لـيـس لإيـران بـرنـامـج نــووي عـسـكـري
هـل تـمـلـك إيـران بـرنـامـجـا فـعـلـيـا لـتـصـنـيـع سـلاح نـووي مـثـلـمـا يـقـول أعـداؤهـا فـي الـغـرب حـاشـديـن للـتـدلـيـل عـلى ذلـك أدلـة مـن قـبـيـل الـنـسـب الـعـلـيـا الـتـي بـلـغـتـهـا عـمـلـيـات تـخـصـيـب اليـورانـيـوم فـيـهـا مـمـا يـجـاوز الاسـتـخـدام للأغـراض الـمـدنـيـة؟
إن صـح وجـود لـمـثـل هـذا الـمـسـعـى فـي بـرنـامـجـهـا فـكـيـف تـقـبـل الـتـفـاوض عـلـيـه مـن حـيـث الـمـبـدأ: أمـس والـيـوم؟ أمـا إن كـانـت قـد حـمـلـت عـلى ذلك الـتـفـاوض بـالـضـغـط الاقـتـصـادي والحـرب والـحـصـار فـهـل يـعـنـي إرجـاء الحـديـث فـي الـبـرنـامـج الـنـووي (إلـى مـرحـلـة لاحـقـة مـن مـفـاوضـات مـسـار بـاكـسـتـان) مـحـاولـة مـن إيـران للـتـمـلـص أو لـكـسـب الـوقـت فـي انـتـظـار مـتـغـيـرات سـيـاسـيـة تـقـيـد انـدفـاعـة الإدارة الأمـريـكـيـة الحـالـيـة نـحـو هـدف مـنـع طـهـران مـن بـلـوغ غـايـتـهـا مـن بـرنـامـجهـا الـعـلـمـي والـصـنـاعـي؟نـمـيـل مـن جـهـتـنـا إلـى افـتـراض يـقـضـي بـعـدم وجـود بـرنـامـج نـووي عـسـكـري لـدى إيـران فـي الـمـرحـلـة الـمـنـظـورة عـلى الـرغـم مـن كـل الحـمـاوة الـتي تـغـشـى الـصـراع بـيـن واشـنـطـن -والـكـيـان الـصـهـيـونـي والـغـرب وراءهـا- وطـهـران.
عـلى أنـنـي لا أبـنـي هـذا الـفـرض عـلى سـابـقـة الـفـتـويـيـن اللـتـيـن أصـدرهـمـا كـل مـن الإمـام الـخـمـيـنـي، وبـعـده السـيـد عـلـي خـامـنـئـي بـتـحـريـم تـصـنـيـع سـلاح نـووي؛ لـمـخـالـفـتـه أحـكـام الـشـريـعـة الإسـلامـيـة (كـمـا أفـتـيـا)، بـل أجـد لـذلك الافـتـراض مـا يـقـيـم عـلـيـه دلـيـلا مـن سـيـاسـات إيـران الـفـعـلـيـة لا مـن نـيـات لـيـسـت قـابـلـة للـقـيـاس أو للـتـحـلـيـل لاحـتـجابـهـا عـن الـتـجـلـي الـمـادي.
وعـلى ذلـك نـذهـب إلـى الـقـول: إن مـا يـبـدو مـن مـسـعـى حـثـيـث إلـى حـيـازة الـقـدرة عـلى تـصـنـيـع سـلاح نـووي فـي نـشـاطـات إيـران وبـرامـج مـفـاعـلاتـهـا، لـيـس أكـثـر مـن طـريـقـة عـمـل عـنـدهـا للـدفـاع عـن مـبـدأ تـبـغـي الاعـتـراف لـهـا بـه مـمـن يـنـازعـونـهـا فـيـه: الحـق فـي حـيـازة تـكـنـولـوجـيـا نـوويـة تـخـول لـهـا تـسـخـيـرهـا فـي بـرامـجـهـا الـتـنـمـويـة الاجـتـمـاعـيـة- الاقـتـصـاديـة.
ومـا أكـثـر الـقـرائـن الـمـاديـة عـلى ذلـك فـي المـاضـي الـقـريـب وفـي الـراهـن الإقـلـيـمـي والـدولـي.
