حين يتسع الملعب لما ضاقت به السياسة
10 يونيو 2026
10 يونيو 2026
تتجه أنظار العالم إلى إستاد «أزتيكا» في مكسيكو سيتي حيث تفتتح بطولة كأس العالم التي تتشارك في استضافتها ثلاث دول هي المكسيك والولايات المتحدة وكندا، وهي دول مختلفة في بنيتها السياسية ومتباعدة في توجهاتها لكن الرياضة استطاعت أن تجمع بينها في حدث عالمي نادر الحصول. وعلى امتداد الأسابيع التي تصاحب البطولة تبدو ملاعب كرة القدم ومدنها الرياضية قادرة على احتضان تنوع واسع من الشعوب واللغات والذاكرات في لحظة تضيق فيها الجغرافيا السياسية بخيارات الأمم وتزداد فيها الحروب قدرة على تفريق البشر أكثر من قدرة السياسة على جمعهم.
في مثل هذه اللحظات تكشف كرة القدم عن إمكان إنساني عميق يتجاوز المتعة الجماهيرية العابرة؛ فالجمهور، رغم صخبه وانفعاله وشدة انحيازه، يلتقي داخل فضاء واحد تحكمه قاعدة مشتركة يعرفها الجميع. أما الحروب فتدفع اللغة إلى حوافها القاسية وتحمل الكلمات بأثقال العداء وتحول الهويات إلى متاريس وتمنع الشعوب من رؤية بعضها خارج الصور التي تصنعها الدعاية والخوف والذاكرة المجروحة.
تتشكل عظمة كرة القدم من قدرتها على فتح مساحة يكون فيها الخصم ضروريا لصناعة متعة اللعبة؛ فالانتصار يحتاج إلى منافس والانتماء يجد طريقه إلى التعبير ضمن حدود اللعبة وقانونها فيظهر ملعب كرة القدم، وما يحيط به من فضاء جماهيري، مكانا رمزيا يقبل فيه الناس الاحتكام إلى زمن واحد وقانون واحد وصفارة واحدة، في مشهد نادر داخل عالم يفقد قواعده وتختل فيه الموازين والمعايير.
يجمع كأس العالم منتخبات ومشجعين بذاكرات مختلفة وقصص وطنية متباينة وشعوبا قد لا تلتقي في السياسة إلا عبر بيانات الغضب ونشرات الأخبار. في المدرجات يمكن أن يجلس جمهور قادم من بلدان متخاصمة سياسيا وأن يرفع كل طرف علمه ويهتف لفريقه ثم يجد الطرفان نفسيهما داخل التجربة الإنسانية ذاتها التي يحيط بها التوتر والانتظار والرجاء في الفوز والخوف من مرارة الخسارة.
تعلمنا الرياضة درسا مدنيا عميقا تحتاج إليه السياسة الحديثة أكثر من أي وقت مضى وهو أن الفوز يظل ناقصا حين يتحول إلى إلغاء للآخر أو احتقار له. هكذا تصبح كرة القدم مدرسة صغيرة في تهذيب الانتماء، تمنح المشجع حق الحب الكامل لفريقه لكنها تضع لهذا الحب أفقا أخلاقيا يمنعه من الانزلاق إلى عداوة عمياء.
لكن السياسة لا تدع متعة كرة القدم دون تدخل، فتحاول أحيانا الدخول للملعب لتصادر قواعده وتحول دون متعة الجمهور ودون بناء جسور على قاعدة الرياضة ومساحاتها التي تتسع للجميع فتحول المنتخبات إلى أداة تعبئة سياسية والبطولة إلى مناسبة لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين. وعند هذه النقطة تفقد كرة القدم شيئا من صفائها وتصبح اللعبة امتدادا للخصومة بدلا من أن تكون هدنة رمزية معها.
النسخة الجميلة من كأس العالم هي تلك التي تمنح الناس حق الفرح من غير أن تطلب منهم نسيان ما يحدث في العالم من حروب وتحولات سياسية واقتصادية.. بطولة تتيح للشعوب أن ترى بعضها خارج خطاب الحرب وتعيد إلى المنافسة معناها الأصيل، في هذا المعنى تصبح كرة القدم واحدة من اللغات القليلة التي ما زالت قادرة على جمع بشر لا يتفقون على التاريخ ولا السياسة ولا المصالح، لكنهم يستطيعون، في لحظة نادرة، أن يتقاسموا الملعب والدهشة.
لن يوقف كأس العالم الحروب ولن يرمم النظام الدولي المتآكل، ولن يعيد للسياسة حكمتها الغائبة، لكنه يستطيع أن يذكر البشر أن فكرة الاجتماع ممكنة وأننا يمكن أن نشترك في نفس القيم والقواعد وأن نعترف بالآخر حتى لو كنا نختلف معه. وفي هذه اللحظة المتخمة بالعداوات والكراهية التي يعيشها العالم يكفي أحيانا أن يتسع الملعب لما ضاقت به السياسة.
