45 عامًا على تأسيس مجلس التعاون: صعود اقتصادي وصمود سياسي
03 يونيو 2026
03 يونيو 2026
احتفل مجلس التعاون الخليجي في الخامس والعشرين من مايو الماضي بمرور خمسة وأربعين عاما على تأسيسه، التي كانت بداية انطلاقه من العاصمة الإماراتية أبوظبي في العام (1981). هذه المدة الزمنية منذ ولادة مجلس التعاون الخليجي حتى الآن، تجسد مضامين للمجتمع الخليجي والإقليمي والدولي بأن المجلس ولد ليبقى أزمنة مديدة؛ لأن بنيانه راسخ من المؤسسين الذين رحلوا عنه، وتسلمه من جاء بعدهم من قادة دول المجلس الذين قلوبهم متآلفة ومتوافقة على العمل نحو بقاء المجلس متماسكا مهما كانت شدة الظروف السياسية والتذبذبات الاقتصادية.
وإن كانت هناك منجزات متسارعة على الصعيد الاقتصادي لمجلس التعاون منذ تأسيسه حتى الآن، فإن ذلك يبشر بنجاح صموده في ظل التكهنات بأن الرؤى السياسية والنظرة المستقبلية تمثل تحديا كبيرا في ظل الأوضاع الحالية، وظهور بعض الملفات السياسية التي لاحت حولها الشبهات بوجود اختلافات جوهرية بين دول المجلس في طريقة التعاطي معها، وأيضا في ظل التقلبات الإقليمية غير الهادئة في منطقة الشرق الأوسط.
لقد عتت بدول المجلس رياح قوية في محطات كثيرة بعضها بعيدة، والأخرى قريبة تعاش خلال الوقت الراهن، وذلك في ظل استمرار تدخلات أجنبية هدفها تفتيت شمل الوحدة الخليجية، ولكن تلك الأهداف الخبيثة في كل مرة يتصدى لها قادة دول المجلس بمصدات من ترسيخ وتثبيت وشائج اللحمة الخليجية التي ترى أن الغايات والأهداف النبيلة لبقاء دول المجلس متماسكة وبعيدة عن تيارات الفتنة، وأن تأسيسه يمثل دعامة أساسية لخدمة مواطنيه مع المحافظة على الاستقرار السياسي لدول الخليج، وإن كان ما تحقق يبقى أقل من التطلعات الخليجية لأبناء دول المجلس.
وعندما تشتد المحن والشدائد، وتعصف بالعلاقات البينية الخليجية العواصف يخرج من بينها من القادة من يرطب ويضمد ويخفف من وطأتها؛ وبالتالي تبقى تلك الشدائد بمثابة امتحان واقعي وغالبا ما تخرج منه دول المجلس بعلامات النجاح. وإن كانت تلك العلامات ليست كلها مرتفعة، وخاصة على الصعيد السياسي، ولكن تبقى سارية المجلس مرفوعة تنظر إلى المستقبل نحو رخاء وسعادة أبناء دول المجلس، وأن يكون هذا الكيان الخليجي نموذجا يحتذى به في العلاقات العربية وغير العربية.
ومع كل ما يحيط بالمجلس من تقلبات بين الحين والآخر، ولكن الناظر للمشهد الاقتصادي يتحدث عن نفسه؛ فهناك أرقام ضخمة تدل على قوة التبادل التجاري البيني، ومشاريع كبيرة للربط الخليجي للطرق والموانئ والكهرباء والقادم يتمثل في مشاريع السكك الحديدية التي تسابق الزمن في الانتهاء منها، مما يجعل دول مجلس التعاون تتمتع بشبكة تنقل لوجستية واسعة تخدم الأفراد والاقتصاد. هذا يأتي من الإيمان الثابت بين قادة دول المجلس بأن المجلس تكمن قوته في التعاون والوحدة الاقتصادية، وليس العمل بطريقة انفرادية وانعزالية؛ حيث إنها تؤدي إلى الضعف، وليس القوة.
أما الانضواء تحت مظلة الدول التي تطلق على نفسها بالمتقدمة فإن أغلبها أصبحت بعيدة عن المبادئ الإنسانية، ولا هم لها إلا خدمة مصالحها الشخصية، وإن قامت أية دولة بتدمير وقتل شعوب الدول الأخرى الأضعف منها فإنها تقف مكتوفة الأيادي، وتحسب حسابات المصلحة السياسية في كل ما تقوم به. على سبيل المثال ما يحدث في لبنان وفلسطين والسودان من القتل والظلم والتدمير والطغيان؛ فإن الدول التي تتباهى بقوتها تبقى متفرجة على الأحداث المأساوية لما يحدث في تلك الدول؛ لأنه لا مصلحة لها في تلك الصراعات.
تلك الدول الغربية التي تثير الأزمات والتدخلات في شؤون الدول الأخرى هي مفلسة سياسيا واجتماعيا، وأصبحت شعوبها تمقتها، وتضعها أضحوكة وعبرة للزمان؛ وبالتالي لا ينتظر منها أية صداقات تاريخية؛ فهي لم تستطع إدخال السعادة والطمأنينة لشعوبها، فأنى لها أن تقدم خدمات وصداقات نزيهة لغيرها من الدول؟ وبالتالي لا خيار لدول المجلس إلا المضي قدما بثقة وقناعة راسخة لا حياد عنها نحو استكمال مقومات الوحدة الخليجية على جميع الأصعدة؛ لأن الالتصاق بالغريب غير مفيد وفي أفعاله ما يريب، وغالبا يكون ناكرا للجميل.
كما ظلت الرؤى حول آليات الردع الخليجي والقضايا السياسية غالبا متطابقة لمدة طويلة بين دول المجلس عندما اختبرت أثناء فترة الغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة؛ حيث هبت جميع دول المجلس لصد ذلك العدوان، مما أعطى نجاحا باهرا للجوانب السياسية والعسكرية في تطبيق آلية الدفاع المشترك، وأن أي اعتداء على دولة خليجية هو اعتداء على جميع دول المجلس.
كما أن التذبذب البيني في الجوانب السياسية والاختلاف التفسيري في القضايا الخليجية أدى إلى حدوث أول تشقق في الرؤى بين دول مجلس التعاون أثناء الأزمة الاقتصادية التي شنتها بعض من دول المجلس ضد دولة قطر في (2017) والتي استمرت لسنوات عجاف تجاذبت فيها دول المجلس شتى أنواع التعامل السياسي والاقتصادي الذي لم يكن متوقعا؛ لأن العلاقات الخليجية كانت قوية بين جميع دوله، ولكن مع تلك النكبة في المشهد الخليجي فإنه صمد طويلا مع التيارات التي كانت ترى أن بوادر انتهاء عصر التعاون الخليجي آتية لا محالة.
أيضا، فإن مرحلة تأسيس مجلس التعاون الخليجي كانت في ظل الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث كانت بعض دول المجلس تدعم الجانب العراقي، وبالتالي بعد تلك الحرب تعززت مكانة مجلس التعاون على الصعيد السياسي، وأصبح من المجالس التي يشار إليها بالبنان مما أدى إلى رغبة دول الجوار العربي الانضمام للمنظومة الخليجية؛ وذلك لأن جميع الكيانات والمجالس العربية في ذلك الوقت وحتى الآن فشلت في تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية؛ وبالتالي آلت إلى زوال.
وفي هذه الفترة المقلقة التي تمر بدول مجلس التعاون الخليجي فإن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران أحدثت اضطرابا في العمق السياسي الخليجي؛ حيث اختلف تفسير آلية وكيفية الردع الخليجي ضد إيران؛ لأن الضربات التي شنتها إيران شملت جميع دول المجلس، وإن كانت بنسب متباينة، وكان هدفها - كما تدعي إيران - ليس المساس بدول المجلس واحتلال أراضيه، وإنما ضرب أماكن وجود القوات والقواعد الأمريكية، وإن كانت تلك الضربات غير مقبولة؛ لأنها تمس بسيادة دول المجلس.
ولكن مع ذلك فإن دول المجلس رأت أن الدخول في حرب مع إيران ليس في صالحها، بل يمثل هدية لخدمة الأطماع التوسعية الإسرائيلية بإشعال الفتن بين الدول الخليجية والعربية مع إيران مما يحقق للكيان الصهيوني مكاسب سياسية وعسكرية بإضعاف عدوها اللدود، وهي جمهورية إيران الإسلامية. كما أن تكاليف الحرب باهظة، ويتأذى منها الأبرياء من المدنيين؛ وبالتالي أغلب دول المجلس كانت في موضع الدفاع، وليس الهجوم.
لقد انطفأت جميع الشدائد التي مرت بدول مجلس التعاون، وذلك باستخلاص العبر والعظات بأن عدم توافق الجميع مع رؤى سياسية موحدة بين دوله لا يهدد كيان المجلس وبقاءه؛ وبالتالي تتحول اختلافات الرؤى بين دول المجلس إلى دروس سياسية في أنه لا مناص لمجلس التعاون الخليجي إلا في استمراره كتكتل إقليمي وصل إلى مراحل متقدمة من التكامل الاقتصادي.
كما ينبغي أن تعمل جميع دول المجلس على تعزيز أواصر التعاون لمرحلة ينتظر أن يتحول في يوم ما إلى اتحاد خليجي، ولكن للوصول إلى التحول الإيجابي في مسيرة المجلس يجب أولا أن تبنى قناعات ومبادئ راسخة بين قادة دول المجلس بأن ما حدث في الماضي لن يعود، وبأن الشأن السياسي يجب أن يعاد النظر فيه للوصول إلى توافق خليجي لحلحلة الملفات العالقة؛ لكي يبقى هذا الصرح الخليجي يرفد الأجيال بمنجزات اقتصادية وسياسية راسخة البنيان على مر العصور والأزمان.
