No Image
ثقافة

طاقة لا تنضب

25 يونيو 2026
25 يونيو 2026

ما زال المؤرخون يتساءلون عن سرّ الحضارة العربية الإسلامية مبدين إعجابهم بها، حيث استطاعت تجمّعات صغيرة أن تصبح أمة كبيرة وعالمية في بضع عقود وهو ما لا سابق في الزمان. ولهم ولآخرين أن يُفسّروا مآلاتها من حيث تراجع الدور، والذي لا يقف بالطبع عند النفوذ السياسيّ.

لم يتردّد المؤرخون، من مختلف اتجاهاتهم، في الكشف عن السرّ، بمقارنة حال العرب الأوائل بما كان عليه الحال قبل الإسلام، بما بعده؛ فقد استطاعت الفكرة الجديدة، بأصلها الروحيّ أن تكون عامل صهر عجيب، قامت بجمع الأمم موظفة خصوصياتها العلمية والثقافية لمشروع الحضارة الوليد، والذي لم يمرّ قرن حتى صار المشروع الرئيس في العالم، والذي لم يستند فقط للقوة العسكرية، والعجيب أنه في ظل تراجع الدور، بقيت الحضارة العربية الإسلامية حاضرة، في طموح لاستعادة الدور الإنسانيّ، للمشاركة في بناء الحضارة العالميّة.

يرتقي البشر بما أوتوا من فكر وعلم وخبرات في المجالات كافّة، لكن هذا الارتقاء لا يكون مضمونا كما ينبغي، ما لم يستند إلى الإنسانية بما لها من استحقاقات خلقيّة، تنأى بالبشر عن الأنانيّة، وتجعل الخلاص الشخصيّ والعام متلازمين.

لقد تجلّت القيم الإنسانية في الثقافة العربية؛ فظهرت في الشعر، والذي يعدّ ديوان العرب، واستأنف الشعراء النزعة القيميّة مع دخول الثقافة الإسلامية، بتعميق ما كان والبناء عليه من منظور روحيّ، والذي شكّل مصدر تكوين معرفيّ وإنسانيّ، كان من ظواهر الاستقرار الجمعيّ ما مهّد الطريق للنهضة العلمية، والتي بنت على المنجزات السابقة واللاحقة.

وعليه، لم يشتهر الفن الإسلامي سابقا ولاحقا من باب الصدفة؛ فقد عكست الجماليات فيه تلك الحضارة الإنسانية المنبع؛ فالجميل ينبت الجمال، ويستمرّ. وهكذا يمكن للمؤرخين في حقول المعرفة الحضارية استقصاء أثر الفكرة الروحية ممثلة بالقرآن الكريم، على الشعوب التي تعايشت معا في ظل الحضارة العربية الإسلامية، والتي أصبحت اللغة العربية فيها لغة عالميّة.

والآن وغدا، لا يحتاج أبناء هذه الحضارة لكثير كلام، بقدر الحاجة للبدء بفعل جادّ يبني أفراد الأسرة، بنظام تعليميّ وثقافي في التعليم العام والعاليّ، لذلك فلا يمكن المضيّ قدما بمنجزات العلم وحدها، بمعزل عن الدين السماويّ، بما نعني به من سموّ. ولنا في أنفسنا مثل فيما تعلمنا، وللسلف من بناة الحضارة المثال الأعظم، إذ ترافقت المعرفة العلمية والأدبية والفنية مع الجانب الروحيّ؛ فلم يجمع العالم القديم العلوم الدينية والدنيويّة كما يتمّ الوصف، بل إنه في التكوين، تمّ الاستناد على سموّ القيم، فكانت دافعا للارتقاء العلميّ. وهكذا، فقد تميّز علماء الحضارة الإسلامية بأهم ميزة معرفية، ألا وهي الربط الذكيّ بين الحقول العلميّة، وهي ما تعرف اليوم بالمعرفة البينيّة، ولم يكن سرّ ذلك، إلا تلك النظرة السامية التي تنظر للإنسان كمعمّر للكون.

وعلى مدار قرون، وبالرغم ما منيت به الأمة من غزو، فقد ظل الفكر والعلم والجمال ضمن منظومة واحدة، وهي تلك المنظومة ذات الأساس الروحيّ، التي لم يغترب العالم والأديب فيها، ولا نحا منحى تشاؤميا، ولا أطال التفكير في وجوده، ولا سعى نحو الهيمنة والتدمير، كونه يرى الإنسان فاعلا إيجابيا، يبني الحياة من خلال التعاون كقيمة عليا ناظمة ليس فقط أبناء الأمة، بل لآخرين خارجها، كونهم داخل الجماعة البشرية الكبيرة على الأرض.

إننا نحتاج خبراء تعليم يبنون المناهج بالاستئناس بما نملك من إرث إنسانيّ أولا، فنوفّر للأطفال حاضنة تعلّم فريدة، تؤسس السلوك الروحيّ، والذي هو ضمان السموّ الثقافيّ والعلميّ، والذي يأخذ مداها الإبداعي في التعليم العاليّ.

في ظل هذا التكوين، ستكون الفرصة مهيأة لإيجاد بنية معرفيّة قوية، يتم توظيفها لنهضة البشر، في ديمومة عابرة للأزمنة والنظم الحاكمة.

لقد قطع العلماء والباحثون جهودا واضحة باتجاه التطوير، لكننا نأمل في مشاريع النهضة، أن نتجه كلنا إلى الشعوب كنخبة، فلا نقتصر على النخب فقط. وحتى يكون ذلك، فإن بناء نظام الحكم يقتضي البناء لا التحكّم والسيطرة، من خلال تأمل القرن الأول للحضارة العربية الإسلامية، الذي وضع أسس الحكم الرشيد، والذي في كنفه انطلقت مشاريع متنوعة ما زالت مؤثّرة حتى اليوم.

منذ السنوات الأولى للطفل، يتمّ تعريضه للغة، كما يتمّ تعريضه للحياة الروحية، التي تبني لديه السلوك الجادّ، والبحث عن دور، فيكون إقباله على المعرفة إقبال المتعلم الشغوف. وهنا تحدث العبقرية حين تمتزج المعرفة معا، فلا يتمّ التفريق بين المعرفة الدينية والعلمية، لسبب بسيط يتمثل في كون المعرفة الدينية هي معرفة بعيدة عن التلقين، بل إنها دافعة للإنسان بأن يفكّر ويتدبر.

وهنا تتجلّ الطاقة التي لا تنضب؛ فمن يقف فجرا بين يديّ الله، كأول فعل يقوم به، سنجده يواصل يومه بإنجازات متعاقبة، في التفاؤل والسرور، والاحترام والحنان. بل إنّ تدبّر القرآن الكريم يمنح الشعور الوجوديّ الإنسانيّ، فيكون الإقبال على الحياة إقبالا فاعلا بحيوية واضحة، وبرشاقة الخطوة، في ظل نوايا صافية للآخرين.

إنها دعوة لتضمين المعرفة الدينية في أسس تكوين طلبة المدارس، والاستمرار بها في الجامعات، دون الزهد بها، بحيث تقدّم بإيجابية وحسن التناول، فلا يشعر الطلبة في الدراسات العليا بالاغتراب. إن الاكتفاء بما تم تعليمه من قيم دينية في المدارس بمبرر التفرّغ للتخصصات ليس حكيما ولا عقلانيا؛ فعناصر تكوين الشخصية يستمر في مرحلة العشرينيات أيضا. كما أن الاهتمام بتطوير اللغة والذائقة الأدبية لدى مجموع الطلبة يهيئهم ليكونوا مواطنين فاعلين وليس فقط متعلمين، في وقت تكون روافعهم اللغوية مجالا للتعلّم من جهة، وإنتاج المعرفة والذي يكون بالتدوين من جهة أخرى، لا الحيرة في التعبير وعدم القدرة على الكتابة.

إن مواصلة وجود اللغة والهُوية والدين والأخلاق في حياة المتعلمين صغارا وكبارا أمر في غاية الأهمية، لكل من يسعى إلى نهضة غير مجتزأة، بعيدة عن الاجترار والتبعيّة.

إنها دعوة للجامعات والمعارف للاهتمام بالبعد الروحيّ الذي كان وراء وجود العرب والشعوب الأخرى كأمة عالمية، لها دور إنسانيّ بعيدا عن عوامل الاغتراب أو السطو على الآخرين.

Ytahseen2001@yahoo.com