No Image
العرب والعالم

أطفال غزة ذوو الإعاقة.. ضحايا منسيون في قلب الكارثة الإنسانية

07 يونيو 2026
07 يونيو 2026

د. حكمت المصري

في اليوم العالمي لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء، تتجه أنظار العالم نحو ملايين الأطفال الذين سُلبت طفولتهم بفعل الحروب والنزاعات المسلحة. وفي قطاع غزة، تبدو المأساة أكثر قسوة؛ فخلف كل رقم طفل كان يحلم بحقيبة مدرسية أو لعبة صغيرة أو حضن أم آمن. أكثر من واحد وعشرين ألف طفل فقدوا حياتهم، وعشرات الآلاف أصيبوا أو فقدوا أطرافهم أو آباءهم أو منازلهم، فيما يكبر جيل كامل وسط الحرب والنزوح والجوع والخوف.

وتكشف الأرقام الصادرة عن اليونيسف حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أطفال غزة فمنذ أكتوبر 2023 حتى فبراير 2026، استشهد ما لا يقل عن

21,289 طفلًا، وأصيب نحو 44,500 طفل بجروح مختلفة، كثير منها تسبب بإعاقات دائمة أو إصابات بالغة. كما فقد أكثر من 56 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، فيما أصبح ما لا يقل عن 2,596 طفلًا أيتامًا بالكامل بعد فقدان الوالدين معًا.

ويعيش نحو 800 ألف طفل حالة نزوح مستمرة داخل القطاع، بينما حُرم أكثر من 658 ألف طفل من التعليم المنتظم نتيجة الحرب وتدمير المدارس. وفي ظل هذه الأرقام الصادمة، يواجه الأطفال ذوو الإعاقة معاناة مضاعفة؛ إذ لم تعد الحرب تهدد حياتهم فقط، بل تهدد ما تبقى من فرص العلاج والتأهيل والتعليم والرعاية التي كانوا يعتمدون عليها قبل اندلاعها.

في سوق يعج بالباعة المتجولين بالقرب من مخيم أرض السرايا، لفت انتباهي طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره، يشير بيده نحو نوع من الفاكهة دخل إلى غزة حديثًا بعد انقطاع دام سنوات. لم تفهم والدته ما يريده في البداية، لكنه تناول بيده حبة مانجا، ففهمت والدته طلبه، وارتسمت على وجهه ابتسامة خجولة. لكن خلف تلك الابتسامة كانت تختبئ حكاية موجعة تختصر جزءًا من مأساة أطفال غزة.

الطفل عدي سليم (9 سنوات) كان يتحدث بطلاقة قبل الحرب، إلا أنه فقد القدرة على الكلام بعد تعرضه لصدمة نفسية شديدة إثر استشهاد والده أثناء البحث عن الطعام لأطفاله خلال فترة المجاعة.

تقول والدته: "منذ تشييع والده لم ينطق عدي بكلمة واحدة. أصبح يتواصل معنا بالإشارة فقط. يشير للطعام عندما يجوع أو للماء عندما يعطش، لكن صوته اختفى".

قصة عدي ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص التي تعكس واقع الأطفال ذوي الإعاقة والإصابات الجسدية والنفسية في قطاع غزة؛ حيث تحولت الحرب إلى عامل إضافي يضاعف معاناتهم اليومية ويهدد مستقبلهم.

إعاقات تتفاقم تحت الخيام

داخل إحدى خيام النزوح في دير البلح، تعيش الشابة غدير بهجت (25 عامًا) التي تعاني من الشلل الدماغي منذ ولادتها. تجلس والدتها إلى جانبها وتحاول تدليك أطرافها المتشنجة بعدما حُرمت من جلسات العلاج الطبيعي التي كانت تتلقاها قبل الحرب. تقول الأم: "كان زوجي الذي استشهد في هذه الحرب يحملها ويذهب بها إلى مركز التأهيل ثلاث مرات أسبوعيًا. كنا نلاحظ تحسنًا في حركتها وقدرتها على الجلوس، أما الآن فقد توقفت الجلسات تمامًا".

وتضيف: "الخيمة غير مناسبة لحالتها. لا يوجد سرير طبي، ولا أدوات مساعدة، ولا أخصائيون. أشعر أن كل ما حققناه خلال سنوات من العلاج بدأ يتراجع".

كما توضح أن ابنتها تحتاج إلى أدوية منتظمة لتخفيف التشنجات العضلية، إلا أن الحصول عليها أصبح بالغ الصعوبة بسبب النقص الحاد في الأدوية.

