No Image
عُمان الاقتصادي

لماذا لم يعد التصنيع وحده كافيًا؟

10 يونيو 2026
«دون نموذج نمو شامل سيبقى غالبية العمال في العالم النامي معزولين عن مراكز الإنتاج العالي المرتبط بالاقتصاد العالمي»
10 يونيو 2026

داني رودريك - ترجمة : فاخرة الراشدي  

ذكرني أحد المشاركين في مؤتمر ضم أكاديميين ومجموعة من صانعي السياسات في هارفارد هذا الشهر، بمقال نشرته قبل 15 عامًا عنوانه «ضرورة التصنيع»، حيث يؤكد المقال على أهمية التصنيع في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جيدة، وبناء طبقة متوسطة. وما من مكافأة أجمل للباحث من أن تلقى أفكاره صدىً واسعًا لدى جمهوره، غير أن في هذه الحالة صحب الثناء قليلًا من العتب، لأن ما كتبته آنذاك بدا متعارضًا مع الحجج التي كنت أطرحها في هذا المؤتمر حول حدود التصنيع. 

وهو تناقض حقيقي، ففي السنوات الأخيرة، ازداد شكي في جدوى نموذج النمو التقليدي القائم على التصنيع، وقد ناقشتُ نموذجًا مختلفًا للنمو الاقتصادي، مرتكزًا على تطوير القدرات الإنتاجية في الخدمات كثيفة العمالة، والغير قابلة للتداول. كما أنني حذرتُ صانعي السياسات في إفريقيا وغيرها من المناطق النامية من محاكاة نموذج شرق آسيا والتي في أحسن الأحوال ستقود إلى جيوب تصنيعية، تضم شريحة صغيرة جدًا من شركات الإنتاج المندمجة مع سلاسل القيمة العالمية، بينما يظل الجزء الأكبر من العمالة عالقًا في الشركات منخفضة الإنتاج. 

تجسد المكسيك مثالًا واضحًا لمثل هذه النتيجة، فكما أشار سانتياغو ليفي، نائب وزير المالية المكسيكي السابق، في المؤتمر نفسه، زادت صادرات المكسيك من السلع المصنعة بأكثر من عشرة أضعاف منذ انضمامها إلى الولايات المتحدة وكندا لتشكيل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) عام 1994. وبسبب قربها من سوق ضخمة، واتباعها سياسات تعزز الاستثمار الأجنبي، كانت الظروف مهيئة لتحقيق نمو صناعي قائم على التصدير. إلا أن أداء المكسيك الاقتصادي لم يكن جيدًا مقارنةً بدول أمريكا اللاتينية كما أن الإنتاجية قد تراجعت بشكل عام. 

في السابق استطاعت الصناعة توظيف أعداد كبيرة من العمال ذوي المهارات المتدنية مع متطلبات حوكمة محدودة في الدول منخفضة الدخل، مما جعل الصناعة مسرع قوي للنمو الاقتصادي. أما اليوم، فقطاع التصنيع مختلف، حيث إن المنافسة في الأسواق العالمية ومع الصين محليًا يحتاج مهارات وتقنيات وقدرات متقدمة وعادة ما تكون نادرة في الدول الفقيرة وبذلك لم يعد هذا القطاع يُقدم طريقًا مختصرًا لتجاوز القيود الأساسية. 

حيث إن هذه الدول تستقطب المزيد من العمال إلى قطاع التصنيع عبر توسيع نطاق المشاريع الصغيرة، ومعظمها غير رسمي، ولم يعزز الإنتاجية. تمامًا مثل ما حدث في إثيوبيا التي لم تتمكن من تطبيق النموذج الشرق آسيوي في إفريقيا ومثلها بنجلاديش والهند وفيتنام، لأن نتيجته فيه هذه الدول كان عكس الدول الصناعية الرائدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، التي توسعت فيها فرص العمل في قطاع التصنيع مع زيادة الإنتاجية. 

