قد ينجو ترامب من مذلة إيران أما نتنياهو فلا

22 يونيو 2026
ترجمة - أحمد شافعي
22 يونيو 2026

بنيامين نتنياهو هو الخاسر الأكبر في اتفاقية الأسبوع الماضي الأولية لإيقاف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وهو الذي سيتذكره التاريخ بكونه الرجل الذي وضع السيف على رقبة الشرق الأوسط.

فسواء أكانت «المشكلة» هي حماس في غزة، أم الاستيلاءات غير المشروعة على الأرض في الضفة الغربية، أم الطابور الخامس المزعوم من عرب إسرائيل، أم أساطيل المساعدات لحملات السلام، أم حزب الله في لبنان، أم الميلشيات المعادية في إسرائيل والعراق واليمن، أم النظام الإسلامي في طهران، فإن «الحل» بالنسبة للقائد الإسرائيلي كان دائما واحدا، وهو العنف الفائق، وغير القانوني في أكثر الأحيان، بما يزيد الأمر في كل مرة سوءا على سوء.

وكانت الحرب المجانية غير القانونية على إيران هي التعبير الأكبر عن مبدأ استعمال القوة الغاشمة غير المتناسبة الذي يؤمن به نتنياهو.

وفشلت هذه الحرب هي الأخرى مصداقا للتنبؤات. ويسعى دونالد ترامب الآن سعيا حثيثا إلى القول إن مذكرة وقف إطلاق النار التي وقعها في فرساي (دون كل الأماكن) ليست الاستسلام البائس الواضح للجميع.

ولكن في حين أن رئيس الولايات المتحدة قد ينجو من هذه المذلة، برغم شكوك العالم وسخريته، فإن العواقب المحتملة لهذه الكارثة على أخيه وزميله نتنياهو عواقب جسيمة كفيلة بإنهاء مسيرته السياسية.

فباعتبارات كثيرة، بات أطول رؤساء وزراء إسرائيل حكما في ذمة الماضي بالفعل. ويبدو نعيه السياسي أشبه باتهام جنائي؛ فعلى مدار عقود قاوم نتنياهو حل الدولتين مع الفلسطينيين، وعجز عن منع أعمال حماس في السابع من أكتوبر سنة 2023، ثم مارس في غزة انتقاما إباديا، وتشبث في السلطة بإعطائه ساسة اليمين المتطرف مناصب حكومية أساسية، مكللا بلده بالعار والإحباط الدائمين. وقوض اتفاقية 2015 النووية المعترف بها دوليا مع إيران، وهي الاتفاقية التي رفضها ترامب بعد ذلك في سذاجة، مما أدى إلى صراع العام الحالي الكارثي الذي كان وبالا عليه.

غير أن السبب الأساسي الذي يجعل نتنياهو الآن ينحدر إلى هاوية النسيان السياسي، حتى مع اقتراب انتخابات الخريف، ليس أيا مما سبق؛ ولكن لأنه سمم بـ«العلاقة الخاصة» الحيوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولعله ألحق بها ضعفا قاتلا، فهو وترامب نادرا ما يتوافقان. وبحق أم بغير حق، يوجه البيت الأبيض ـ والشعب الأمريكي المصدوم والنافر بسبب حرب إسرائيل على غزة ـ اللوم على نتنياهو في اجتذاب الولايات المتحدة إلى صراع محكوم عليه بالهزيمة استنادا إلى تنبؤات واهية بنصر يسير وانهيار لنظام الحكم. والآن وقد بات السلام قريب المنال يخشون من أن يعرقله نتنياهو بمواصلته الحرب في لبنان.

في العقود التالية لاستقلال إسرائيل سنة 1948، كثيرا ما تصادم البلدان، بشأن حرب السويس سنة 1956 وبشأن حروب إسرائيل مع العرب، وبشأن خطط السلام، والحدود والمستوطنات، لكن عندما انتهت الحرب الباردة، وتلاشى الخطر السوفييتي، ازداد تلاقي مصالح البلدين الاستراتيجية والأمنية المعززة بقيم ديمقراطية مشتركة. تضاعفت مساعدات الولايات المتحدة العسكرية لإٍسرائيل وكذلك قوة جماعات الضغط المؤيدة لها في واشنطن، وباتت الولايات المتحدة هي المدافع الأساسي عن إسرائيل وحليفها الذي لا غنى عنه وأصبحت إسرائيل الشريك الرائد لأمريكا في المنطقة.

بدأ التوافق يتفكك في 2015 عندما أطلق نتنياهو والمنظمات الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة حملة هائلة لإفشال محاولة باراك أوباما لإعادة التقارب مع إيران. وكتب جوشوا لايفر في هاآرتس أن «مساعي المناصرين لإسرائيل فشلت في إيقاف الاتفاقية النووية. بل إنها دمرت قاعدتها في الحزبين. فسرعان ما بدأت الجماعات الإسرائيلية تعمل علنا بوصفها جناحا للحزب الجمهوري». وجاء فريق ترامب الأول ليعمق الاستقطاب السياسي. فتجاهل منظمة التحرير الفلسطينية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. وأشار لايفر إلى أنه «يمكن القول بأن ترامب أبعد عوام الديمقراطيين عن إسرائيل أكثر مما أبعدهم أي ناشط مؤيد للفلسطينيين».

