الإصغاء إلى «ترانيم الأمل»: حبذا لو أغمضت عينيك وسددت أذنيك
طالبات وطلبة من معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين، والمركز الوطني للتوحد، ومدرسة الأمل للصم، ومدرسة التربية الفكرية يعزفون ويغنون؛ حبذا لو أغمضت عينيك وأنصت، حبذا لو سددت أذنيك وتمعنت، لو كان بمقدورك أن تجعل جسدك كله حاسة واحدة تنساب مع تدفق الأمواج الصوتية في الهواء، هل تسمع نبضات القلوب؟ هل ترى تردد الأنفاس؟ أيمكنك أن تلمس الحماسة المتدفقة التي تحققها هذه القطعة الحياتية المتجسدة في قسمات هؤلاء المؤدين على المسرح تحت الأضواء في ليلة من ليالي بدايات الصيف، هذا المشهد القادم في مايو عام ٢٠٢٦م كأنه تباشير الرطب على مسرح الحرس السلطاني بالعاصمة العمانية مسقط في حفل رعته وتعهدته السيدة العمانية الأولى.
قطعة عمانية معاصرة حية من الزمن، كل شيء فيها يدعونا لنلتفت إليها، لنوليها حواسنا الباقية، لكن هل نملك من الحواس ما يجعلنا نتمكن من إدراكها؟ هل نشعر بها في زحام تدفق البيانات والمناسبات والأحداث والطرق والأعمال والمشاريع تحت ضغوط التوتر والقلق والخشية؟ لو أمكننا ذلك لرأينا كيف أن هذه اللحظة الزمنية المكثفة تحمل داخلها إلهامًا رفيعًا، أملًا يحدث هنا، والآن في هذه اللحظة الممتلئة في كل مكان من العالم بكل يأس.
هل ما زال بمقدورنا أن نتلمس الأمل المنبعث من هذا الحفل؟ ليس أمل ذوي الاحتياجات الخاصة وحدهم، بل أمل الإنسانية المتجسد فيهم، أي أفق واتساع وإبداع تستطيع أن تمنحه هذه الفئة التي نظلمها زورًا وبهتانًا حين نعتبرها أقل منا بينما هي في الواقع أكبر منا بمراحل، تعطينا بكل بساطة ما نعجز نحن عن تحقيقه وتجسيده حيًا على الأرض.
ولادة الأمل ليست سهلة ويسيرة كما تبدو، كما أن الثمرة التي نقطفها من الشجرة قد استغرقت منها الوقت والجهد والعمل والجنود والجنديات المجهولين والمجهولات الذين بذلوا كل طاقاتهم بكل إخلاص من أجل ولادة الثمرة التي يمكنها أن تلمس شغاف القلوب، وهنا هذه الثمرة الفنية التي تبعث الإلهام تزرع البهجة، وتبعث الأمل في وقت واحد؛ لكن كيف حدث ذلك كله؟ ولماذا تبدو هذه اللحظة جميلة وخاصة وعميقة تولد ردود الأفعال المبتهجة لدى الجميع؟ هذا ما نحاول العثور عليه هنا.
ظاهريًا تبدو الإعاقة أو العاهة الجسدية أيًا كانت كأنها سجن طبيعي يحد من قدرة الفرد (أنا لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، لا أتحرك)، لكن من يدري أي ملاك ذهبي يرعاني؟ وأي أجنحة أملك؟ ذلك أننا حين نذهب أعمق من النظرة السطحية نرى أن الإعاقة الظاهرية هي في الواقع والحقيقة عون إلهي للإنسانية، رسالة أسمى وأبعد غورًا وعمقًا من الأحكام السطحية، والإنسان منذ عهد آدم يسقط في أحكامه السطحية، وينسى غور الوجود. لكن أين الدليل؟
الدليل هذه اللحظة نفسها التي تبعث الأمل من خلال مجموعة من المغنيات والعازفين الذين لا يتجاوزون حدود أحكامنا على قدراتهم بتمكنهم الأدائي الفني على المسرح فحسب، فهذا أبسط وأسهل ما يمكنهم، بل في قدرتهم على إعادة كل الأمل الذي فقدناه، الأمل الذي ضيعناه وعجزنا عن الإيمان به حتى النهاية، لكن من يشعر حقًا بأن هذه المعجزة التي نحلم بها جميعًا هي ما حدث؟
لقد أهدانا هؤلاء اليافعون ما نظن أننا أهديناه إليهم، عطفوا علينا قبل أن نعطف نحن عليهم؛ لأنهم استطاعوا أن يضعوا أصابعنا على الأفق الحي الذي عجزنا بكل قوانا وقدراتنا عن لمسه؛ من أين لي أن أستلهم هذه الأفكار؟
تعال معي، عُد لتسجيل الحفلة المتوفر على حساب وزارة التنمية الاجتماعية على اليوتيوب، ابحث عن حفل ترانيم الأمل، حين تجده يمكنك أن تغمض عينيك وتنصت للأصوات، للموسيقى وهي تنساب بآلاتها المختلفة، وللغناء، ستصغي لتلك المحاولات الجادة المجتهدة، وحين تبصرها حقًا وتسمعها حقًا ستجدها أعمق مما يبدو، وستلهمك أشياء لم تخطر ببالك، لكنك لا تستطيع أن تغمض عينيك وتسد أذنيك وتصغي. نحن نعجز عن الإصغاء للموسيقى بجسدنا كله، لكن هذا ما يفعله الأعمى والأصم طوال الوقت بكل بساطة.
