الكل خاسرون في حرب الشرق الأوسط الحالية
10 يونيو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
10 يونيو 2026
يشترك قادة إسرائيل وإيران وحزب الله وحماس والولايات المتحدة في شيء واحد هو أن أيًّا منهم لا يريد لجنة للتحقيق في أدائه خلال صراع الشرق الأوسط الأخير. لذلك قررت أن أقوم بالأمر بالنيابة عنهم ويمكنني إيجاز ما توصلت إليه من نتائج في كلمتين اثنتين تنطبقان على كل واحد فيهم: «لقد خسرت». وبذلك أكون جنبتهم كل وقت التحقيق الداخلي وتكاليفه. أي خدمة.
هذه حقًا هي حرب الشرق الأوسط التي خسرها الجميع. وبوسعي أن أرى ذلك برغم أنها لم تنته بعد. وواقع الأمر أن من الأسباب التي قد تجعل هذه الحرب تطول أن أغلب قادة هذه البلاد والفصائل يعلمون أن أعين التاريخ ترصدهم وأن حسابا أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا سوف يبدأ لحظة أن تصمت البنادق وسيكون وبالا على أولئك الحمقى.
فلنستعرض الجالسين إلى الطاولة. بدأت حماس هذه الجولة الحديثة من صراع الشرق الأوسط في السابع من أكتوبر 2023 بغزو لإسرائيل من غزة اغتالت خلاله في يوم واحد أكثر من ألف ومئتي شخص ـ بين رجال ونساء وأطفال ـ واختطفت أكثر من مائتين وخمسين. فماذا كان هدف حماس من الحرب؟ أقصى ما يمكننا قوله إنه وهمها بأن غزو إسرائيل كفيل بإطلاق شرارة انتفاضة إقليمية تساعد فيها قوات «المقاومة» ـ ومنها حزب الله وإيران وحتى بعض البلاد العربية ـ في القضاء على الدولة اليهودية.
لم تشن حماس هذه الحرب بأي نية سلمية ـ بمعنى أن يكون في إحدى يديها بندقية وفي الأخرى خريطة للسلام يظهر فيها شعبان أصليان هما اليهود والعرب قادران على التعايش بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. لا، لم يحمل مقاتلو حماس من خرائط إلا التي تبين لهم مواضع العثور على أكثر عدد ممكن من اليهود لقتلهم في المجتمعات الحدودية التي قاموا بغزوها ومنها مدارس ابتدائية ومركز شباب.
يصعب أن ننسى الاتصال الهاتفي الذي نشره الجيش الإسرائيلي بين مسلح من حماس شارك في مجزرة السابع من أكتوبر وكان يحكي فيه لأبويه وهو مثار أنه في كيبوتز قرب حدود غزة اسمه مفالسيم، وأنه قتل وحده عشرة من اليهود. يقول ـ وفقا للترجمة الإنجليزية ـ «انظروا كم قتلت بيدي. ابنكم قتل يهودا. ابنك يا أمي بطل».
وفي المقابل، شن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة المؤلفة من مؤمنين بالتفوق العرقي اليهودي حرب تدمير. والخريطة الوحيدة التي طرحها هي التي يسيطر فيها اليهود على المنطقة القائمة بين النهر والبحر.
ولأن حماس غرست نفسها وسط شعب غزة المدني، ولأنها رفضت السماح لأهل غزة باللجوء إلى الأنفاق القتالية التي حفرتها بطول مئات الأميال أسفل غزة، فقد تعرض الشعب المدني للدمار الناجم عن الرد الإسرائيلي الضاري. ووفقا لوزارة الصحة في غزة، قتلت إسرائيل أكثر من سبعين ألف شخص ـ أغلبهم مدنيون ومنهم آلاف الأطفال ـ وأصابت ما لا يقل عن مائة وسبعين ألفا. وهذا رقم مخز يصل إلى قرابة 10% من شعب غزة الذي كان يقدر بـ2.2 مليون نسمة قبل الحرب.
