عيناكِ...
15 يونيو 2026
15 يونيو 2026
تروي كتب الأدب العربي أنّ أغزل بيتٍ قالته العرب -بحسب الرواية الشهيرة التي وقعت في مجلس عبدالملك بن مروان- هو بيت الشاعر الأموي جرير الذي يقول فيه:
إنّ العيون التي في طرفها حَوَرٌ
قتلننا ثم لم يُحيينَ قتلانا
لقد ذكر جرير العين مبينا أهميتها في عملية الوصف الشعري، وأهميتها في دلالات الغزل التي تعمل على الإثارة النفسية والجمالية؛ فربط بين العيون وبين القتل في تعبير يدل على الأهمية وجمالية الوصف.
عدا ذلك فإنّ الشعراء قد تغنّوا بالعيون منطلقين من دلالاتها الجمالية في وصف المحبوب، والتقرب إلى عالمه الجمالي، ووصف المشاعر التي تقرّب بين حبيبين جمعهما القدر؛ لذا فأين ما وُجد الغزل كانت العيون مصدرا مهما في العلاقة والوصف. وعلى امتداد الشعر العربي القديم إلى يومنا ظلّت العيون مصدرا مهما لإلهام الشعراء بما يريدون إيصاله من فكرة متخيّلة أو وصف جمالي محكم.
إلا أنّ شعراء العصر الحديث قد تفنّنوا في استلهام العيون والانطلاق منها في بناء نصوصهم الشعرية؛ لذا فإنني أقف في هذا المقال على ثلاثة نصوص شعرية استفتحت بلفظة (عيناكِ) مقدمة الخطاب الأنثوي رمزا تنطلق منه إلى فكرة النص ومضمونه.
في القصيدة الشهيرة (أنشودة المطر) يستفتح بدر شاكر السياب قصيدته بلفظة (عيناكِ) في خطاب للأنثى، ولكنّ فلسفة الحزن تتقاطع مع الوجدان الذي يختلط فيه توجيه الخطاب إلى الأنثى من كونها أنثى حقيقية إلى رمز يتطلع إليه الشاعر، ويستدرجه إلى نصه، يتداخل هذا التعبير من الدلالات التي أوردها الشاعر في قصيدته سواء من الأم بما تحمله من رموز دلالية في النص وما يقابله من لفظ الحب، أو من حيث لفظة الخليج وما يقابلها من دلالات المطر والثورة. لكنّ الصورة الأولى التي ينطلق منها الشاعر في ذكر العينين جاءت تحمل رمزية السواد، وخفوت اللهفة والشوق؛ إذ تنمحي الألوان، ويغيب القمر عن الشرفات:
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ،
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ.
تتذبذب الدلالات في القصيدة وتتوزع بين فلسفة الأفول وبين الحياة المرحة، فنجد القصيدة تنتقل إلى الإشراق والبهجة ثم تعود إلى تعبيرها السابق، وكأنّ نفس الشاعر مكسورة، وموزّعة بين تألمَيْنِ وبين عاطفتين، الحزن والفرح، لتبرز لنا المتضادات الثنائية بين الموت والميلاد وبين الظلام والضياء، ثم بعد ذلك بين الطفولة والأمومة:
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ... كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَا سَاعَةَ السَّحَرْ
كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا، النُّجُومْ ...
وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَى شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء،
دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف،
وَالمَوْتُ، وَالميلادُ، والظلامُ، وَالضِّيَاء
لقد قدّم السياب في قصيدته لغة راقية، ودلالات رمزية عميقة، واشتغالا فنيا أظهر تحولات القصيدة العربية الحديثة. كما جاء مطلع القصيدة في صيغة الخطاب الأنثوي محدّدا بلفظة (عيناكِ) في دلالة أقرب إلى المقدمة الغزلية في استفتاحيات النصوص الشعرية التقليدية، وهي التي قدّمت لنا العين كونها ملمحا في العلاقة الشعورية التي سرعان ما انطلق منها الشاعر إلى فكرته الرمزية في النص.
وعلى طريقة أنشودة المطر يفتتح نزار قباني قصيدته (نهر الأحزان) بلفظة (عيناكِ):
عيناكِ كنهري أحـزان
نهري موسيقى.. حملاني
لوراء، وراء الأزمـان
نهري موسيقى قد ضاعا
سيدتي.. ثم أضاعـاني.
إذ يتخذ نزار من العين دلالة في الانطلاق، وهو أكثر وضوحا في خطابه الأنثوي من السياب، إذ تأخذ ألفاظ القصيدة ميلا إلى الأنثى بشكل صريح من خلال ألفاظ (سيدتي، أأقول أحبُّكِ يا قمري، يا حبي الأوحد لا تبكي)، مع ذلك لا يمكن القول إنّ الأنثى عند نزار في قصيدته لم تكن رمزا.
