منظومة متكاملة لصناعة القرار الاقتصادي

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

يعدّ إنشاء «مجلس التنسيق الاقتصادي» برئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية تطورًا استراتيجيًا نحو بناء منظومة أكثر تكاملاً في قيادة الملف الاقتصادي؛ لا تركز فقط على التنويع الاقتصادي، وإنما تشمل أيضًا تأسيس منظومة متكاملة لصناعة القرار الاقتصادي تستهدف «إيجاد تناغم بين السياسات الحكومية ومتطلبات القطاع الخاص، واستشراف توجهات الاقتصاد العالمي، وتعزيز نمو القطاعات الاقتصادية، وتعظيم دور القطاع الخاص في النمو الاقتصادي، إضافة إلى تأكيد توجيه السياسات العامة نحو نموذج تنموي أكثر تنوعًا وتوازنًا».

وهذا يعني أننا أمام مرحلة جديدة في بناء إدارة اقتصادية فاعلة وقادرة على تحقيق تطلعات المجتمع العُماني، وتعزيز المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية، كما تنسجم هذه الخطوة مع رؤية «عُمان 2040» في العديد من الأولويات، خاصة أولوية القيادة والإدارة الاقتصادية، وأولوية القطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي، وأولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية، وغيرها من الأولويات التي تستهدف بناء اقتصاد تنافسي وتعزيز دور القطاع الخاص فيه.

ولعله من الأهمية الإشارة إلى أن تأسيس مجلس التنسيق الاقتصادي يأتي بعد مضي 5 أشهر على إنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وفق المرسوم السلطاني رقم (7 /2026) الصادر في 12 يناير الماضي، كما يأتي بعد العديد من الخطوات الأخرى التي تضمنت إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وإصدار عدد من القوانين والتشريعات التي تستهدف استقطاب مزيد من الاستثمارات وتعزيز دور مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص في ذلك.

وهذا يعني أننا اليوم أمام رسالة اقتصادية واضحة تؤكد للمستثمرين داخل سلطنة عُمان وخارجها توحيد الجهود بين القطاعين العام والخاص وإيجاد تناغم بين السياسات الحكومية من جهة ومتطلبات القطاع الخاص وتوجهات الاقتصاد العالمي من جهة أخرى.

ولعله من الأهمية الإشارة في هذا الجانب إلى أن المستثمر لا يبحث عن الحوافز والتسهيلات والموقع الجغرافي فقط، وإنما يبحث أيضًا عن وضوح القرار الاقتصادي وتكامل الأدوار بين مختلف الجهات الحكومية، بما يسهم في تحسين بيئة الأعمال وتسريع استقطاب الاستثمارات وزيادة مساهمة القطاع الخاص في مختلف المشروعات الاقتصادية.

ويعد «استشراف توجهات الاقتصاد العالمي» من بين الأهداف التي يسعى مجلس التنسيق الاقتصادي لتحقيقها، وهذا يعني تمكين الاقتصاد الوطني من الاستجابة السريعة للمتغيرات العالمية والتكيف مع التحولات الاقتصادية الدولية واستثمار الفرص المتاحة لتسريع نمو مختلف الأنشطة الاقتصادية والحد من تأثير الأزمات الخارجية على الاقتصاد الوطني بشكل عام. وقد لاحظنا خلال السنوات الماضية العديد من التحولات الاقتصادية العالمية الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد، أو ما يتعلق بالتحولات في قطاع الطاقة والذكاء الاصطناعي والمتغيرات الجيوسياسية وغيرها من التحولات الاقتصادية المهمة التي تحتاج إلى تعزيز قدرات الاقتصاد الوطني في التجاوب معها والاستفادة من مكاسبها والحد من أي تأثيرات سلبية ناتجة عنها، وهو ما يجعلنا نرى أن مهمة مجلس التنسيق الاقتصادي لا تقتصر فقط على المواءمة بين السياسات الحكومية وتطلعات القطاع الخاص، وإنما تمتد لتشمل رفع كفاءة التعامل مع التحديات الاقتصادية المحلية والدولية، بما يسهم في تعزيز المكتسبات الاقتصادية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

وإذا كانت سلطنة عُمان قد نجحت خلال السنوات الماضية في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإعادة توزيع الاختصاصات وبناء منظومة اقتصادية أكثر كفاءة من خلال دمج العديد من المؤسسات وتنظيم أدوارها واختصاصاتها، فإننا اليوم أمام تحول مهم عبر إنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي، الذي من شأنه تعزيز صناعة القرار الاقتصادي المشترك وتحقيق التكامل بين مختلف وحدات الجهاز الإداري للدولة ومواءمة السياسات الاقتصادية مع متطلبات القطاع الخاص، بما يؤدي إلى تهيئة بيئة أعمال أكثر تنافسية وقدرة على اجتذاب الاستثمارات النوعية.