كرسي متحرك أصبح حلمًا

أما الطفل أحمد منصور (13 عامًا) فيعاني من إعاقة حركية ويعتمد بشكل كامل على كرسي متحرك. تقول والدته، وهي نازحة من شمال القطاع: "عندما اضطررنا للنزوح تحت القصف تركنا كل شيء خلفنا، بما في ذلك الكرسي المتحرك".

وتتابع: "أحمل ابني أحيانًا لمسافات طويلة أو أستعين بإخوته، لكن الأمر يفوق قدرتنا. الطرق مليئة بالركام والحفر، وحتى مراكز الإيواء غير مجهزة لاستقبال

الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا توجد مخيمات خاصة أو مؤهلة لخدمتهم". وتؤكد أن أبسط المهام اليومية أصبحت معركة حقيقية بالنسبة لطفلها، بدءًا من الوصول إلى دورة المياه وانتهاءً بالحصول على الطعام والمياه.

عالم من الصمت

وفي أحد مراكز الإيواء، تعيش الطفلة سارة ممدوح (12 عامًا) التي تعاني من إعاقة سمعية شديدة. كانت تعتمد قبل الحرب على سماعات طبية تساعدها في التواصل مع محيطها، لكن السماعات تعطلت خلال رحلة النزوح بسبب الرطوبة وعدم توفر خدمات الصيانة أو الاستبدال.

تقول والدتها: "أصبحت ابنتي تعيش في عزلة كبيرة. لا تسمع التحذيرات ولا تفهم ما يدور حولها بسهولة". وتضيف: "كانت تتلقى تعليمًا خاصًا وتتعلم لغة الإشارة في مركز متخصص، أما اليوم فقد توقفت كل هذه الخدمات".

الظلام وسط الحرب

أما محمود (10 سنوات)، الذي يعاني من إعاقة بصرية، فقد وجد نفسه أمام تحديات جديدة بعد النزوح المتكرر. تقول والدته: "كان يحفظ طريق المدرسة والمنزل قبل الحرب، أما الآن مع الانتقال من مكان إلى آخر باستمرار. فقد إحساسه بالمكان والأمان". وتضيف: "لا يستطيع التحرك بمفرده داخل المخيم، ويحتاج إلى مرافق دائم". وتؤكد أن ابنها حُرم من الوسائل التعليمية الخاصة بالمكفوفين ومن حقه في التعليم المنتظم شأنه شأن آلاف الأطفال الذين توقفت دراستهم بسبب الحرب.

أعباء نفسية لا تُرى

ولا تقتصر معاناة الأطفال ذوي الإعاقة على الجوانب الجسدية فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية. تقول أم لينا، وهي أم لطفلة تعاني من اضطراب نمائي: "كانت ابنتي تحتاج إلى روتين ثابت وتشعر بالأمان داخل منزلها ومدرستها، لكن النزوح المتكرر دمّر كل ذلك". وتضيف: "أصبحت تعاني من نوبات بكاء وصراخ متكررة، وتراجعت كثير من المهارات التي اكتسبتها خلال سنوات من التدريب".

ويؤكد مختصون أن الأطفال ذوي الإعاقة هم من أكثر الفئات عرضة للاضطرابات النفسية خلال النزاعات المسلحة بسبب فقدان الشعور بالأمان وانقطاع خدمات التأهيل والدعم النفسي.

أرقام تكشف حجم المأساة

لا تقتصر آثار الحرب على الأطفال الذين كانوا يعانون من إعاقات سابقة، بل أفرزت الحرب آلاف الحالات الجديدة من الإصابات والإعاقات الدائمة. وتشير

التقديرات إلى أن نحو 10 آلاف طفل يعيشون اليوم بإصابات غيّرت حياتهم بشكل دائم نتيجة إصابات الأطراف أو العمود الفقري أو الدماغ.

كما وثقت المؤسسات الإنسانية نحو 2,277 حالة بتر أطراف في غزة، يشكل الأطفال نسبة كبيرة منها، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد حالات البتر بين

الفلسطينيين خلال الحرب تجاوز ستة آلاف حالة.

وتعني هذه الأرقام أن آلاف الأطفال سيحتاجون إلى سنوات طويلة من التأهيل الجسدي والنفسي والدعم الاجتماعي في وقت يشهد فيه القطاع انهيارًا شبه كامل لمنظومة الرعاية الصحية والتأهيلية.