ترتبط العينان في افتتاحية النص بالحزن، وينطلق الشاعر من العين في تعبيره عن الحزن، ويظهر التكرار في ذلك مؤكدا على هذا الارتباط:
فأنا لا أمـلك في الدنيـا
إلا عينيـك... وأحـزاني
تبرز دلالات الحزن العاطفي بصورة كبيرة: (كنهري أحزان، ضاعا ثم أضاعاني، الدمع الأسود، محترق نيراني تأكل نيراني، سفني في المرفأ باكية، تتمزّق فوق الخلجان). لقد انمحت مع الدلالات السابقة صورة اللون البراق؛ إذ ترتبط الألوان بالحزن والفراق في محاولة من الشاعر للعبور فوق جميع مراحل الفرح والشوق، وهنا تتساقط الألوان في مواجهة الحزن؛ فالسواد والاصفرار والاخضرار جميعها تحيل على الحزن في قاموس الشاعر:
الدمع الأسود فوقهما
يتساقط أنغام بيـان
ومصيري الأصفر حطمني
حطـم في صدري إيماني
أأسافر دونك ليلكـتي؟
يا ظـل الله بأجفـاني
يا صيفي الأخضر يا شمسي
يا أجمـل.. أجمـل ألواني
يظهر في النصين السابقين أنَّ للعينين دلالات في تشكيل المعنى، وأنهما عنصر مهم في رسم لوحة شعرية قائمة على صراع فلسفي يُخرجُ اللفظة من مفهومها المتعارف عليه إلى مفاهيم جديدة ينبني عليها النص. لقد شكّل انزياح المعنى من صورة إلى أخرى إلى الاهتمام بتعبيرات نصية يقدّمها النص الشعري فما بين الحزن والفرح بؤرة نصية تقوم عليها القصيدة. هنا تقدّم القصيدة موضوعها في سياق فني يمزج بين الواقعية والرمزية.
وبما أننا في السياق نفسه، فإنني أقف على قصيدة لشاعر معاصر آخر وهو الشاعر أحمد بخيت، إذ يفتتح قصيدته (وطن بحجم عيوننا) بلفظة عيناكِ رابطا لها بلفظة الحب في زمن ممتلئ بالرصاص، وهي افتتاحية مشابهة لما عند السياب ونزار من كون اللفظة تعبير دال على الخطاب الأنثوي. ترتبط لفظة (عيناكِ) عند بخيت بدلالات الحب والثورة والغضب والخلاص والقصاص وكلها دلالات محورية ينطلق منها في التعبير في علاقته بالوطن:
عيناكِ آخـر معجزات الحب
في زمن الرصاص
نهران من غضـبٍ، وقد
نصبا موازين القصاص
للرافعين منـارة الدم
دون مَنٍّ وانتـقـاص
عيناكِ شعبٌ ثـائرٌ
يترقب الغـد والخلاص.
ينوع بخيت في تعبيره الشعري ودلالاته في لغة رومانسية تنشقُّ أحيانا عن إطارها الموسيقي الجذّاب إلى إطار تعبير واقعي يتناول الوطن، والثورة، والواقع، فنجد حضورا لمصر، ونجد حضور الشاعر المدافع عن الإنسان وهو ملمح تجديدي وجدناه عند شعراء معاصرين كأبي القاسم الشابي في رومانسياته.
يظهر الصراع الدلالي بين الحب والثورة في النصوص الشعرية الثلاثة مختبئا وراء العيون، إذ يتخذ من خطاب العيون الجمالي تعبيرا يختبئ خلفه خطابٌ ثائرٌ، وهو صراع جميل في النص أوجد لنا ثورتين جماليتين، كل واحدة منها تُقدّم الأفكار من منطلق تعبيرها الشعري.
يراوح بخيت بين دلالات الثورة والحب في لغة رومانسية شفيفة، ثم يعود إلى العيون التي هي مفتتح كل ثورة وجنون، نجده في المقطعين السادس والسابع يعود إلى العيون مستلهما منها لغته الشعرية:
يا عذبة العينينِ، يا
أحلى اكتشافات العُمُر
يا نهر أيامي، ويـا
شوق التـرابِ إلى النَّهَر
غنيت باسمكِ أينعت
روحي وبلَّلني المطـر
فبأيِّ آلاءِ المحبـةِ
لا يبايعكِ الوتـر!!
**
تلميذُ عينيكِ التي
خلقت لتبتكر الصبـاح
أعطيتني شرف المحبـة
والمحبـةُ لا تُبـاح
ثبّتتُ أقدامي، وقلت لها:
هنيئـا بالجراح
من صخرة الأهرام منحوتٌ
فموتي يـا رمـاح !
لقد تحولت العينانِ الشاعريتانِ في النصوص الشعرية من كونها قيمة غزلية وصفية إلى قناع دلالي، وأعني بالقناع هنا، كونها مدخلا يُشعر القارئ برومانسية النص، لكنها تُخفي خلفها دلالات أشمل وأوسع يمكن أن يبني عليها الشاعر رؤيته الشعرية. فكيف استطاع الشعراء توظيف العينين وربطهما بمفاهيم رمزية تتقاطع مع الواقع والحياة والحزن والألم؟ إنه سرُّ الشعراء.
