إجادة الإعلام العماني
يشكِّل الإعلام إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول في تعزيز الصورة الذهنية، ودعم حضورها بين دول العالم؛ ليس لأنه أداة إخبار، بل باعتباره قوة استراتيجية مؤثِّرة في تشكيل الوعي والمعرفة، وتوجيه الرأي العام وصناعته؛ فالإعلام مسؤول عن التأثير والجذب، وقيادة فكر المعرفة ورؤية الحكمة التي تتطلَّب الصدق والموضوعية والحياد؛ لأنه القوة المحرِّكة التي تؤطِّر الأحداث بل وتصنعها.
لذلك فإن الإعلام كونه قوَّة يتحمَّل اليوم مسؤولية كبرى أمام جمهوره المنفتح الذي يجد أمامه أبوابا عدة لتلقي المعلومات؛ خاصة في ظل الانفتاح العالمي، ووجود المنصات الإعلامية المختلفة إضافة إلى ما توفِّره برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وما تقدمه من بيانات ومعلومات، ومما تصنعه من مساحات مفتوحة للتأويل والنقاش إلى غير ذلك من الوسائل الإعلامية المؤسسية والفردية التي جعلت من مهام الإعلام الوطني أكثر تعقيدا وصعوبة.
يحاول تقرير (حالة تطوير وسائل الإعلام 2026) الصادر عن أكاديمية (DW) لتطوير الإعلام الإجابة على السؤال: كيف يمكن لوسائل الإعلام التطوُّر في ظل عدم الاستقرار العالمي؟ فالمؤسسات الإعلامية في العالم بأنظمتها المختلفة والمتناقضة تكشف ضعف الآليات التي يعتمد عليها، وقدرته على الصمود في وجه المتغيرات المتسارعة، والحروب النفسية والإلكترونية بين الدول ما يستدعي تطوير وسائل الإعلام من خلال إعادة تشكيل العلاقات بين أنظمة الإعلام ووسائله المختلفة من ناحية، وبينه وبين المجتمع وقضاياه من ناحية أخرى إضافة إلى تعزيز قدرته على الوصول إلى العالم، وإحداث أثر إيجابي.
وفي زمن القوة الصلبة فإن الإعلام يتحمَّل مسؤوليات أكبر؛ لأن قدرته على إحداث تأثير ستصبح أكثر صعوبة؛ ففي حين يُراد من وسائل الإعلام تقديم الحقائق واستعراضها بحيادية وموضوعية تُفضِّل الكثير من مؤسسات الإعلام في العالم المضي وفقا للسائد وتأييد أنظمة بعينها وفق أيديولوجيات مسيَّسة، الأمر الذي يجعل الإعلام في مفترق طرق؛ إمَّا أن يسعى من أجل الحقيقة ودعم السلام والاقتراب من المجتمع وقضاياه والمساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعه ومجتمعات العالم، وإما أن يقدِّم نفسه باعتباره أداة في يد أصحاب المصالح.
لذا فإن الإعلام مطالب جماهيريا أن يصنع الفارق وسط تلك التناقضات كلها، ويقدِّم ما يعزِّز ثقة الجماهير، ويدعم آفاق الحرية الإعلامية من حيث إسهامه المباشر في الأمن المعرفي باعتباره جزءا من البنية الأساسية للدولة التي يرتكز إليها الجماهير عندما تتضارب الآراء وتتعاظم المصالح.
إن فكر الإعلام الحديث ينطلق من مجتمعه وحاجة جماهيره إلى الحقيقة، وبناء الصدق المعرفي والأمن الذي يُحقِّق الاستقرار، ويوصل الحقائق بأمانة وحيادية بوصفه الوسيط المعرفي.
إن الإعلام في ظل الظروف والقوى التي تتنازع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ومعرفيا يحتاج إلى تطوير من حيث إمكاناته التقنية، وتمكين الموارد البشرية الإبداعية من الإبداع الفكري والفني من خلال مساحة التجريب التي يمكن أن تشكِّل قوة ناعمة قادرة على الوصول إلى الجماهير والآخر الذي يبحث عن جوهر المجتمع، ويسأل عن قدراته وإمكاناته إضافة إلى أهمية تعزيز حرية الإعلام الإبداعي، ودعم توجهاته بما يُحقِّق أهداف الإعلام الوطني، ويفتح آفاق وصوله إلى جماهير العالم.
ولقد طالعنا الإعلام العماني بمجموعة من التقارير والإحصائيات التي تُظهر التقدُّم الذي يحرزه هذا القطاع على مستوى المشاهدات والمتابعات من قِبل الجماهير، ودعمه للمحتوى الوطني الرقمي، والبرامج الثقافية والاجتماعية والتنموية التي يقدِّمها للجماهير، خاصة البرامج الترفيهية والفنية التي (استحوذت على النصيب الأكبر من ساعات البث في إذاعة الشباب خلال عام 2025 مسجِّلة (4.136) ساعة) حسب تقرير عُمان إضافة إلى أن البرامج الثقافية جاءت في المرتبة الأولى من حيث أعداد البرامج والمواد التي تُبث سواء في الإذاعة أو التلفزيون أو منصة (عين).
