الشرق الأوسط الجديد
منذ ما يزيد على عقدين من الزمن تجري محاولات حثيثة من قبل الحكومات المتعاقبة في إسرائيل وبمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية، وفق رؤية جيوسياسية جديدة تهدف إلى تغيير الأنظمة في العديد من دول المنطقة تحت شعار نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب، ثم إعادة رسم التحالفات، وكذلك تقويض وتفتيت المحاور والدول المناهضة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية من خلال إذكاء النعرات والخلافات الطائفية والمذهبية والدينية وإشعال فتيل الفتن الكبرى لتسهيل تقسيم الدول وإضعافها.
أول من طرح فكرة الشرق الأوسط الجديد هو الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز في كتابه الصادر عام 1994 بعنوان (الشرق الأوسط الجديد).
وفي صيف عام 2006 أثناء الحرب بين إسرائيل والمقاومة الإسلامية في لبنان أعادت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس نفس المصطلح (الشرق الأوسط الجديد)، مبشرة المنطقة بتحول جديد فيها يبدأ من لبنان في حال استطاع الجيش الإسرائيلي القضاء على حزب الله.
ولكن صمود لبنان وقدرة المقاومة اللبنانية على البقاء والتصدي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، غيّر المعادلات وانتهت الحرب وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 1701 بتشكيل قوات من الأمم المتحدة (اليونيفيل) قوامها حوالي (15) ألف جندي لمراقبة الحدود الإسرائيلية اللبنانية وضبط وقف إطلاق النار وفقا لبنود ومقتضيات القرار.
أثناء أحداث الربيع العربي وموجات الاحتجاجات التي اندلعت في نهاية عام 2010 وشملت عددًا من الدول العربية.
فقد استغلت بعض الدول الكبرى حالة الفوضى وعدم الاستقرار في تلك الدول للتدخل سياسياً وعسكرياً فيها لإعادة ترتيب مراكز القوى بما يخدم مصالحها وفقاً لرؤية الشرق الأوسط الجديد، وتحولت الأحداث في بعض الدول إلى حروب أهلية.
وبالرغم من تغيير الأنظمة السياسية في عدد من الدول العربية، والفوضى والدماء والدمار التي شهدتها، إلا أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقاً لرغبات تل أبيب لم تتحقق.
وبعد طوفان الأقصى الذي بدأ في السابع من أكتوبر 2023، والذي كان نتيجة حتمية للظلم والقمع والتعسف الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني، فقد بدأت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو مرحلة جديدة من الحروب والدمار لتنفيذ نفس المخطط الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية وإقامة مشروع إسرائيل الكبرى وفقاً لرؤية «الشرق الأوسط الجديد»، حيث دمرت قطاع غزة بالكامل وجنوب لبنان وسيطرت على بعض القرى الحدودية فيه، وتقصف مناطق الجنوب بشكل يومي، وتهدد بقصف بيروت، واحتلت أجزاء إضافية من سوريا وصولا إلى قمة جبل الشيخ الاستراتيجية.
وأخيراً الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والهادفة إلى إسقاط النظام السياسي الحاكم فيها، تمهيداً لتحقيق نفس المشروع، وانتهت الحرب إلى هدنة هشة وحالة اللاحرب واللاسلم، وأصبحت مشكلة فتح مضيق هرمز هي الهدف الذي تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيقه، نظراً للأثمان الباهظة التي تكبدها الاقتصاد العالمي عموماً ودول المنطقة بشكل خاص.
وتوجد حالياً مساعي إقليمية ودولية كبيرة للوصول إلى سلام شامل وعادل ودائم يضمن عدم تكرار الحرب وكذلك فتح مضيق هرمز أمام الملاحة والتجارة الدولية، كما كان قبل الحرب؛ وذلك ممكن وقابل للتحقيق في حال تراجع الأطراف المتحاربة عن المغالاة في الشروط والمطالب.
وفي هذه الأثناء ظهرت مجدداً دعوة الرئيس الأمريكي عددا من دول المنطقة إلى الانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية لمكافأة رئيس وزراء إسرائيل وحكومته المتطرفة على ما ارتكبته من مجازر وحروب على دول المنطقة وشعوبها، وهذا الطرح ليس ببعيد عن رؤية الشرق الأوسط الجديد، لكنه غير قابل للتحقيق في هذه الظروف على الأقل.
إن الشرق الأوسط الجديد يجب أن يقوم على العدل والسلام والأمن والاستقرار للجميع من خلال مبادرة السلام العربية التي اقترحها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود _ طيب الله ثراه _ واعتمدتها قمة بيروت العربية عام 2002، ذلك يعني إن طريق السلام مفتوح أمام إسرائيل منذ ما يزيد على 24 عاماً، وستكون جزءا من منظومة الشرق الأوسط الجديد القائم على العدل والسلام.
لكن إسرائيل لا ترغب بل ترفض السلام وترى الشرق الأوسط الجديد من خلال هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية عليه، وإقامة مملكتها الكبرى من النيل إلى الفرات.
إن الولايات المتحدة الأمريكية بلد الديمقراطية والحريات والعدالة، إن كانت لا تزال متمسكة بتلك القيّم التي نص عليها الدستور الأمريكي فيتوجب عليها ومن خلال مسؤولياتها كدولة كبرى في العالم أن تسعى إلى السلام والعدل في هذه المنطقة، وأن تدرك بأن دعمها المطلق لمخططات نتنياهو التدميرية في منطقة الشرق الأوسط، سيؤدي إلى خسارتها لحلفائها التاريخيين والتقليديين فيها.
هذا بالإضافة إلى أن مغامرات الحكومة الإسرائيلية الحالية المتطرفة، ستؤثر حتماً على أمن إسرائيل الوجودي؛ نظراً لحالة العداء المستحكمة، وعدوانها وجرائمها المتكررة على جوارها العربي والإقليمي ومؤامراتها الخبيثة التي لا تنتهي.
د. سعيد بن محمد البرعمي سفير عماني سابق.
