نحو تمكين أفضل لمجلس التنسيق الاقتصادي

17 يونيو 2026
17 يونيو 2026

مجلس التنسيق الاقتصادي كانت بدايات تأسيسه في العام (1999) من أعضاء يمثلون جميعهم وزارات وجهات حكومية مختلفة، ثم بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ أُعيد تشكيل المجلس مرة أخرى بالآلية السابقة نفسها مع غياب أعضاء يمثلون القطاع الخاص.

من الاختصاصات التي مُنحت للمجلس في التشكيلتين السابقتين جوانب جوهرية مهمة منها: النظر في جميع المسائل الاقتصادية، والعمل على إيجاد الحلول الناجحة لأية معوقات تعترض التطوير الاقتصادي والقطاع الخاص. كان للمجلس في تلك الفترة بعض القرارات منها التخفيف من سيطرة الوكالات التجارية الحصرية على بعض السلع والمواد للحد من السياسات الاحتكارية التي أثرت سلبا على تنافسية السوق المحلي.

على المستوى الإقليمي هناك مجالس للتنسيق الاقتصادي أو المالي تتمتع أغلبها بالنفوذ الحكومي، وتعكس الأهمية التي تمثلها في مجالات التنسيق للسياسات الاقتصادية، وبالتالي فإن التنسيق الاقتصادي ليس حالة يتفرد بها الاقتصاد الوطني، بل هي ممارسات إقليمية ودولية طُبقت في بعض دول العالم النامي منها والمتقدم.

في اعتقادي، إن تشكيلة المجلس سابقا مع التقدير كانت من أعضاء يحملون مناصب عاليا لمؤسسات حكومية أغلبهم ليس لهم أو لمؤسساتهم علاقة بالشأن الاقتصادي؛ وبالتالي قد يكون المجلس في ذلك الوقت لم يستطع - وإن كان أعضاؤه يتمتعون بنفاذ أعلى في اتخاذ القرارات الاقتصادية - من إيجاد قاعدة اقتصادية تعمل على تذليل الصعوبات التي كانت تواجه القطاع الخاص. كما لم تكن هناك حوارات ونقاشات مع المؤسسات التي لها صلة بالتطوير الاقتصادي. من ذلك لم يكن هناك دور فاعل لغرفة تجارة وصناعة عُمان، وهذا ملاحظ في غياب ممثلين عن للغرفة في تشكيلة المجلس السابقة؛ الغرفة مؤسسة ذات نفع عام هي الجهة التي لها علاقة مباشرة بمؤسسات القطاع الخاص.

عليه، فإن هيمنة المؤسسات الحكومية عند اتخاذ القرار الاقتصادي أدت إلى استمرار مؤسسات القطاع الخاص بجميع فئاتها على العمل في دوامة غير مترابطة، وفي بيئة غير تنافسية تارة قد تتنفس، ولكنها تتألم في أكثر الأحوال من واقع القرارات التي تتخذها الجهات الحكومية.

ولتعزيز فاعلية التنسيق في أركان الشأن الاقتصادي؛ فقد استشرفت القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - مدى الحاجة إلى تنويع تشكيلة مجلس التنسيق الاقتصادي الجديد ليكون أكثر توازنا، ومن أعضاء يمثلون القطاعات المختلفة من المؤسسات الحكومية المختصة، والقطاع الخاص، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مع تغليب عدد الأعضاء غير الحكوميين ما يدل على الرغبة في أن يكون لهم الأغلبية في تشكيلة المجلس.

هذا التوجه يعطي تمكينا أكبر للمجلس مع منحه الصلاحيات التي تساعده في اتخاذ القرارات ودراسة السياسات الاقتصادية التي من شأنها أن تؤثر إيجابا في تطوير بيئة العمل في القطاع الخاص والقطاعات الاقتصادية ذات الصلة.

ونظرا لغياب التنسيق مع القطاع الخاص؛ فقد ظل يعاني من الضعف التنظيمي والرأسمالي من حيث عدم تمكن القطاع الخاص من ضخ أموالا كبيرة في مشاريع استثمارية بالشراكة مع الحكومة ما أدى إلى قيام الحكومة بالعمل على إنشاء شركات حكومية ذات رؤوس أموال كبيرة من أجل الإسراع في التنمية، والتي يزيد عددها على (160) شركة حكومية. على سبيل المثال؛ قبل مدة ليست قصيرة طُرحت مناقصة دولية لدعوة تحالف من الشركات المحلية والعالمية للاستثمار في بناء مطار مسقط الدولي، ولكن تعطل المشروع بسبب ضبابية النشاط الاقتصادي، وتخوف الشركات في ذلك الوقت من ضخ أموال كبيرة مع غياب السياسات الاقتصادية، وعدم تنافسية قطاع المطارات.

