حتى إذا اقتصر النظر إليه على بعديه الأوروبي والكندي، يظل ركيزة لا غنى عنها لأمن القارة، وإن كان سيصبح أضعف بكثير من دون مشاركة القوة العظمى الأولى في العالم.

ومع ذلك، يبقى سؤال جوهري مطروحًا: من الذي يُفترض أن يقود هذا الكيان الهش، الذي لم يكتمل بناؤه السياسي بعد؟ فلا توجد قوة أوروبية واحدة تمتلك بمفردها الوسائل الكفيلة بالقيام بهذه المهمة. وليس لأي منها الحجم اللازم من حيث المساحة وعدد السكان، أو القوة المالية، أو الإمكانات التكنولوجية والاقتصادية التي تؤهلها لتولي هذا الدور.

وفضلًا عن ذلك، فإن القيادة الفاعلة تتطلب عنصرين غير ماديين لا يقلان أهمية: تقليدًا تاريخيًا راسخًا في ممارسة القيادة الإقليمية، وشعبًا يؤمن على نطاق واسع بالمشروع الأوروبي ويلتزم به. ووفقًا للواقع القائم، لا يمكن القول إن هذين الشرطين يجتمعان إلا في فرنسا وألمانيا. أما معظم الدول الأعضاء الأخرى، فقد يتوافر لديها أحدهما، ولكن ليس كلاهما.

ومن دون الشراكة الفرنسية-الألمانية، فإن فكرة القيادة الأوروبية تولد ميتة.

غير أن انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا يفرض تحديًا خاصًا على ألمانيا، ولا سيما في ظل سباق التسلح الراهن وتعاظم نفوذ القوى القومية الجديدة في مختلف أنحاء أوروبا، بما في ذلك داخل ألمانيا نفسها. فعلى مدى عقود، وفّر الوجود العسكري الأمريكي طمأنينة لكثير من الأوروبيين، وفي مقدمتهم خصوم ألمانيا السابقون في الحرب، الذين كانوا يخشون عودة القوة الألمانية إلى الواجهة.

وهذا العامل أيضًا سيغيب في المستقبل، الأمر الذي سيُلزم ألمانيا بإبداء قدر أكبر من الحساسية تجاه تاريخها. فالقيادة من دون هيمنة تعني إيجاد توازن دقيق بين ممارسة الدور القيادي وتجنب إثارة مخاوف الآخرين.

لقد كان تقدم أوروبا، على الدوام، ثمرة مبادرات مشتركة، كان معظمها ثمرة تعاون فرنسي-ألماني. واليوم، وفي ظل الضغوط الناجمة عن العدوان الروسي، الذي بلغ ذروته في الحرب المستمرة ضد أوكرانيا، إلى جانب إدارة أمريكية تتخذ موقفًا يزداد عدائية، تتمثل الأولوية العاجلة في إنشاء اتحاد دفاع أوروبي.

غير أن الحاجة الملحّة إلى هذا المشروع، والدور الذي لا غنى عنه للقيادة الفرنسية-الألمانية في إنجازه، يجعلان من انهيار مشروع النظام الجوي القتالي المستقبلي المشترك (FCAS) بين فرنسا وألمانيا حدثًا ينبغي التعامل معه باعتباره إنذارًا بأقصى درجات الخطورة. فإذا كان هذا الإخفاق مجرد لمحة عما ينتظر أوروبا، فإن مصيرها يبدو محسومًا بالفشل منذ الآن.

وكثيرًا ما يُقال: إن المنافسة مفيدة للأعمال؛ غير أن هذا القول لا يصح في سياق العلاقة الفرنسية-الألمانية إلا إذا كانت المنافسة قائمة على أساس متين من الثقة المتبادلة. أما إذا افتقدت هذا الأساس، فمن السهل جدًا أن تتحول إلى منافسة مدمرة للطرفين. وفي ظل البيئة الجيوسياسية والاستراتيجية الراهنة، فإن هذا هو آخر ما تستطيع أوروبا تحمّل كلفته.

وللأسف، فإن الحكومتين القائمتين على ضفتي نهر الراين تعانيان اليوم ضعفًا سياسيًا واضحًا. فلم يبقَ أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سوى نحو عام واحد في منصبه، وبعد ذلك قد تنتخب فرنسا رئيسًا من أقصى اليمين المشكك في المشروع الأوروبي، ينتمي إلى حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان.

أما في ألمانيا، فلا أحد يستطيع أن يجزم بمدة بقاء المستشار فريدريش ميرتس في منصبه، في ظل تدني معدلات التأييد لحكومته، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية الألمانية التي تبعث على القدر نفسه من القلق.

ومع ذلك، فإن هذه بالذات هي اللحظة التي تحتاج فيها أوروبا إلى قيادة قوية في كل من باريس وبرلين. فإطلاق المبادرات التي يفرضها هذا الظرف والحفاظ عليها ـ وفي مقدمتها اتحاد دفاعي ـ سيتطلب سياسيين طموحين، واضحين في رؤيتهم، استباقيين، وذوي حسّ مدني عالٍ.

لقد عاش الأوروبيون في سلام لأكثر من 80 عامًا. لكن كان ينبغي لنا أن نتعلم حتى الآن أن التاريخ قد يكون قاسيًا ولا يرحم. لن يأتي أحد لإنقاذنا هذه المرة. سيتعين علينا أن ننقذ أنفسنا.

يوشكا فيشر وزير الخارجية ونائب المستشار في ألمانيا بين عامي 1998 و2005، وهو قيادي في حزب الخضر الألماني لما يقرب من 20 عامًا.

خدمة بروجيكت سنديكيت