حسن أمين: اللغة السينمائية جسرٌ لنقل الهوية العمانية إلى العالم
في وقت تتزايد فيه أهمية الصورة بوصفها وسيلة للتوثيق وصناعة الوعي، يبرز مخيم "وثق" للأفلام الوثائقية بمحافظة ظفار بوصفه مبادرة تسعى إلى تمكين الشباب من توظيف أدوات الفيلم الوثائقي في استلهام وتوثيق الهوية العمانية، وتحويل تفاصيل المكان والإنسان إلى قصص بصرية قادرة على الوصول إلى الجمهور محليًا وعالميًا. والذي تنظمه الجمعية العمانية للسينما كمبادرة لدعم صناع الأفلام في محافظات السلطنة.
وفي إطار المخيم، استضفنا المخرج والمصور السينمائي المصري حسن أمين، الذي يتولى تدريب المنتسبين على مهارات صناعة الفيلم الوثائقي واللغة السينمائية.
ويُعد أمين من الأسماء البارزة في مجال التصوير السينمائي والفوتوغرافي، حيث شارك في العديد من المهرجانات السينمائية والأعمال الفنية، وعمل مصورًا رسميًا لعدد من أبرز المهرجانات السينمائية في مصر، كما أسهم في تصوير وإنتاج مجموعة من الأفلام الروائية والوثائقية.
في هذا الحوار، يتحدث حسن أمين عن أهمية اللغة السينمائية في تقديم الهوية الثقافية للعالم، ورؤيته لصناعة الفيلم الوثائقي، وأبرز المبادئ التي يحرص على غرسها في نفوس المتدربين، إضافة إلى رأيه في مستقبل صناعة الأفلام في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي.
** *بالنظر إلى أن مخيم "وثق" يهدف لاستلهام وتوثيق الهوية العمانية، كيف يمكن للمخرج الذكي أن يحول الإرث الثقافي والإنساني لأهل ظفار إلى لغة سينمائية يفهمها العالم عبر المنصات العالمية؟* يؤكد حسن أمين أن اللغة السينمائية هي العنصر الأهم في صناعة الفيلم، وهي ما حرص على ترسيخه لدى المشاركين في مخيم "وثق". ويوضح أن هذه اللغة تُعد لغة عالمية لا تعتمد على أبجدية أو لغة محلية محددة، بل تستند إلى المشاعر الإنسانية المشتركة التي تجمع البشر في مختلف أنحاء العالم.
ويضيف أن الجمهور يستطيع التفاعل مع أفلام من ثقافات مختلفة لأنه يفهم لغة الصورة والمشاعر الكامنة خلفها، فالحب والأمل والحزن وغيرها من الأحاسيس الإنسانية تبقى مفهومة ومؤثرة أينما عُرضت. ومن هذا المنطلق ركزت الورش التدريبية على إتقان مفردات اللغة السينمائية، من اللقطات والعدسات والموسيقى وتقنيات المونتاج، باعتبارها الأدوات التي تمكّن صانع الفيلم من نقل قصته المحلية إلى جمهور عالمي.
ومن الحديث عن أدوات الصناعة السينمائية، ينتقل أمين للحديث عن العنصر الأهم في أي تجربة تدريبية، وهو الإنسان الذي يحمل الشغف والرغبة في التعلم.
** *ما الذي لمسته في طاقات المشتركين في مخيم "وثق"؟ وما هي أول "قاعدة ذهبية" تحرص على غرسها في عقولهم عند بدء صناعة الفيلم الوثائقي؟* يقول أمين إنه لمس لدى المشاركين قدرًا كبيرًا من الحماس والالتزام والحرص على الاستمرار طوال فترة المخيم، رغم ارتباطاتهم المختلفة، وهو ما يعكس رغبة حقيقية في التعلم والتطوير.
أما القاعدة الذهبية التي يحرص على ترسيخها منذ البداية، فهي أن صانع الفيلم مؤتمن على نقل القصة إلى العالم، وعليه أن يتعامل مع الشخصيات والموضوعات التي يوثقها بمسؤولية وصدق. ويرى أن اندماج صانع الفيلم شعوريًا مع القصة وأصحابها هو ما يمنح العمل صدقه وقدرته على التأثير في المتلقي.
*الفيلم الوثائقي... عندما تتحول القصة إلى تجربة إنسانية* ورغم ما يواجهه الفيلم الوثائقي أحيانًا من تصورات نمطية تصفه بأنه مادة جافة أو أقرب إلى التقرير، إلا أن أمين يرى أن الأمر مختلف تمامًا عندما تُروى القصة بالطريقة الصحيحة.