لم أصبح مشككًا في جدوى التصنيع بين ليلة وضحاها، لكن من الصعب تجاهل الأدلة، فمع التطور المتسارع لتقنيات التصنيع، وصعوبة تكرار التجارب الناجحة التي حققتها دول شرق آسيا، بدأت أفكر في مسارات أخرى لتحقيق النمو الاقتصادي، ليس لأنني أرى أن التصنيع المتكامل أصبح بلا جدوى بل لأنني مقتنع بأنه صعب التطبيق، وكما قال جون ماينارد: «عندما تتغير الحقائق، أغير رأيي، وأنت ماذا تفعل؟».لنتأمل هذه الحسبة، من بين ملياري عامل في العالم النامي اليوم، نحو ثلاثة أرباع منهم أي (1.5 مليون) يعملون في مهن لا تتطلب تعليمًا جامعيًا، وغير مرتبطة بالاقتصاد الدولي عبر الإنتاج والتصدير. مثل المزارعين والباعة المتجولين والعاملين في قطاعي التجزئة والخدمات الغذائية، والعمالة المؤقتة، وغيرهم. ومن المتوقع أن يزداد عددهم في السنوات القادمة. ويتمثل السؤال المحوري الذي يواجه صانعي السياسات في كيفية تعزيز الفرص الاقتصادية لهؤلاء العمال، وتُظهر الأرقام أن التصنيع أو التعليم ليسا حلًا على الرغم من أهميتهما. ولذلك يعد إيجاد سبل لزيادة إنتاجية العمال في قطاع الخدمات أمرًا بالغ الأهمية، وإلا فلن يكون بالإمكان تحسين مستوى المعيشة. 

ولطالما شكلت الخدمات غير التجارية عبئًا على النمو الاقتصادي، ولذا يتشاءم العديد من صانعي السياسات حيال إمكانياتها، لكن هذا الوضع قد يتغير فقد شهدنا ما يشبه ثورة في إنتاجية الخدمات، لا سيما في الاقتصادات المتقدمة من خلال الابتكارات التنظيمية واستخدام المنصات الرقمية وغيرها من التقنيات الحديثة. أما بالنسبة للاقتصادات النامية عمومًا، فقد مثلت العقود الثلاثة الماضية فترة نادرة من النمو الاقتصادي السريع والتقارب مع الاقتصادات المتقدمة. الجدير بالذكر أن الخدمات هي المسؤول عن هذه النتيجة وليس التصنيع. 

كما أظهرت دراسات تجريبية مفصلة للاقتصاديين تيانو فان ومايكل بيترز وفابريزو زيليبوتي، أن النمو الاقتصادي الملحوظ في الهند سببه زيادة الإنتاجية في الخدمات الاستهلاكية والخدمات المخصصة للأسواق المحلية، وليس الخدمات القابلة للتصدير، مثل تقانة المعلومات والاتصالات أو تعهيد العمليات التجارية التي تشتهر بها البلاد. كما وثّق هؤلاء الباحثون آلية مماثلة في اقتصادات دول إفريقيا السوداء. 

وتشير الأدلة إلى إمكانية وجود دورة إيجابية للنمو الاقتصادي قائمة على خدمات الطبقة المتوسطة، إذ يؤدي توسع هذه الطبقة إلى تحويل طلب المستهلك إلى خدمات عالية الجودة، مما يسهم بدوره إلى رفع دخول العمالة التي تشكل أساس الطبقة المتوسطة. عملية كهذه ليست تلقائية وإنما تتطلب دورًا حكوميًا في تهيئة الظروف اللازمة بما يضمن استمرارية هذه الحلقة الإيجابية وترسيخ دورها الاقتصادي. 

كما أوضحنا أنا وروهان ساندو من كلية هارفارد كينيدي، أن العديد من التجارب الناجحة حول العالم تُثبت جدوى هذه الفكرة، وتشمل هذه التجارب مبادرات تشجع الشركات على توظيف الكفاءات والعمالة المحلية ومساعدة المشاريع الصغيرة في التدريب والتأهيل وتوفير أدوات الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات المصممة خصيصًا لتناسب ظروف الدول النامية. 

ويمكن بناء نموذج نمو شامل إذا ما تم تكريس الجهود لتحقيقه، ودون ذلك، سيبقى غالبية العمال في العالم النامي في حالة متزعزعة معزولة عن مراكز الإنتاج العالي المرتبط بالاقتصاد العالمي. 

 داني رودريك أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية هارفارد كينيدي، والرئيس السابق للجمعية الاقتصادية الدولية. 

 خدمة بروجيت سنديكيت