الغذاء والدواء.. معاناة يومية

تواجه الأسر النازحة التي ترعى أطفالًا من ذوي الإعاقة تحديًا إضافيًا يتمثل في توفير الغذاء المناسب والعلاج المستمر لأبنائها، في ظل تفاقم أزمة الجوع ونقص الإمدادات الطبية. تقول أم محمد، وهي أم لطفل يعاني من حالة صحية مزمنة: "ابني يحتاج إلى نظام غذائي خاص وأدوية منتظمة، لكننا بالكاد نجد ما يسد جوعنا. أحيانًا نضطر للاختيار بين شراء الدواء أو توفير الطعام لبقية أفراد الأسرة".

ولا تقتصر المعاناة على الغذاء والدواء فحسب، بل تمتد إلى نقص الحفاضات الطبية، والمكملات الغذائية، وأجهزة المساعدة المختلفة التي يحتاجها الأطفال

ذوو الإعاقة بشكل يومي. وتؤكد العديد من الأمهات أن احتياجات أطفالهن غالبًا ما تتراجع إلى آخر سلم الأولويات في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها القطاع.

غياب التأهيل والخدمات المتخصصة

قبل الحرب، كانت عشرات المراكز والمؤسسات المتخصصة في قطاع غزة تقدم خدمات العلاج الطبيعي وعلاج النطق والتأهيل السمعي والبصري والدعم النفسي للأطفال ذوي الإعاقة. أما اليوم، فقد تعرض العديد من هذه المراكز للتدمير أو التوقف عن العمل نتيجة القصف ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، ما حرم آلاف الأطفال من خدمات أساسية تشكل جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية.

وتحذر أسر الأطفال من أن استمرار انقطاع خدمات التأهيل لفترات طويلة قد يؤدي إلى تدهور دائم في الحالات الصحية لأبنائهم، خصوصًا الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة يومية ومنتظمة للحفاظ على المهارات التي اكتسبوها خلال سنوات من العلاج والتدريب.

جيل جديد من الإعاقة

ولم تقتصر الحرب على مضاعفة معاناة الأطفال الذين كانوا يعانون من إعاقات سابقة، بل أوجدت آلاف الحالات الجديدة الناتجة عن القصف والإصابات البالغة.

فإلى جانب آلاف الأطفال الذين فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بإعاقات حركية أو حسية دائمة، يواجه كثيرون إصابات دماغية وحروقًا وتشوهات سترافقهم مدى الحياة، ما ينذر بظهور جيل جديد من الأطفال ذوي الإعاقة يحتاج إلى رعاية وتأهيل طويل الأمد.

ويرى مختصون أن حجم الاحتياجات التأهيلية والنفسية في غزة بعد الحرب سيكون غير مسبوق، خاصة في ظل التدمير الواسع الذي طال المستشفيات والمراكز المتخصصة والبنية التحتية الصحية.

مستقبل مهدد

في غزة، لا يعيش الأطفال ذوو الإعاقة أزمة مؤقتة، بل يواجهون خطرًا حقيقيًا يهدد صحتهم الجسدية والنفسية ومستقبلهم التعليمي والاجتماعي. فبين النزوح المستمر وانقطاع التعليم ونقص الرعاية الصحية، تتآكل فرص هؤلاء الأطفال في العيش بكرامة والحصول على الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية.

وتطالب الأسر النازحة المؤسسات الدولية والإنسانية بالتحرك العاجل لتوفير الأجهزة المساعدة، بما في ذلك الكراسي المتحركة والأجهزة السمعية والعصي الخاصة بالمكفوفين، وإعادة تشغيل برامج التأهيل والدعم النفسي، وضمان وصول الغذاء والدواء إلى الأطفال الأكثر هشاشة.

وتختتم والدة عدي حديثها وهي تنظر إلى طفلها الصامت الذي يتابع حركة الناس من حوله بعينين مثقلتين بالحزن قائلة: "لا أريد شيئًا من الدنيا سوى أن أسمع صوته مرة أخرى".

بين الخيام ومراكز الإيواء، وبين الجوع والخوف والنزوح المتكرر، يكبر أطفال الإعاقة في غزة وهم يحملون أعباءً تفوق أعمارهم الصغيرة. وفي اليوم العالمي لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء، تبقى قصصهم شاهدًا حيًا على الثمن الباهظ الذي تدفعه الطفولة الفلسطينية، وعلى الحاجة الملحّة إلى حماية هؤلاء الأطفال وإنقاذ ما تبقى من مستقبلهم قبل أن تتحول آثار الحرب المؤقتة إلى جروح دائمة ترافقهم مدى الحياة.