تردد أن يحيى السنوار زعيم حماس قد وصف تلك الخسائر بـ«التضحيات الضرورية» لدعم القضية الفلسطينية عالميا. وقد نجح ذلك؛ فالتضحية البشرية من المدنيين الفلسطينيين نزعت عن إسرائيل شرعيتها في العالم بدرجة لم نشهدها من قبل. وأصبحت حرمة الشعب اليهودي من أجل تقرير المصير في أرضهم التوراتية ـ أي الصهيونية ـ كلمة معيبة في الجامعات والأحزاب السياسية الليبرالية، بل وعلى نحو متزايد في بعض الأحزاب المحافظة. ولم يعد الفنانون والأكاديميون الإسرائيليون موضع ترحيب في أماكن كثيرة من العالم اليوم. كما أن حرب إسرائيل القاسية وفرت غطاء أيضا ليخرج أعداء السامية من جحورهم.
ولا عجب؛ فبرغم أن نتنياهو انتصر على حماس عسكريا، فهو لم يتبن ولم يرحب ببديل فلسطيني معتدل. ولذلك لم يبدُ قتل أولئك المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب إلا بصورته التي بدا عليها، أي قتلا بكل بساطة لا يرمي إلى تمهيد الطريق لحكم فلسطيني وإنما إلى تمهيد الطريق لغزة بلا فلسطينيين.
ولنجر الحسابات: إسرائيل أنفقت مليارات الدولارات، ودمرت سمعتها الدولية، وخسرت الكثير من دعم الأحزاب الليبرالية في أمريكا وأوروبا، ولا تزال حماس مسؤولة في 40% من غزة.
واحتمال السلام مع الفلسطينيين اليوم منعدم. وكان اتخاذ كثير من هذه القرارات يرمي إلى محافظة نتنياهو على دعم متطرفي اليمين المتشدد حتى يبقى في السلطة فيجتنب حكم السجن المحتمل في اتهامات الفساد الموجهة إليه. وها أنتم الآن تعرفون لماذا يفعل بيبي كل ما في وسعه لمنع التحقيق الإسرائيلي القضائي في عدم منع هجمات السابع من أكتوبر وهو تحقيق كفيل بتقويض فرصه في إعادة الانتخاب.
أما حماس فلن تشكل لجنة تحقيق أيضا؛ فمهما يكن النصر التكتيكي الذي حققته للقضية الفلسطينية على صعيد العلاقات العامة، فهي لا تستطيع تحويله إلى مكسب سياسي دائم للدولة الفلسطينية لأنها ـ شأن نتنياهو ـ تأبى أن تتبنى فكرة إمكانية اقتسام الأرض القائمة بين النهر والبحر على شعبين. ولذلك فإن قرابة المليوني فلسطيني المقيمين حاليا في غزة يعيشون في بؤس أشد من ذي قبل. فيا له من نصر.
نصر لا يضاهيه إلا «نصر» حزب الله في لبنان. لقد ورط حزب الله لبنان كله في حرب مع إسرائيل لم يطالب بها أحد في لبنان، وكان واضحا أنه لم يفعل ذلك إلا بتحريض من إيران ومن أجل مصالحها. فقبل السابع من أكتوبر 2023، لم تكن إسرائيل تحتل بوصة من الأرض اللبنانية. ولإسرائيل الآن قوات في كامل الجنوب اللبناني وترد على هجمات حزب الله التي تستهدف شمالي إسرائيل بتدمير قرى شيعية هناك وأحياء شيعية في بيروت. حتى لقد تحول قرابة مليون لبناني إلى لاجئين في بلدهم، وبذلك فضح حزب الله حقيقته: وهي أنه جيش من المرتزقة يعمل لمصلحة سادته ومموليه الإيرانيين، لا من أجل مصلحة لبنان أو حتى شيعته.
لذلك لا تنتظروا من حزب الله تشكيل لجنة تحقيق أيضا.
أما عن الجبهة الإيرانية، فمن الواضح الآن أن الرئيس ترامب ونتنياهو شرعا في حرب مع النظام الإسلامي للإطاحة به من خلال القصف الجوي وبلا خطة بديلة في حال فشل الخطة الأصلية، وهذا ما كان.
والمؤسف أن إيران كانت لديها من الخطط البديلة الثانية والثالثة. فما كاد النظام ينجو من الضربة الأمريكية الإسرائيلية الأولية ـ برغم خسائر في عشرات كبار المسئولين وقادة الجيش وكثير من المعدات العسكرية ـ حتى أغلقت إيران مضيق هرمز، فخنقت قرابة 20% من إمدادات النفط الخام العالمية. كما هاجمت حلفاء أمريكا في الخليج العربي، موجهة عمليا رسالة إلى ترامب مفادها أنه «إذا ما قتلتنا، سنزعزع استقرارهم وسترى حقا كيف تكون أزمة النفط العالمية».
لا يريد قادة إيران الغامضون أي لجنة تحقيق، لأنهم وإن كانت لديهم خطتان بديلتان تضمنان لهم بقاء النظام فليست لديهم خطة رابعة ليزدهر الشعب الإيراني. والسؤال الأول الذي لا شك أن أي لجنة تحقيق إيرانية سوف تطرحه هو هذا: «ما الذي حققتموه بالضبط من مليارات الدولارات التي أنفقتموها على محاولة تصنيع سلاح نووي وتوسيع الإمبريالية الإيرانية في لبنان والعراق واليمن وسوريا ودول الخليج العربي؟»
ويعلم قادة إيران أن هذا السؤال مطروح من شعبهم، فمن الأفضل أن يحافظوا على استمرار الحرب حتى لا يكون لزاما عليهم أن يجيبوه. (ولا يدهشني أنهم أسقطوا للتو بحسب ما قال ترامب مروحية أمريكية في مضيق هرمز).
أما عن ترامب، فلا يزال بوسعه أن يخرج من هذه الحرب بشيء إن هو استطاع إقناع طهران بتسليم كل ما لديها من يورانيوم شبه صالح لصنع القنبلة. وهذا ما أرجوه. وسيكون هذا أمرا مهما. لكنه في المرحلة الحالية لن يحدث ما لم يمنح ترامب للنظام في طهران فرصة حياة جديدة.
وهذا لأنه من المؤكد أن إيران لن توافق على التخلي عن موادها النووية ما لم يقبل ترامب ـ ولو ضمنيا ـ بسيطرة إيران الفعلية على مضيق هرمز (وهو سلاح إيران الجديد)، وتحويل مليارات الدولارات الإيرانية من الأصول المجمدة، ورفع العقوبات الاقتصادية. وهكذا يكون الرئيس الأمريكي الذي وعد بـ «استسلام - إيران - الشامل» هو الذي أعطاها أسباب البقاء غير المحدودة. ولا أحسب أن ترامب سيريد لجنة من الكونجرس للتحقيق في تلك الصفقة.
الخلاصة: الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023 حرب أطلقها وخاضها رجال بالغو السوء، أعلوا مصالحهم وأوهامهم طوال الوقت على أحلام شعوبهم البسيطة في حياة كريمة. ولو أنكم تبحثون عن بصيص أمل، فهو أن يؤدي ألم هذه الحرب إلى إرغامهم جميعا على وقف إطلاق النار. ثم أن يؤدي وقف إطلاق النار المنشود هذا إلى مجال للسياسة، وللجان تحقيق تقول لأولئك القادة في إيران وغزة وحزب الله وإسرائيل وأمريكا ممن تسببوا في هذه الفوضى: «ما الذي كنتم تتصورون أنكم فاعلوه؟ اغربوا عن وجوهنا».