شهد يوم الحادي عشر من مايو انطلاق لفتة إنسانية عمانية فريدة بأعلى مستوى، وهي ليست لفتة إلى فئة بعينها، بل إلى الإنسان فينا، إلى حواسنا نحن؛ ذلك أن الحواس قد تكون مكتملة عند إنسان ما، لكن حساسية تلك الحواس مفقودة، والمشاعر ناقصة، ولعل هذه هي الرسالة النبيلة التي أهداها لنا وألهمنا إياها أولئك اليافعون الذين عزفوا وغنّوا تلك الليلة، الرسالة التي تدعونا كي ندرك القيمة الأعمق للحواس، أن ندرك الحواس الداخلية الهائلة التي لا يعيقها شيء بينما نحن سجناء حواسنا الخارجية فحسب.
انطلق الحفل بأداء مقطوعات وأغان شائعة أداها مجموعة فتيات وفتيان من ذوي الإعاقات البصرية والسمعية وطيف التوحد، وكان العامل المشترك هو أكبر المشاركين الذي شارك وبذل جهده من أجل الجميع، وكان كأنه قطب الرحى الذي يطوف حوله الأمل الفتيّ؛ لأنه مبدع ملهم فنان من أشهر فنانينا المعاصرين اليوم، صاحب الشخصية الجميلة والمرحة والحيوية كما عرفناه من خلال ظهوره البسيط، لكننا عرفناه أكثر من خلال أعماله الفنية المختلفة، وروحه الوثابة، رائد الفارسي الذي يؤثث منذ عقد وأكثر فضاء الأصوات العمانية المعاصرة بالفن والإبداع والجمال فضلًا عن جهوده الاجتماعية المختلفة التي تبرز هنا في حفلة ترانيم الأمل بلمساته ومشاركته الشخصية وعزفه.
ليلة بديعة استمعنا فيها لذوي الاحتياجات الخاصة يحيون حفلًا موسيقيًا يحيا برعاية رفيعة خاصة من السيدة الجليلة عهد البوسعيدي، وفهمنا من الحيثيات أن الفكرة انطلقت من السيدة الأولى نفسها التي اقترحت ذلك قبل عام، وتحقق الحلم بتكوين فرقة موسيقية متكاملة من ذوي الاحتياجات الخاصة، سواء من ذوي الإعاقات البصرية أو السمعية أو طيف التوحد، لنشهد ولادة فرقة ترانيم الأمل التي أحيت حفلة متكاملة على مسرح الحرس السلطاني العماني بمشاركة أرفع الفرق الموسيقية العمانية المحترفة في عمان: الفرقة السلطانية الأولى للموسيقى التابعة للمراسم السلطانية، والفرقة الفولاذية وأوركسترا مسقط الفلهارمونية التابعة للحرس السلطاني العماني، والتي ساهمت بدورها في إثراء وإحماء الحفل بقدرات المحترفين التي تبارك انطلاقة الشباب الفتي.
هكذا تمكنا من الاستماع لعدة مقاطع غنائية جماعية من الفرقة، ولمعزوفات منفردة لكل من أحمد الشعيلي يعزف عمر خيرت، مصطفى النبهاني على القانون، رجوى المخينية وحميدة الرحبية على الأورج بمصاحبة رائد الفارسي، ثم عزف ماهر العريمي الماهر على العود، وكان مسك ختام الحفل الأغنية الرائعة التي حسنًا فعلوا إذ بثوها مسجلة، وهي أغنية (أنا أقدر) كلمات هيثم البوسعيدي وألحان زياد الحربي وتوزيع رائد الفارسي.