كما عانى القطاع الخاص من عدم استطاعته مسايرة التسارع الذي حدث في اقتصاديات الدول المجاورة، والاعتماد في سياسات الاستيراد والتصدير على أسواق قليلة، وظهور طبقة احتكارية لبعض السلع، وقلة تمكين صندوق الاحتياطي العام للدولة (سابقا) في المساهمة الفاعلة في التنمية الاقتصادية.

قد لا تكون إعادة تشكيل مجلس التنسيق الاقتصادي للمرة الأولى، وإن كانت المؤشرات تتحدث عن نفسها بأن التشكيل السابق للمجلس لم يحالفه النجاح في تحقيق الطموحات والغايات الاقتصادية المتوخاة من إنشائه، وهذا تؤكده فكرة إحياء المجلس بعد غياب دام أكثر من خمسة وعشرين عاما من التشكيلة السابقة، بيد أنه في الجانب المشرق فإن القيادات العليا في الدولة كانت في كل مرة تبذل جهودا استثنائية في العمل نحو تذليل العقبات والتحديات التي تحول دون رفع مستوى الأداء الاقتصادي. ولكن المعضلة ليست في طرح الأفكار وإنشاء المجالس في ذلك الوقت، بل في أن تلك المجالس كانت - بحكم تشكيلة أعضائها - تمارس في عملها الجانب المؤسسي السياسي مع غياب للخبراء الذين يمثلون القطاعات التي تخدم غايات المجالس، وغياب التكامل مع القطاعات غير الحكومية.

ولكن منذ ستة أعوام فإن ذلك المسار في تكوين وتشكيل المجالس المتخصصة تغير كثيرا؛ بحيث أصبحت ترفد بكفاءات حكومية، ومن القطاع الخاص، وأيضا من الخبراء الدوليين المستقلين.

وعندما نذكر الخبراء المستقلين لا نعني عدم وجود كفاءات وخبرات عمانية، ولكن أولئك الخبراء عادة يُعينون من أجل رفع مستوى الحوكمة، ومن أجل الحصول على آراء من خارج التكتل الحكومي أو الخاص، ومن أجل مواءمة السياسات سواء في القطاع الاقتصادي، وغيرها من القطاعات مع المتغيرات العالمية، ومعرفة التجارب الناجحة ومدى تكيفها مع المناخ الاقتصادي الوطني.

كما أن أولئك الخبراء المستقلين عادة يبدون مرئياتهم مبتعدين عن المصالح الشخصية عند استعراض المواضيع المطروحة للنقاش؛ لأنهم ليست لهم مصلحة خاصة أو تجارية، وإنما الهدف من تعيينهم لفترات مؤقتة تكون في مراحل التأسيس أو تشكيل المجالس.

يظهر جليا الدقة في اختيار أعضاء مجلس التنسيق الاقتصادي، ولكن قد يكون من المناسب التفكير أيضا بالاستعانة بأحد الخبراء الدوليين ليكون ضمن أعضاء المجلس لتقديم الرأي والمشورة ما دام أن من ضمن الأهداف الرئيسة للمجلس العمل عبر استباقية عالمية في استشراف المستقبل والتغييرات في عالم الاقتصاد.

إضافة خبير دولي مستقل لمجلس التنسيق الاقتصادي يتوافق مع النهج الذي تم في تشكيل بعض المجالس، ومنها مجلس إدارة جهاز الاستثمار العماني، ومجلس إدارة مركز عُمان المالي العالمي.

مجلس التنسيق الاقتصادي -طبقا لما جاء في الأوامر السامية- إلحاق تبعيته لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية سوف يعمل بمنهجية تكاملية مع الأجهزة الحكومية واللجان، ومنها وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040، واللجنة المالية والاقتصادية بمجلس الوزراء. هذه التبعية يتوقع أن تمنح مجلس التنسيق الاقتصادي ميزة استثنائية من حيث علاقته بالسلطة العليا عند اتخاذ القرار الاقتصادي، وبالتالي منحه مزيدا من التمكين في الدور المحوري لاختصاصاته، والعمل على إيجاد حلول للتحديات التي تعترض مسيرة التطوير الاقتصادي، وأن تكون مؤسسات القطاع الخاص مساهمة بشكل أفضل في التنمية الاقتصادية، وتعمل بتنافسية على المستوى الإقليمي والدولي.