وازداد تشظي التوافق بأفعال قام بها نتنياهو بعد ذلك من قبيل تبنيه المحسوب للسياسات اليمينية الشعبوية القومية المتطرفة ودعمه للتوسع بلا حساب ولاستيلاء المستوطنين على الأراضي وحروبه الفاشلة في غزة ولبنان ثم إيران الآن. وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى تحول مذهل. فللمرة الأولى يكون المتعاطفون من الأمريكيين مع الفلسطينيين أكثر من المتعاطفين منهم مع الإسرائيليين. ويتساءل كثيرون عما لو أن التحالف يخدم مصالح الولايات المتحدة ويرغبون في إيقاف المساعدة العسكرية أو الحد منها. ومن المفارقات أن النقد الراهن ـ شأن الثناء الغابر ـ يحظى بإجماع الحزبين، فيأتي من التقدميين اليساريين مثلما يأتي من أنصار حركة ماجا. وإذا صحت أخبار هجمات ترامب وإهاناته الشخصية لنتنياهو «المجنون»، فهي إذن تعكس انهيارا أعم في الثقة المتبادلة، وموجات الصدمة الناجمة عن ذلك قد تكون لها عواقب جيوسياسية دائمة.

والآن وقد حقق نتنياهو ما لم يسبقه إلى تحقيقه أي من أسلافه ـ أي جر الولايات المتحدة إلى حرب شاملة ـ فإنه الآن في مركز تطور آخر غير مسبوق: يتمثل في انقسام استراتيجي عميق بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

لقد تسببت اتفاقية ترامب مع إيران في فزع كثير من الإسرائيليين في اليمين وغيره أيضا. فقد حظيت الحرب بدعم شعبي قوي يستند إلى وعود نتنياهو بالقضاء نهائيا على الخطر الإيراني النووي والصاروخي البالستي، وتقليل قوة وكلاء طهران في المنطقة، وأهمهم حزب الله، وإشعال شرارة تغيير نظام الحكم.

ولم تتحقق أي من هذه الأهداف. والأسوأ من ذلك في نظر إسرائيل أن نظام الحكم الإيراني المتجدد الخاضع لسيطرة الحرس الثوري يخرج من الحرب جريئا ومتحديا لدرجة أن يخطط لفرض رسوم مرور في مضيق هرمز.

في حديث له بعد قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي، أجهز ترامب على خطوط نتنياهو الحمراء فقال إنه لا بد من السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم، وإنه كان لها الحق في امتلاك الصواريخ البالستية، وإنه لا بد من رد مليارات دولارات الأصول المجمدة في سياق رفع أعم للعقوبات. ودعمت الولايات المتحدة مطلب إيران بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في لبنان، وهو مطلب أكده في غضب نائب الرئيس جيه دي فانس الذي أمر نتنياهو بإيقاف القتال والالتزام بالأمر. ونبه فانس بشدة إلى أن الولايات المتحدة هي «الحليف القوي الوحيد» المتبقي لإسرائيل.

ووفقا لأي مقياس معهود تمثل هذه المواجهة العلنية كارثة لإسرائيل.

نتنياهو الآن مأزوم؛ ففي حال محاولته إظهار حريته واستقلاله بعصيان ترامب، قد يستفز إيران إلى إعادة بدء الحرب وتدمير اتفاقية السلام. وبعد أن انسحبت إيران من محادثات المتابعة يوم الجمعة في سويسرا بسبب الضربات الإسرائيلية لحزب الله، قال مسؤولون أمريكيون إن الجانبين اتفقا على إعادة العمل بوقف إطلاق النار السابق. أما إذا خضع نتنياهو في جبن لإملاءات ترامب، وبخاصة في ما يتعلق بسحب كامل للقوات من لبنان، فقد يفقد أي قدر باق له من المصداقية لدى الناخبين والحلفاء في اليمين المتطرف، وفي كلتا الحالتين، ليس من المحتمل أن تتعافى «العلاقة الخاصة» عما قريب. والتبعات المحتملة لهذه القطيعة مذهلة؛ فقد تكون ذروة الاستثنائية الإسرائيلية، وانهيار حلم نتنياهو بأن تكون إسرائيل الكبرى هي القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، ونهاية الدعم الأمريكي غير المشروط والمساعدات العسكرية غير المشروطة.

وقد تجهض آمال ترامب في توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل دولا خليجية أخرى منشغلة بإعادة حسابات ولائها بعد الحرب.

وقد تتبدد خطة سلام ترامب الظالمة الخاصة بغزة، وقد تكون هي اللحظة التي تقل فيها أخيرًا عزلة إيران، حينما يتبدد الفتور تجاه طهران. والأهم أن إسرائيل سوف تكون أقل أمنًا لا أكثر أمنًا.

لقد راهن نتنياهو بكل ما لديه على نصر شامل على أعدائه الإيرانيين يعزز تركته السياسية، وخسر الرهان خسارة أليمة. وعليه الآن أن يجني ثمار الفشل؛ فلا داعي لأن تتسبب في مزيد من الإزعاج يا بيبي، ولا داعي لأن تنتظر الإقصاء. ليس أمامك إلا أن تستقيل.

سيمون تيسدال من معلقي الشؤون الخارجية في الجارديان.