فما يقدمه الإعلام العماني من محتوى ثقافي لافت من حيث المادة التأريخية والبرامج التوثيقية، والأفلام الوثائقية، لا يدعم التوجه المجتمعي والمساهمة في توثيق التراث الثقافي العماني، ودعم منطلقات القوة الناعمة العمانية وحسب، بل يُعزِّز أيضا مكانة عُمان في المؤشرات الدولية خاصة (مؤشر الابتكار العالمي) الذي يمثِّل المحتوى الثقافي الإبداعي والابتكاري أكثر من ثلاثي مرتكزاته ومؤشراته الفرعية؛ ولهذا فإن الإعلام يقوم بدور كبير في دعم هذه المكانة، خاصة إذا ما تم التعاون والتكامل بينه وبين المؤسسات المعنية بالمؤشرات بُغية تعظيم الأثر من إنتاج المحتوى الثقافي الإبداعي.
ورغم أن التقارير الإحصائية غالبا ما توفِّر مؤشرات واضحة عن مستوى الأداء أو التطوير في القطاع، إلاَّ أنها تظل غير كافية، ولا تعبِّر عن تلك الجهود التي تقدمها مؤسسات الإعلام في عُمان، ومقدار المصداقية والشفافية التي تمتهنها في سبيل إيصال الحقائق إلى الجماهير. إن الإعلام الوطني يُقِّدم نموذجا للإعلام المتزِّن الذي ينشد البحث عن الحقيقة وإبداء الرأي الموضوعي في القضايا الإقليمية والعالمية، الأمر الذي يجعله أكثر قربا من الجماهير التي تبحث عن المصداقية إضافة إلى كونه أحد أهم الداعمين للشباب وأصحاب المبادرات، وهو موضوع في غاية الأهمية؛ حيث يوفِّر مساحة كبيرة لمناقشة قضايا الشباب، وتقديم النماذج الناجحة من أولئك الذين تغلبوا على التحديات، واستطاعوا إحداث أثر إيجابي في حياتهم وحياة مجتمعهم؛ ففي التلفزيون هناك برنامج (حديث الشباب)، وفي الإذاعة برنامج (مع الشباب)، وبرنامج (صباح الشباب) وغيرها؛ إذ توفِّر مجالات حوارية تفاعلية بين الشباب في قضايا عدة خاصة ريادة الأعمال وتحدياتها وعوامل إنجاحها.
إن مثل تلك البرامج توفِّر مجالا للحديث والنقاش مع الشباب وإليهم، ومع أهميتها وقدرتها على الوصول إلى الجماهير، إلاَّ أنها تحتاج إلى التطوير الفني الذي يخرجها من فكرة الحوارات التي غلبت على الكثير من البرامج إلى الإبهار الفني والإبداع الإخراجي في تقديم المحتوى الذي يتواكب مع الفكر التقني لفئة الشباب، ويلفت انتباههم من ناحية، كما يحتاج إلى قياس (الأثر) من ناحية أخرى، سواء بأعداد المشاهدات، أو استطلاعات الرأي، مما يعزِّز وصول هذه البرامج المهمة إلى الجماهير عموما وجمهور الشباب بشكل خاص.
كما أن التقدُّم الذي يحرزه الإعلام العماني في مؤشرات حرية الصحافة يدل على ذلك الانفتاح الفكري في الخطاب الإعلامي إضافة إلى المساحة الواسعة التي توفرها الدولة في مجالات حرية التعبير عن الرأي، الأمر الذي يمكن أن يُقاس أيضا على مستوى كتابات الرأي في الصُحف المحلية، وحرية التعبير في البرامج الحوارية ومنصات التواصل الاجتماعي. وهو إنجاز يمكن قياسه ليس فقط عبر وسائل الإعلام الرسمية، بل أيضا عبر صفحات الإعلاميين (الأفراد)، وما يقدمونه من محتوى داعم للفكر العماني المنفتح ومعزَّز بالإخراج الفني والتقني بجودة عالية.
إن الإعلام العماني الحكومي والخاص يعبِّر عن مرآة المجتمع، ويوفِّر مساحة للتعبير بشفافية وموضوعية، ويسعى من أجل تقديم الحقائق من خلال التقصي والبحث، ومن أجل ذلك عليه أن يطوِّر من أدوات العرض الفني والتقني الجاذبة التي تقدِّم المحتوى الهادف وفق رؤية واعية لنفسية الجماهير وذائقتها الفنية، وقدرة المحتوى على الوصول إليهم والولوج إلى وعيهم؛ فالتقنيات المعزِّزة اليوم تمثِّل قوة كامنة تتغلغل في الذهنيات إذا ما أرادت بلوغ وعي المتلقين والجماهير، ولعل إطلاق (مسابقة الإجادة الإعلامية) ستمثِّل خطوة مهمة في تحقيق هذه التطورات الإبداعية والابتكار لتقديم المحتوى الإعلامي ومحفِّزة للخروج من بوتقة (البرامج الحوارية).
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.