أول مـا يـشـهـد لـذلـك الافـتـراض مـا فـعـلـتـه إيـران قـبـل عـام وعـشـرة أعـوام حـيـن أسـفـرت مـفـاوضـات الـ 5+1 (بـيـن الـدول الـدائـمـة الـعـضـويـة فـي مـجـلـس الأمـن بالإضافة إلى ألـمـانـيـا، مـن جـهـة، وإيـران مـن جـهـة أخـرى) عـن اتـفـاق نـووي فـي لـوزان (أبـريـل 2015) عـرف بـاسـم «خـطـة الـعـمـل الـشـامـلـة الـمـشـتـركـة»، ووقـعـتـه الـدول الـسـبـع تـلك فـي يـولـيـو 2015، ووافـق عـلـيـه مـجـلـس الأمـن فـي الـشـهـر عـيـنـه، ثـم شـرع فـي تـنـفـيـذ أحـكـامـه بـدءا مـن مـطـلـع عـام 2016. هـل هـنـاك دولـة تـضـمـر الـحـصـول عـلى سـلاح نـووي فـيـمـا هـي تـوقـع فـي الـوقـت عـيـنـه عـلى اتـفـاق مـن قـبـيـل «اتـفـاق لـوزان» لـعـام 2015؟ مـاذا يـقـول الاتـفـاق هـذا الـذي تـفـاوضـت إيـران عـلى بـنـوده ووقـعـت عـلـيـه بـالمـوافـقـة؟ إنه يـقـضـي - فـي بـنـوده الـمـتـعـلـقـة بـالـبـرنـامـج الـنـووي - بـالـتـزام إيـران أمـورا ثـلاثـة: الـتـوقـف الـكـامـل عـن كـل نـشـاط هـادف إلـى إنـتـاج الــلـوتـونـيـوم والـيـورانـيـوم عـالـي الـتـخـصـيـب، وحـصـر عـمـل مـنـشـآتـهـا الـنـوويـة الـثـلاث (فـي آراك ونـطـنـز وفـوردو) فـي الـبـحـث الـعـلمـي والاسـتـخـدامـات الـمـدنـيـة، وتـقـيـيـد عـدد أجـهـزة الـطـرد الـمـركـزي وأنـواعـهـا، وتـحـديـد مـسـتـوى الـتـخـصـيـب الـمـسـمـوح بـه بـسـقـف لا يـتـخـطـى نـسـبـة 3.67 %، وتـحـجـيـم مـخـزونـهـا مـن الـيـورانـيـوم الـمـخـصـب، وإخـضـاع الـنـشـاط الـنـووي الإيـرانـي لـرقـابـة دولـيـة صـارمـة مـن خـلال آلـيـتـيـن: آلـيـة مـراقـبـة هـيـئـة «اللـجـنـة الـمـشـتـركـة» (= مـن الـدول الـمـوقـعـة عـلى الاتـفـاق) تـنـفـيـذ بـنـود الاتـفـاق، وآلـيـة تـفـتـيـش غـيـر مـقـيـد للـمـنـشـآت الـنـوويـة الإيـرانـيـة - مـن قـبـل مـفـتـشـي «الـوكـالة الـدولـيـة للـطـاقـة الـذريـة» - مـن أجـل ضـمـان عـدم عـودة إيـران إلـى بـرنـامج تـطـويـر أسـلـحـة نـوويـة يـحـظـره «اتـفـاق لـوزان». عـمـلا بـأحـكـام الاتـفـاق خـفـضـت إيـران مـخـزونـهـا مـن الـيـورانـيـوم الـمـخـصـب بـنـسـبـة 98% وواظـبـت عـلى الـسـمـاح لـمـفــتـشـي الـوكـالـة الـدولـيـيـن بـالـوصـول إلـى مـنـشـآتـهـا وتـفـتـيـشـهـا مـن غـيـر قـيـود بـاعـتـراف رسـمـي مـن الـوكـالـة.
