حين يصبح التحايل أخطر من المعصية

21 يونيو 2026
21 يونيو 2026

لم يكن «النسيء» في الجاهلية مجرد خطأ في حساب الشهور، بل كان محاولة ذكية لإخضاع الدين للمصلحة. فقد كان العرب يعظمون الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. لكن حين تتعارض حرمة الزمان مع مصالحهم السياسية أو العسكرية، كانوا يؤجلون حرمة شهر محرم إلى صفر، فيقاتلون في شهر محرم ثم يقولون إنهم ما زالوا ملتزمين بعدد الأشهر الحرم.

لذلك جاء الوصف القرآني شديدًا: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ»، لأن القضية لم تكن مجرد معصية، بل إعادة تعريف للحلال والحرام وفق الهوى. كانوا يحافظون على «الشكل» بينما يفرغون «المعنى» من مضمونه. ولهذا قال تعالى: «لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، أي أنهم حافظوا على العدد فقط، لكنهم عبثوا بالزمان الذي حدده الله.

وهنا تكمن خطورة «النسيء»: إن الإنسان لا يعود يرتكب الخطأ وهو يعلم أنه خطأ، بل يبدأ بإقناع نفسه أنه ما زال في دائرة الحق.

ورغم أن «النسيء» ارتبط تاريخي بتبديل الأشهر الحرم، فإن روحه لا تزال حاضرة بأشكال مختلفة في عصرنا. خاصة في مجال المال، فحين يُعاد تسمية الربا «فوائد» أو «رسوما إدارية»، أو تُبتكر عقود صورية للوصول إلى النتيجة نفسها، فنحن أمام محاولة لتغيير الاسم لا الحقيقة. وحين تُسمى الرشوة «هدية» أو «إكرامية»، أو يُتحايل لإسقاط الزكاة بنقل المال شكليا قبل تمام الحول، فإن الفكرة واحدة: البحث عن مخرج شكلي يريح الضمير دون تغيير جوهر الفعل.

والأخطر أن التحايل قد يكون أفسد للنفس من المعصية المباشرة؛ لأن العاصي غالبا يعرف أنه أخطأ، أما المتحايل فيبدأ تدريجيا بتعطيل بوصلته الداخلية. ومع الوقت، لا يعود يرى الحرام حراما، بل «ذكاء» أو «اجتهاد» أو «حل شرعي».

لهذا لا يواجه القرآن «النسيء» بوصفه مخالفة قانونية فحسب، بل بوصفه انحرافًا أخلاقيا عميقا؛ لأن الإنسان حين يعتاد تزييف المعاني، يفقد قدرته على رؤية الحقيقة كما هي.

فالمشكلة ليست فقط في ارتكاب الخطأ، بل في إعادة صياغته حتى يبدو حقا. وهنا تبدأ أخطر أشكال الضلال: حين يصبح الإنسان قادرا على خداع نفسه باسم الدين.

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية