كيف نبني منظومة اقتصادية من خريف ظفار؟

06 يوليو 2026
06 يوليو 2026

بدأ موسم خريف ظفار فلكيا في الحادي والعشرين من يونيو الماضي، حيث تكتسي الجبال بالاخضرار وتتهاطل الأمطار على المراعي التي ترتادها الإبل والأبقار والمواشي لتعود إليها الحياة من جديد، ويزداد منسوب العيون المائية وتصبح شلالات تهطل من أعالي الجبال، وتنتعش القوة الشرائية في الأسواق التراثية وفي مختلف مواقع إقامة الفعاليات والمناشط الترفيهية، ويزداد تدفق السياح إلى محافظة ظفار من مختلف المحافظات والولايات ومن خارج سلطنة عُمان حيث تخطى عددهم أكثر من مليون سائح العام الماضي، إنه موسم المطر والاقتصاد.

ويعد موسم خريف ظفار هوية خضراء تتميز بأصالة المكان والموقع الاستراتيجي المطل على بحر العرب تعانق شواطئها الزرقاء جبالها الخلابة، وتتداخل مع الجبال والسهول لتكوين وجهة سياحية واقتصادية توفّر آلاف الوظائف للباحثين عن عمل والراغبين في دعم مداخيلهم الشهرية بالعمل الإضافي والعمل الحر، وتصل نسبة إشغال الفنادق والمنتجعات والاستراحات إلى المرحلة القصوى في ذروة الموسم حيث ترتفع أسعارها نحو 3 أضعاف قبل بدء موسم الخريف وهو ما يعرف بالمضاعف الاقتصادي ويقصد به الدورة النقدية التي تجعل السائح ينفق على الفنادق والمطاعم والتأجير والتسوق والمواصلات، وهذه الخدمات يتم تقديمها للسياح من خلال شراء المنتجات من مزارع المواطنين، وبالتالي هي منظومة اقتصادية عُمانية يمكن البناء عليها مستقبلا لاستدامتها وتنميتها.

إن موسم خريف ظفار كل عام يعد اقتصادا قائما على ثلاثة عوامل وهي جو ممطر، وكثافة سيّاح، ودخل مرهون باستمرار تهاطل الأمطار واخضرار المكان وبقاء السيّاح لأطول فترة ممكنة، لكن مع تحويل الموسم إلى منظومة اقتصادية عُمانية ستصبح محافظة ظفار بأصالتها وعبق تاريخها، وأماكنها التراثية وحضارتها، سيتحول خريف ظفار إلى هوية تتبعها سياحة طيلة أيام السنة وليس فقط في موسم خريف ظفار، حيث إن محافظة ظفار تزخر بالعديد من الفرص التي تجعلها منظومة اقتصادية متكاملة من خلال الاستفادة من سياحة التجارب التي تتميز بها المحافظة مثل تنمية السياحة الثقافية والبيئية في السهول والجبال والمتاحف بمختلف ولايات محافظة ظفار عبر إقامة الدورات التدريبية في مجال تصوير الضباب، وتجربة رعي الإبل، والاستفادة من الأعشاب الطبيعية التي تنمو خلال موسم الخريف في إنشاء مركز عالمي للطب البديل بالأعشاب الجبلية.

إن جميع هذه الفعاليات يمكن إقامتها في جميع فصول السنة وليس فقط في موسم الخريف الاستثنائي الذي يؤثر على المحافظة.

أيضا من الفرص الاقتصادية التي تدعم تحويل خريف ظفار إلى منظومة اقتصادية، هو تحويل المنتج الموسمي إلى منتج مصنّع بحيث يستفاد من الخضروات والفواكه الموسمية واللبان وتحويلها إلى منتجات تصدّر إلى خارج سلطنة عُمان على مدار العام، وبالتالي تدر دخلا إضافيا ومستداما.

كذلك من الفرص الاقتصادية الأخرى، تحويل محافظة ظفار إلى عاصمة الاقتصاد الأخضر وهنا أقترح أن تستضيف محافظة ظفار مؤتمرا دوليا عن الاستدامة أو المنتدى العالمي للاقتصاد الأخضر؛ كون أن المحافظة نموذجا حيًّا للاستدامة، مع دراسة مقترح مركز أبحاث للزراعة وتغير المناخ، وبالتالي يتحول التركيز من الاستمتاع بالأجواء الماطرة إلى تصدير المعرفة التي تمتلكها محافظة ظفار إلى مختلف بلدان العالم.

أرى من المهم أن يتوسّع دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الدعم المرحلي خلال موسم الخريف إلى الدعم السنوي من خلال منح مزيدٍ من الحوافز للمشاريع المستدامة، حيث إن التنمية المستدامة الحقيقية ليست فقط في الاستفادة مما يستخرج من تحت الأرض كالنفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى، بل أيضا من خلال استثمار ما تزخر به الأرض من عطايا أنعم الله بها علينا فوق الأرض، وبالتالي من الجيد أن نعمل على تطوير سياحة المغامرات، وتطوير الكهوف وتعديل المسارات الجبلية، كذلك من الممكن الاشتغال على إنشاء قرية ظفار التراثية، وتضم منتجات اللبان والحرف اليدوية والبيوت التراثية في محافظة ظفار، إضافة إلى الاستفادة من الأعشاب النادرة التي تنمو في جبال المحافظة وسهولها في إنتاج منتجات للاستشفاء، وبالتالي تكوّن سياحة علاجية على مدار العام.

إن المقومات التي تزخر بها محافظة ظفار تحديدا في موسم الخريف الاستثنائي والفرص الاستثمارية التي تحويها في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والبيئية، تجعلها أمام فرصة حقيقية وواعدة لتحويلها إلى منظومة اقتصادية عُمانية متكاملة، وتشجّع على التفكير بجدية في إقامة عدة مواسم سياحية على غرار موسم الخريف، مثل موسم ظفار للفن ويتضمن إقامة حفلات الموسيقى والفنون الشعبية، وموسم ظفار للمعرفة يتضمن استضافة المؤتمرات الدولية؛ بحيث يتم توزيع وقت إطلاقها على مدار العام، مما يؤدي ذلك إلى المساهمة في تنمية الاقتصاد العُماني من خلال رفع مساهمة القطاعات الاقتصادية غير النفطية مثل الصناعة والخدمات والصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان.

راشد بن عبدالله الشيذاني باحث ومحلل اقتصادي