مـا كـان يـمـكـن لطـهـران أن تـوقـع عـلى اتـفـاق دولـي يـفـكـك بـرنـامـجـهـا الـنـووي الـعـسـكـري لـو هـي كـانـت سـاعـيـة حـقـا إلـى تـصـنـيـع سـلاح نـووي. سـيـقـال: إنـهـا أخـذت ثـمـنـا مـجـزيـا لـذلـك الـتـنـازل: رفـع أمـريـكـا وأوروبـا بـعـض الـعـقـوبـات بـمـا فـي ذلـك عـن قـطـاع الـنـفـط، وتـمـكـيـن إيـران مـن مـعـاودة الـتـصـديـر، وتـعـلـيـق عـقـوبـات أخـرى فـضـلا عـن إلـغـاء إدارة أوبـامـا وبـعـض دول أوروبـا قـرار تـجـمـيـد أصـول مـالـيـة إيـرانـيـة تـبـلـغ مـائـة مـلـيـار دولار (الأمـر الـذي مـعـه أمـكـن إيـران أن تـسـتـفـيـد مـن أمـوالـهـا الـمـحـجـوزة).
نـعـم هـذا صـحـيـح، ولـكـن هـل كـانـت إيـران تـريـد شـيـئـا آخـر غـيـر اسـتـعـادة تـلـك الحـقـوق الـمـصـادرة مـنـهـا بـقـوة سـيـاسـة الـعـقـوبـات؟ وحـتـى لـو أرادت حـيـازة سـلاح نـووي فهـل يـسـعـهـا ذلـك فـي مـواجـهـة الـضـغـط الـهـائـل الـذي تـعـرضـت لـه مـن الـغـرب وألـحـق الأذى الـشـديـد بـاقـتـصـادهـا والأوضـاع الاجـتـمـاعـيـة لـشـعـبـهـا؟
مـا كـان لـهـا وهـي تـفـاوض فـي عـام 2015 تـرف الاسـتـغـنـاء عـن أمـوالـهـا الـمـسـروقـة وحـقـوقـهـا الاقـتـصاديـة والـتـجـاريـة بـالـتـمـسـك بـمـشـروع نـووي عـسـكـري كـان فـي حـكـم الـمـسـتـحـيـل، وكـان الإصـرار عـلى الـسـيـر فـيـه مـسـلـكـا أشـبـه بـالـفـعـل «الـقـصـووي الانـتـحـاري».
لـذلـك اخـتـارت الـمـمـكـن الـواقـعـي لـحـظـتـئـذ، وكـان مـن الـراجـح أن تـدأب عـلـيـه لـولا أن وقـعـت الـواقـعـة، وفـرضـت عـلـيـهـا سـيـاسـة أخـرى.
لـقـد كـان تـرامـب هـو مـن قـاد الانـقـلاب عـلى «اتـفـاق لـوزان» الـنـووي - فـي ابـتـداء ولايـتـه الأولـى فـي عـام 2018 -، وانـقـض حـتـى عـلى ذلـك الـنـزر الـيـسـيـر مـن حـقـوق إيـران الـتـي أقـر لـهـا بـهـا الـعـالـم فـي ذلـك الاتـفـاق! فـمـا كـان عـلى إيـران بـالـتـالـي سـوى أن تـرد عـلى الانـقـلاب ذاك بـخـرق نـسـبـة الـتـخـصـيـب الـمـسـمـوح بـهـا بـمـوجـب اتـفـاق عـام 2015 (3.67 %)، والانـتـقـال بـهـا إلـى 20%، ثـم فـي الـعـامـيـن الأخـيـريـن إلـى 60%.
إذا كـانـت هـذه الـنـسـبـة مـخـيـفـة لإدارة تـرامـب وأصـدقـائـهـا الإسـرائـيـلـيـيـن، وتـوحـي إلـى كـثـيـريـن خـطـأ بـأن لإيـران بـرنـامـجـا نـوويـا عـسـكـريـا فـلـيـسـت إيـران هـي مـن يـسـأل عـن هـذه الـنـسـبـة الـعـالـيـة، بـل يـسـأل عـنـهـا مـن أنـتـج أسـبـابـهـا: دونـالـد تـرامـب.
عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي
