No Image
عُمان الاقتصادي

السياحة والتبعية الاقتصادية

10 يونيو 2026
«الدول النامية التي تعتمد على السياحة تبقى مرتبطة بازدهار اقتصاد الدول الصناعية وقدرة مواطنيها على الإنفاق»
10 يونيو 2026

كمي أبو كرم 

أن تستطيع كونك مواطنا غربيا أن تقضي إجازتك السنوية في إحدى دول العالم النامية، وأن تستلذّ بمذاق أطعمتها وحرارة شمسها، أن تبتاع شيئا من تراثها ثم تعود إلى خدمة ماكينة الإنتاج في بلدك، قد تكون معادلة بسيطة بالنسبة لك تُسمّى السياحة. لكن هل السياحة هي فقط طعام (إكزوتِكيّ) وحمام شمسي في الطبيعة؟ أم أنّ المعادلة أعقد من ذلك قليلا؟ 

يشكل قطاع السياحة في العديد من الدول النامية مصدر دخل جيّد للكثير من العاملين في القطاعات الخدمية، كما أن عوائد السياحة تشكل جزءا كبيرا من ناتج كثير من الدول السياحية. ففي مصر مثلا شكلّت عوائد قطاع السياحة في عام 2025 أكثر من ستة عشر مليار دولار، كما أن عدد العاملين في قطاع السياحة يبلغ حوالي 180 ألف عامل بحسب تصريحات رسمية، مع أن هذا العدد يتجاوز الثلاثة ملايين إذا تم احتساب العاملين المباشرين وغير المباشرين بحسب بيانات البنك الدولي. 

تقوم عوائد قطاع السياحة في هذه الدول على ما ينفقه السائح خلال جولته السياحية في الفنادق والمطاعم والمتاحف وما إلى ذلك من الأماكن الترفيهية والثقافية. عادة ما يأتي السّياح من بلدان تتيح للمرء ادخار جزء من دخله سواء كانت دولا صناعية مثل معظم دول أوروبا الغربية أو دولا تمتلك موارد طبيعية استراتيجية كالنفط والغاز؛ حيث يتم توزيع جزء من عوائد هذه الموارد على المواطنين، ما يمكّنهم من الإنفاق على رحلة سياحية في الدول الجاذبة للسياح. 

في هذا السياق، فإن الدول النامية التي تشكل عوائد السياحة فيها جزءا كبيرا من الناتج القومي تكون تابعة بالضرورة لقدرة المواطن في الدول الصناعية أو النفطية على الادخار، وبالتالي على الإنفاق فيها وبهذا يكون اقتصاد هذه الدول السياحية مرتبطا بالضرورة بازدهار ماكينة الإنتاج في الدول الصناعية كما أنه يتأثر بالعوائد الريعية في الدول النفطية؛ حيث ترتفع عوائد السياحة في الدول السياحية بازدهار اقتصاد هذه الدول وتنخفض بانكماشه. وبشكل مبسّط تفتقد الدورة الاقتصادية في قطاع السياحة لحلقة الإنتاج، فبدلا من إنتاج، ادخار ثم إنفاق كما في القطاعات الصناعية، تبدأ الدورة الاقتصادية في قطاع السياحة بالإنفاق أولا وتنتهي به. 

من هنا، فإن قطاع السياحة في الدول النامية قطاع ريعي يقوم أساسا على تقديم خدمات غير إنتاجية لمواطني دول أخرى تتمتع عادة بدرجة أعلى من الرخاء ويكون بذلك قطاع السياحة مرتبطا بعلاقة تبعية شبه مطلقة بدرجة الرخاء في الدول المصدّرة للسياح. لربما كانت قد تجلّت هذه التبعية في الأزمة المالية في عام 2008؛ حيث خسر العديد من مواطني الدول المصدّرة للسياح وظائفهم، وبالتالي انخفضت قدرتهم على الإنفاق خاصة الإنفاق على السياحة، كما أدّت الأزمة المالية حينها لزيادة الميل نحو الادخار بدلا من الإنفاق حتى لدى الأفراد الذين لم يخسروا وظائفهم، ما كان له الأثر الكبير على الركود في القطاع السياحي في الدول السياحية، وكانت أكثر الاقتصادات تضررا هي اقتصادات الدول التي تعتمد بشكل كبير على قطاع السياحة. كل هذا يجسّد الارتباط الوثيق بين ازدهار أو ركود قطاع السياحة وبين سلوك المستهلك في الدول المصدّرة للسياح، أي قراره بالإنفاق أو بعدم الإنفاق على السياحة. 

إضافة لذلك، فإن قطاع السياحة يُعتبر من أكثر القطاعات الاقتصادية تأثّرا بالحروب والكوارث، ولعل أثر حرب إسرائيل وإيران الأخيرة على السياحة في دول الجوار خير مثال على ذلك، حيث انخفض عدد السياح في دولة مثل الأردن بعد بدء الحرب بنسبة 27 بالمائة مقارنة بعدد السياح في الفترة ذاتها من العام السابق كما أُلغي وفقا لتقديرات 

الاتحاد الدولي للطيران المدني (IATA) أكثر من 70 بالمائة من الرحلات الجوية من وإلى الشرق الأوسط بالتزامن مع ارتفاع تدفق أعداد السياح إلى دول أخرى كاليونان والمغرب وإندونيسيا؛ حيث تعتبر دول أكثر أمانا. ما يعني أن السائح الذي كان سينفق على إقامته في دولة مثل الأردن قد غيّر وجهته إلى دولة أخرى أكثر أمانا ما يشكل انخفاضا في العوائد المتوقعة من السياحة في البلدان القريبة من مناطق النزاع. 

كان لجائحة كورونا أثرها الكبير أيضا في ركود قطاع السياحة على مستوى العالم حيث تراجعت مساهمة قطاع السياحة في الناتج العالمي من 4.4 بالمائة قبل الجائحة إلى 2.8 بالمائة في عام 2020 ما يشكّل انخفاضا بمقدار 36 بالمائة بحسب تقارير منظمة التعاون الاقتصادي، يعتبر هذا التراجع في قطاع السياحة هائل مقارنة بأثر الجائحة على قطاعات أخرى؛ حيث وفقا لبيانات المكتب الاتحادي للإحصاء في ألمانيا (Destatis) فقد انخفضت عوائد الفنادق والمطاعم عالميا بنسبة 75 إلى 88 بالمائة في عام 2020 مقارنة بها في عام 2019 إضافة لتوقف 90 بالمائة من رحلات الطيران التي كانت مقررة في عام 2020. بينما كان أثر الجائحة على قطاعات أخرى مثل صناعة الملابس والأحذية لا يتجاوز الـ 20 بالمائة كما أن هناك قطاعات أساسية كالزراعة مثلا التي لم تتأثر بالجائحة بل على العكس، فقد حقق قطاع الزراعة ارتفاعا بالعوائد خلال 2020. 

ومنه يمكن القول بأن قطاع السياحة قطاع مفرط الحساسية: إن صح التعبير، أي أنه سريع التأثر بالعوامل المؤثّرة كالأزمات والحروب والكوارث إضافة إلى أنه قطاع غير مستقل بذاته؛ حيث تتأرجح عوائده تبعا لازدهار أو انكماش قطاعات أخرى في دول أخرى. لا شك أن العولمة قد جعلت من السياحة منتجا عالميا محددا في دول معيّنة ذات مزايا مناخية أو تاريخية وتعتبر مشوّقة للمواطن الغربي أولا، كما جعلت من المواطن الغربي هو المستهلك الأوّل للسياحة. العديد من الدول النامية دخلت ضمن معادلة السياحة المعولمة واعتمدت على عوائد هذا القطاع بشكل كبير جدا نظرا لعوائده السريعة، وأصبحت تابعة لازدهار اقتصادات دول العالم الأوّل. وإذا ما ذهبنا إلى أبعد من ذلك فيمكن القول بأن العديد من الدول السياحية ترتبط باقتصادات دول العالم الأول بعلاقات هيمنة اقتصادية، أي علاقات استشراقية غير تقليدية إن صحّ الاستشهاد بإدوارد سعيد في هذا السياق، وهو ما يجعل اقتصادات الدول المعتمدة على الصناعة أكثر هشاشة أمام الأزمات في الأسواق العالمية. 

أمّا ضمن قواعد السوق الحر فتتميز السياحة المعولمة بعرضٍ مرتفعٍ، فيمكن للمواطن العالمي الاختيار بين دول جنوب شرق آسيا دول حوض المتوسط إفريقيا الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية، وفي أي وقت من السنة يختاره هو وبأسعار تنافسية جدا تكون هذه الأسعار في أغلب الأحيان أقل من تكلفة معيشته في بلده. أما الطلب على السياحة فيعتبر ذا مرونة عالية؛ حيث ينخفض بسرعة نتيجة لارتفاع الأسعار أو لحدوث عوامل مؤثّرة سواء أكانت كوارث طبيعية أو سياسية خصوصا في ظل المنافسة العالية في عرض السياحة، حيث نجد مستهلكَ السياحة مستعدا للتخلي عن رحلته السياحية بشكل أكبر من تخليه عن شراء سيارة جديدة مثلا، أو حتى أن يغيّر وجهته السياحية في حال حدوث أزمات محليّة. 

ليس لنا هنا الادعاء بالتخلي عن قطاع السياحة تماما خصوصا في ظل ما يشكله من عوائد و فرص عمل ليست بالقليلة في العديد من الدول السياحية، إنما هي دعوة لفهم المخاطر الاقتصادية وحتى السياسية للاعتماد على السياحة بشكل كبير كقطاع حيوي يشكل جزءا ضخما من الدخل القومي في العديد من دول العالم الثالث. ولعل من الأفضل لهذه الدول الاستثمار في قطاعات أكثر ديمومة واستقلالية، قطاعات تعتمد على الإنتاج وخلق القيمة، بدلا من الاعتماد على العوائد الريعية لقطاع خدمي غير مستدام كالسياحة، مع الإبقاء على قطاع السياحة كرادف لمنظومة الإنتاج وليس كبديل عنها. 

من هنا فالسياحة في ظل العولمة ليست مجرد نشاط ترفيهي أو تبادل ثقافي، بل هي أيضا انعكاس لبنية الاقتصاد العالمي ذاتها التي تقوم على تفاوت الثروة بين الدول فبينما تستهلك الدول الغنية المنتج السياحي، تجد العديد من الدول النامية نفسها معتمدة على هذا الاستهلاك الخارجي كمصدر رئيسي للدخل، ما يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى علاقة تبعية اقتصادية منها إلى علاقة تبادل متكافئ، وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى السياحة بوصفها أحد أشكال الهيمنة المعاصرة التي لا تُمارس بالقوة المباشرة، بل عبر السوق والاستهلاك وإعادة إنتاج المركزية الغربية في الاقتصاد العالمي. ثم فإن السياحة لا تعكس فقط حركة الأفراد عبر الحدود، بل تعكس أيضا علاقات القوة والتبعية التي تحكم النظام العالمي المعاصر. 

Image

كمي أبو كرم باحث في الشؤون الاقتصادية