الدقم.. اقتصاد المستقبل يبدأ من الصناعة
08 يونيو 2026
08 يونيو 2026
تدخل المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم مرحلة جديدة من مسارها التنموي؛ فالاتفاقيات الاستثمارية ومذكرات التعاون التي وقعتها الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، بقيمة تبلغ 2.9 مليار ريال تمنح المشروع الوطني دفعة واسعة وتؤكد أن الدقم أصبحت أحد أهم الرهانات الاقتصادية في سلطنة عُمان والمنطقة خلال العقود المقبلة.
لا تكمن قيمة الاتفاقيات في حجمها المالي وحده-رغم أهميته- وإنما في طبيعة القطاعات التي تتجه إليها؛ فالمشروعات الجديدة تمتد من الهيدروجين والأمونيا الخضراء إلى توليد الكهرباء، ومن مواد الأنود المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية إلى الصناعات الكيميائية والهياكل الحديدية والقوالب الجاهزة، وصولا إلى المجمعات الصناعية والسياحية والسكنية. هذا التنوع يعكس فهما أكثر نضجا لشكل واهتمامات المناطق الاقتصادية الحديثة التي تقوم على شبكة متكاملة من الطاقة والصناعة والخدمات وسلاسل الإمداد.
بُنيت الدقم منذ البداية على فكرة استراتيجية واضحة تعتمد على موقع مفتوح على المحيط الهندي وقريب من خطوط الملاحة الدولية ومساحة قادرة على استيعاب الصناعات الكبرى، وبنية أساسية صُممت لتكون قاعدة لنمو طويل الأمد. وأثبتت الأيام والأحداث الكبرى في المنطقة دقة الأسس التي قامت عليها تلك الاستراتيجية، وسرعان ما تحولت تلك البنية التي قامت عليها الاستراتيجية إلى مسار للإنتاج والمزايا الجغرافية إلى مصانع واستثمارات عالمية.
ومن هنا تبدو الاتفاقيات الجديدة مهمة في توقيتها واتجاهها، فهي تأتي في لحظة يعاد فيها تشكيل الاقتصاد العالمي حول الطاقة النظيفة والصناعات المرتبطة بالتحول الأخضر وأمن سلاسل الإمداد، وتقنيات البطاريات والصناعات الوسيطة. ودخول الدقم إلى هذه القطاعات يمنحها موقعا أفضل في الاقتصاد المقبل ويجعلها جزءا من التحولات الصناعية العالمية.
الأهمية الأخرى لهذه المشروعات أنها تجمع بين الاستثمار الأجنبي والشركات الوطنية، وبين رأس المال والخبرة وبين الصناعة الثقيلة والخدمات التي تجعل المدينة أكثر قدرة على الحياة. والمدن الصناعية تتجه في العالم لتكون مدنا ذكية ومتكاملة تجمع بين المصانع وبين قطاع الخدمات والأسواق والترفيه وكذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة تملك القدرة على الدخول في سلاسل التوريد، وكلما اتسعت هذه الدائرة، زادت قدرة الدقم على تحويل الاستثمار الكبير إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أهمية السرعة في التنفيذ خاصة أن المنطقة والعالم يشهدان تحولات كبرى، ثم هناك موضوع المحتوى المحلي وتوسيع فرص العُمانيين في التدريب والعمل والإدارة والتقنية. وهذا الجانب مهم جدا ولا بد أن يكون أحد محددات النجاح في المرحلة القادمة.
ما يحدث في الدقم اليوم ينسجم مع رؤية عُمان لتنويع اقتصادها وبناء قطاعات جديدة أكثر ارتباطا بالمستقبل. وإذا مضت هذه المشروعات إلى التنفيذ بالكفاءة المطلوبة، فإن الدقم ستكون شاهدا على قدرة عُمان على تحويل الجغرافيا إلى أصل اقتصادي والاستثمار إلى تنمية مستدامة وتلك هي المعادلة التي تحتاجها الاقتصادات الذكية، وتلك هي الفرصة التي تضعها الدقم اليوم أمام سلطنة عمان.