** *الفيلم الوثائقي غالبًا ما يُظلم بوصفه "تقريرًا جافًا".. في ورشتك الحالية، كيف تُعلم المتدربين مهارة "أنسنة" الوثائقي وجعله نابضًا بالحياة والجمالية السينمائية؟* يشير أمين إلى أن أي فيلم مؤثر لا بد أن يحتوي على عناصر درامية وأحداث حقيقية قادرة على جذب المشاهد، موضحًا أن الفيلم الوثائقي ليس مجرد مجموعة من المقابلات، بل تجربة إنسانية متكاملة ينقلها صانع الفيلم بصدق وأمانة.
ويؤكد أهمية أن يظهر بطل القصة على طبيعته دون توجيه أو فرض لما يجب أن يقوله أو كيف يقوله، لأن جوهر الفيلم الوثائقي يكمن في الاقتراب من الإنسان وفهم تجربته، ثم منحه المساحة الكافية ليروي حكايته بطريقته الخاصة. فهذه العفوية، بحسب أمين، هي ما يمنح الفيلم صدقه وحيويته وقدرته على ملامسة الجمهور.
وفي ظل هيمنة المحتوى السريع ومنصات التواصل الاجتماعي، يبرز سؤال مهم حول قدرة الفيلم الوثائقي على المحافظة على حضوره وتأثيره.
** *في عصر السرعة ومنصات التواصل الاجتماعي، كيف يحافظ الفيلم الوثائقي الطويل أو القصير المحبوك سينمائيًا على جاذبيته وقيمته؟* يرى أمين أن العمل الجيد لا يمكن تجاهله، وأن لكل عمل متميز جمهوره الذي يبحث عنه. ويشير إلى أن منصات التواصل الاجتماعي مناسبة لإيصال الرسائل السريعة والمختصرة، إلا أن الفيلم يظل الوسيط الأقدر على بناء ارتباط عاطفي عميق مع المشاهد.
ويضيف أن الجمهور مستعد لمتابعة أعمال طويلة تمتد لعدة مواسم متى ما وجد فيها المتعة والجاذبية، ولذلك فإن جودة السرد وقدرة الفيلم على إبقاء المشاهد متفاعلًا هما العاملان الحاسمان في نجاحه. ولهذا يوصي طلابه دائمًا بالبحث عن القصص الإنسانية لما تمتلكه من قدرة كبيرة على شد انتباه الجمهور وإبقائه حاضرًا حتى نهاية الفيلم.
ومع التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الكتابة وصناعة المحتوى، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الإبداع الإنساني في المجال السينمائي.
** *مع غزو أدوات الذكاء الاصطناعي لمجالات التأليف وصناعة القصص، هل ترى أن صناعة الأفلام قد تفقد وجود الكاتب أو السيناريست الحقيقي؟ وكيف يمكن توظيف هذه الأدوات لدعم الحراك السينمائي؟* يؤكد أمين أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مساعدة فعالة يمكن الاستفادة منها في تطوير العمل الإبداعي، لكنه لا يمكن أن يحل محل الإنسان. فالتفكير والإحساس والتجربة الحياتية تبقى عناصر إنسانية خالصة لا تستطيع الآلة محاكاتها بصورة كاملة.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة واسعة على الوصول إلى المعلومات وتحليلها، ويمكن أن يكون داعمًا مهمًا في عمليات البحث وجمع البيانات، إلا أن جوهر العمل السينمائي يظل مرتبطًا بالمشاعر الإنسانية والعلاقات والتجارب الحقيقية التي يعيشها صانع الفيلم ويتفاعل معها.
من خلال تجربته في مخيم "وثق" للأفلام الوثائقية بمحافظة ظفار، يؤكد المخرج حسن أمين أن صناعة الفيلم الوثائقي لا تبدأ بالكاميرا، بل تبدأ بفهم الإنسان والقدرة على الإصغاء إلى قصته. وبين إتقان اللغة السينمائية، والالتزام بأمانة الحكاية، والبحث عن المشاعر المشتركة التي تجمع البشر، تتشكل الأفلام القادرة على تجاوز الحدود والوصول إلى الجمهور أينما كان. وهي رسالة يسعى المخيم إلى ترسيخها في جيل جديد من صناع الأفلام، يحملون قصص المكان والإنسان العماني إلى العالم بلغة الصورة.
