ثقافة

من الجبل إلى الساحل

24 يونيو 2026
24 يونيو 2026

لن يتوقف الفلسطيني عن التعلق بالماضي والمستقبل، يبدو أن هذا قدره، سمعت قبل فترة عالم نفس أوروبي يدعو إلى ثقافة وحياة (الآن - الحاضر وعدم التفكير بالماضي والمستقبل اللذين لا يجلبان سوى الألم والقلق والخوف، قلت في نفسي: يجب على هذا العالم الجليل أن يستثني الفلسطينيين، من هذه المقولة؛ لأن الماضي بالنسبة لهم له مفهوم آخر غير مفهوم القلق النفسي الشخصي، ثمة قلق خاص للفلسطيني يتعلق بخوفه على حضارته وثقافته وأرضه من المحو، لا أحد مثل الفلسطيني يعود إلى الماضي باحثا ومتأملا ونابشا الحقائق ومقلبا طبقات الزمن الفلسطيني، الذي يستهدف الأعداء قتله واغتيال ملامح وجهه، كتب كثيرة صدرت وتصدر في فلسطين تذهب إلى المستقبل مستشرفة أفقه ومقدمة له الأسئلة الصعبة، بين الماضي والحاضر الفلسطيني والمستقبل يعيش الفلسطيني حياته محافظا على بقائه وحاميا هويته، ومستخلصا دروسه. مالذي يفعله الفلسطيني في الحاضر إذن،؟ إنه يجهز نفسه لسفر إلى الخلف أو إلى الأمام، فلا وقت لديه، فالمستوطنات تأكل حاضره، والاحتلال يقلع شجره وبيته ويقتل أولاده، ولكن لماذا لا يقاوم الفلسطيني أعداءه ويموت من أجل بلاده،؟ من قال إنه لا يفعل ذلك؟ لقد قاتل الفلسطيني طويلا وهو مستعد لذلك دائما لكن ثمة وعي ثوري جديد يقلق الأعداء، فالفلسطيني يريد أن يعرف بقوة أولا لماذا هزمنا عام 48 ولماذا بهذه السهولة سيطروا على مقدراتنا؟ وكيف سنهزمهم مستقبلا، ؟. وهكذا تفشل على يديّ الفلسطيني نظرية العالم العبقري حول قلق التفكير بالماضي ومرض التعلق بالمستقبل. وينفجر هنا سؤال: أليس للفلسطيني حياة خاصة، تشبه حيوات الآخرين، وتنطبق عليها أدوات ونظرة العالم الأوروبي؟ نعم لديه حياة خاصة وهي مهمة ومقدسة مثل حيوات الآخرين لكن بلاده تعيش على حافة الإبادة، هل يستطيع فلسطيني أن يستمتع بحياة خاصة طالما السيف الاحتلالي مسلط على الرقاب؟ هنا ينقسم الفلسطينيون، منهم من يقول: نعم يستطيع، فقد ملّ الفلسطيني من دور الضحية والجثة ودور البطل الخارق، نقاتلهم بحبنا للحياة، بالحفاظ على توازننا، وتماسكنا العقلي والفكري، والتشبث بالثوابت، نقاتلهم بالبحث عن أسباب الهزيمة وتعلم الدروس، نقاتلهم بالأدب والفن. ومنهم من يقول: لا مناص من المقاومة بكل الأشكال، فالسيف بوقاحته وعجرفته هو نفسه من يعطينا السبب والدافع.

هذا كتاب جديد من الكتب الفلسطينية المنطلقة إلى الماضي بعدة علمية ونظرة ثاقبة ونفس وطني صادر عام 2025عن دار كل شيء في حيفا،(من الجبل إلى الساحل) للباحث الدكتور خضر سلامة مدير مكتبة الخالدية بالقدس العتيقة وصاحب العشرات من الأبحاث التي تتناول محطات مهمة في تاريخ القدس وفلسطين، الكتاب كما يكتب المؤلف في استهلاله: مكون من أربع مقالات، ثلاث منها يتعلق بالقدس والرابعة عن مدينة الرملة وقد تم كتابة المقالة الأولى عن سجلات المحكمة الشرعية في القدس؛ لأنها المصدر الأساسي لهذه المقالات، السجلات هي المرجع الأول في معرفة قسم من المعلومات علما بان هذه المعلومات أو قسم منها غير معروفة عن العائلات والشخصيات التي تم تناولها، في هذه المقالات، والمقالة الثانية عن الشيخ خليل الخالدي اعتمد فيها على أوراقه الموجودة في مكتبة المسجد الأقصى، والمقالة الثالثة عن عائلة مقدسية هي عائلة الشيخ البديري، وتم التعرض لحياته ووقفياته وأملاكه وكذلك للمكتبة التي أسسها وللعائلة من بعده. أما المقالة الرابعة فتبحث في سير العائلات المتنفذة في مدينة الرملة وكيف تطورت وامتلكت العقارات والأراضي والاوقاف والوظائف من هنا جاءت شهرتها لأنها بهذه الملكيات امتلكت الأموال لإرسال أبنائها للتعليم، خارج فلسطين.

أشار المؤلف إلى أن أول ثلاث مقالات كتبت ضمن مشروع، ممول من سويسرا ويعرف باسم (ألف) والهدف منه ربط مكتبة الخالدي، والبديري واسعاف النشاشيبي، ضمن خدمة إلكترونية، واحدة إضافة إلى تصوير نوادر من المحفوظات في هذه المكتبات.

فصول الكتاب: سجلات المحاكم الشرعية كمصدر أساسي لتاريخ المدينة، مفتي مملكة فلسطين الشيخ خليل الخالدي الشيخ محمد بدير وعائلة البديري والرملة من خلال سجلات المحكمة الشرعية في يافا والقدس، يفصل المؤلف في كل فصل، تاريخ الأمكنة والناس، علاقات الطوائف مع بعضها البعض، علاقات الشخصيات المذكورة بالناس والسلطة، وأملاكهم، ومكتباتهم، والتاريخ العائلي لهم، والنشاط النضالي والديني والاجتماعي لهم، ولعل أمتع وأهم فصول الكتاب هو فصل الرملة وتاريخها، من خلال سجلات المحكمة الشرعية، في يافا والقدس، وقد تم تناول تاريخ المدينة في الحقب المختلفة بعائلاتها في فترات الانتداب العثماني والبريطاني وعلاقة المدينة بالأوروبيين والتنظيمات العثمانية ومظاهر المدينة العمرانية والأماكن المقدسة الإسلامية.

المؤلف في سطور:

خضر إبراهيم سلامة

حائز على اللقب الثالث التاريخ العثماني، له بحوث في تاريخ القدس

ومن مؤلفاته

نقوش المتحف الإسلامي

المحكمة الشرعية في القدس في فترة سليمان القانوني

المصاحف في المتحف الإسلامي.

يعمل الآن مدير للمكتبة الخالدية في القدس العتيقة.

Image