إن إلقاء نظرة ولو سطحية على قائمة العباقرة المبدعين والأسماء الخالدة على مر التاريخ المعروف من ذوي الإعاقة كفيلة بإيضاح هذا المسار الإنساني الملهم، من يهمه مطالعة قائمة الموسيقيين العميان على موسوعة الويكيبيديا ليجدها تمتد من العصر الفرعوني إلى يومنا هذا، بل لقد ارتبط العمى والموسيقى طوال التاريخ بشكل طبيعي؛ ذلك أن حاسة السمع لدى الكفيف أكثر تطورًا من الإنسان العادي، وذلك ما جعل المكفوفين ملوكًا في مملكة الأصوات، وبالتالي أكثر قدرة إبداعية على إنتاج الموسيقى والألحان.
موسيقيًا لدينا في عمان اليوم رائد الفارسي، وفي الخليج ابتسام لطفي، أما في عالمنا العربي نجد المصري مصطفى سعيد، وهو امتداد لتراث طويل من سيد مكاوي، للشيخ إمام، لعمار الشريعي، وغربيًا نجد اندريه بوتشيلي المغني الأوبرالي الإيطالي، وفي أمريكا مغني موسيقى السول الشهير ري تشارلز، وفي بريطانيا الموسيقي الشهير جورج شيرينج، وشرقًا نجد في الهند رافيندرا جين، وفي الصين كان عازف البلاط مهنة مخصصة للمكفوفين، وفي اليابان نوبيوكي تسوجي عازف البيانو العالمي، وفي أمريكا اللاتينية كثر منهم الكوبي فرانك اميليو فلين. كمجرد أمثلة سريعة فلا يكاد يخلو بلد من البلدان من موسيقي وفنان من ذوي الإعاقة البصرية أو السمعية.
أما في حقول الإبداع الأخرى فالمكفوفون والصم أشهر من نار على علم، لدينا في عمان منهم عبر التاريخ الإمام نور الدين السالمي، وفي العصر الحديث المحدث واللغوي إبراهيم الكندي، والمقرئ حسن الفارسي،
الواقع أنك لا تكاد تجد حقلًا من حقول الإبداع إلا ويبرز به اسم هؤلاء الأشخاص الاستثنائيين الذين جعلوا من إعاقتهم تفردًا شهودًا على القدرة التي يتجاوز بها من يوصم بالإعاقة الآلاف والملايين من الأصحاء حين تصبح الإعاقة تفردًا واستثناء، وهذا هو الإلهام الذي تبعثه فرقة ترانيم الأمل في صغار المعاقين؛ كي يتجاوزوا إطار النظرة الاجتماعية الضيقة نحو سعة الوجود وفسحته، ولا تكتفي الفرقة بهذه الرسالة وحدها، بل لديها رسائل، حتى لنا نحن من نعتبر أنفسنا أصحاء، كي نتجاوز سطحيتنا وحدود حواسنا التي نضيّقها بأحكامنا المسبقة.
هناك قصة معبرة نستطيع استلهامها من عميد الأدب العربي طه حسين، يذكرها في كتابه الأيام، وهي أن الكفيف في زمنه كان قدره الوحيد أن يصبح مقرئا للقرآن، لكن طه حسين تجاوز ذلك الإطار بمراحل، خرج من العباءة التي أريدت له حتى أصبح عميد الأدب العربي، وكان أحد أهم مشاريعه أن أخرج لنا من ركام التاريخ أعمال العبقرية العربية المتمثلة في سلفه أبي العلاء المعري، وما كانت الرسالة التي يحملها المعري لهذا العالم غير نور مشرق أصبح يقود أفكارنا المعاصرة نحو آفاق جديدة، وألهم عالمنا المعاصر رؤية أوسع لا نجدها إلا بشكل نادر في الأعمال الكلاسيكية العربية، وهذه هي بصيرة الأعمى، وهي البصيرة التي يمكنها أن تقودنا في ظلام العصور، وهذا ما يحاول هؤلاء العباقرة عبر التاريخ أن يهدوه لنا، أن يعلمونا فن البصيرة، والإصغاء، والإحساس؛ وما يزالون يحاولون، وهذا ما حاولت تقديمه فرقة ترانيم الأمل تلك الليلة.
لو أنني صادفت الأمل مارًا في الطريق لتشبثت به، فكيف إذا كان تحت كل هذه الأضواء وهذه الهالة، وهو يغني بأعذب صوت ويعزف بأجمل أداء؟
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
