باستثناء الخليج: عن تبني «صناع المحتوى» السرديات الاستعمارية
10 يونيو 2026
10 يونيو 2026
تُطلق صافرة الكلاب ترددات صوتية لا يمكن للأذن البشرية التقاطها، بينما تسمعها بعض الحيوانات مثل الكلاب.
في السياسة، يُشير المصطلح (Dog whistle) إلى نوع من الخطاب المشفر أو اللغة الإيحائية، التي تُمرر رسائل سياسية تلمس مجموعة ما، دون أن تُثير معارضة؛ كالتحايل على النيل من «المسلمين» بعدم تسميتهم، بل الحديث عن «الثقافات الأخرى». مثال آخر، هو اختيار الإعلام الأمريكي في سياقات محددة أن يقول «باراك حُسين أوباما» بدل «باراك أوباما» أو «أوباما» ببساطة. و«حسين» هنا تؤدي وظيفة اللمز الخفي، والانتقاص من «أمريكية» الرئيس عبر هذا التلميح السلس، والذي ينسل دون ملاحظة تقريبا، إلا من قبل أولئك المتحاملين على «حُسيني» العالم.
خلال سنوات الإبادة، لم يسمح الناس بأن تُمرر وسائل الإعلام الغربية رسائلها المشفرة دون نقد. فكانوا يتصيدون الصياغات، ويُحللون النوايا عبر رصد تعابير مثل حسب وزارة الصحة (التي تديرها حماس) أو تلطيف التعدي على لبنان بالقصف والاجتياح وسلب الأراضي عبر تسميته «تدخلا» مثلا.
بعد المقال الثالث حول الخليج في خضم الحرب الدائرة ضد منطقتنا، توقفت عن القراءة في الموضوع. لأن الجدال انحدر إلى خطاب يتفق ويكرس السرديات الاستعمارية التي تُبرر الهيمنة في منطقة الخليج. فهي تصور المجتمع الخليجي كمجتمع شرط وجوده ونجاته الوجود والتحكم الأجنبي، وتصور أن هذا وضع يقبله المواطن الخليجي. يقول باسل رمسيس مثلا واصفا الفرق بين علاقة الخليجي والمصري بالمستعمر والمحتل: التباين بين الحالتين (المصرية والخليجية) يخلق علاقة مغايرة بالأجنبي، الذي يعتبره المصريون مصدر تهديد تاريخيا. بينما في حالة الخليج هو المنظم لعملية الاستيلاء على الثروة الطبيعية، واستغلالها، وحمايتها، والمتحكم في مسارات الدول ومصائرها بعد بنائها.
ليكون التدخل في منطقتنا «مشروعا»؛ عملت مؤسسة الاستشراق الغربية على إنتاج صورة عن الشرق تجعل وجوده شرطا للتحول من الحالة البدائية إلى التحضر.
والقول بأن دول الخليج صحارى حوّلها الأجنبي إلى حواضر بعد أن استخرج نفطها وبناها يُبرر للمستعمر فعله. فوق هذا، فثمة تعيير بالتخلف، يتجاهل حقيقة أن «التخلف القسري» هو سياسة استعمارية. والأهم من هذا كله بأن خطابات كهذه تتعامل مع الخليج من خلال معايير حداثية وقيمية مستعارة تجعل الصحراء والبداوة والرموز المرتبطة بهما علامات نقص حضاري كما تقول الباحثة مشاعل الشمري في دراستها «الكويت في صحيفة ذا تايمز البريطانية: الاستشراق وصناعة سرديات الهيمنة» .
لا يُدلل بهذا عبر الكلمات التي تُشير دون أن تُفصح، بل بالصورة أيضا (إحدى المقالات اختارت أن تكون صورة المقال بدوي مع جمله أمام ناطحة سحاب، في أبلغ تمثيل لصورة العربي كما رسمها الغرب عبر المشروع الاستشراقي).
يُجابه الاستشراق بالتأكيد على التاريخ العميق لسكان المنطقة، والتأكيد على كونهم فاعلا حضاريا ومعرفيا. هذه الفاعلية تنزع عن الخليجي، وتستثنيه، وتراه تابعا فحسب، بل ترى أن تبعيته هي الطريقة الوحيدة لازدهاره. هي تستثنيه كذلك من الحساسية ضد الاضطهاد، وترى أن له طبيعة خاصة تجعله قابلا بالقمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والرضوخ للأجنبي. ولا يحتاج الأمر لكثير من التدريب على التنبه لصافرة الكلاب لملاحظة ذلك.
على سبيل المثال، عند الحديث عن أوضاع المهاجرين في بلدان الخليج، نادرا ما يُطرح الأمر في سياق الاضطهاد الاقتصادي والطبقي الذي تحتمه الرأسمالية، بل بطريقة جوهرانية تقترح أن لدى شعوب الخليج (الشعوب وليس السياسات والنظم) مقدرة على انتهاك حقوق الآخر. حسب وضع كل بلد، يكون ضحايا الاضطهاد الاقتصادي من الأجانب، أو من طبقة أو إثنية من داخل البلاد. في السياق الخليجي يُرمى بعبارات مثل «الثقافة القبلية» أو «تاريخ الرق والاستعباد»؛ لاقتراح أن ثمة خصيصة ثقافية في المجتمع الخليجي تجعله قابلا أكثر من غيره للاستبداد ومتسامحا مع الاضطهاد.
إن الفخ الاستعلائي (والاستعلاء إرث استعماري) الذي تتضمنه هذه الخطابات، هو الاحتفاظ بتراتبية من نوع ما، وادعاء أن شعوبا أجدر من أخرى.
أُصر في سياق الحديث عن الموضوع إلى أخذه لبُعد مهني. فالصحافة تحولت إلى صناعة محتوى. وقيم مثل التروي -التمعن في أثر ما يُكتب ودوره- كلها لم تعد في الحسبان، مقابل قابلية الاستهلاك. يُقال لنا بأن الخوارزميات تتغذى على انفعالاتنا: كلما نجحت في الاستفزاز، حازت انتباهنا ودفعتنا للانخراط ساعات أطول في منصاتها. ويبدو أن نهج الاستفزاز هذا تسرب إلى الممارسة الصحفية؛ ليتحكم في مضمون وأسلوب ما يُكتب وليس ظهوره لنا عبر الخوارزميات فحسب.
أمام ضغوط المطالبة بالإنتاج المستمر للمحتوى، لا يسع الكتاب والمحررين إلا التعامل بخفة مع أكثر المواضيع حساسية (بالكاد يُمكن أن يُعد هذا الموضوع حساسا مقابل المواد التي تتناول مصائر ضحايا العدوان الإسرائيلي والأمريكي، أو تلك التي تتماشى مع أيدولوجية المحتل في تسويغ انحطاطي لأفعاله). يزيد الذكاء الاصطناعي الطين بلّة؛ فبينما تمنح أدواته مثالا عما يمكن أن تكون عليه الإجابة، يُعامل في كثير من الحالات باعتباره مصدرا. والنتيجة محتوى نصف مطبوخ، خالٍ من أي جهد بحثي جاد، يفيض بالتراكيب الاصطناعية، ويُعيد تدوير الأفكار باستسهال، ويغترف من سلة تنميطات مجانية.
